كشف تحقيق لصحيفة "هآرتس" عن تصاعد مقلق في عدد حالات الانتحار داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تقليص في خدمات الدعم النفسي المقدّمة للجنود.
وبحسب الصحيفة فإن عدد حالات الانتحار في صفوف الجنود وعناصر الشرطة سجل قفزة مرعبة خلال الشهر الأخير؛ حيث أقدم ثمانية جنود ورجال شرطة في الخدمة الفعلية على الانتحار خلال الشهر الأخير، بالإضافة إلى ثلاثة آخرين من جنود الاحتياط الذين تم تسريحهم مؤخرًا. وفي مقابل هذا التصاعد، تشير المعطيات إلى تقليص في نطاق الدعم النفسي الذي يقدمه الجيش وسط انتقادات حادة من جنود وخبراء لسلسلة من الإخفاقات؛ أبرزها إلغاء ما يعرف داخل الجيش بـ"أيام التفريغ النفسي" وتراجع حضور ضباط الصحة النفسية في الميدان.
تؤكد البيانات انتحار ما لا يقل عن عشرة جنود منذ مطلع العام الجاري، ستة منهم خلال شهر أبريل الجاري وحده. ويضاف هذه الحالات إلى ثلاثة جنود احتياط وضعوا حدًا لحياتهم فور خلعهم البدلة العسكرية، فضلًا عن جندي في "حرس الحدود" ورجل شرطة. وتعكس هذه الأرقام استمرار المنحى التصاعدي لحالات الانتحار في المؤسسة الأمنية، وهو المسار الذي بدأ بوضوح منذ أحداث 7 أكتوبر 2023.
وبحسب الصحيفة اعترف مسؤول رفيع في "قسم القوى البشرية" بالجيش قائلًا: "في بداية الحرب ظننا أننا نسيطر على الوضع لكن الحقيقة انفجرت في وجوهنا".
ويربط الضباط هذا الارتفاع بضغط القتال المستمر الذي يقع على عاتق فئة محدودة من الجنود، إضافة إلى الأثر النفسي العميق لإحياء "يوم الذكرى" الذي ضاعف من وطأة الشعور بالفقد والعدمية.
لكن خبراء الصحة النفسية استبعدوا وجود رابط مؤكد، مشيرين إلى أن السنوات الماضية لم تشهد زيادةً مماثلةً في هذه الفترة، بل أرجعوا السبب إلى "العبء المتراكم" وطول أمد القتال.
وتتضيف الصحيفة أنه على عكس التصريحات الرسمية، كشف نشطاء ومختصون لـ "هآرتس" عن تراجع فعلي في الدعم النفسي. ففي فبراير الماضي، قرر الجيش إلغاء "أيام التفريغ النفسي" التي كانت تُخصص لجنود الاحتياط قبل عودتهم للحياة المدنية. ورغم إعادة العمل بها جزئيًا بعد الحرب مع إيران، إلا أن جنودًا من جبهات الشمال والضفة الغربية أكدوا أنه تم تسريحهم دون رؤية أي مختص نفسي.
وقال أحد الجنود مستنكرًا: "إنه انعدام مسؤولية أن يتم إرسالنا للمنازل بهذه الطريقة حيث يُنفقون المليارات على الذخيرة، ويوفرون في صحتنا النفسية". ووصف أحد ضباط الصحة النفسية هذه الإجراءات بأنها "أشبه بوضع ضمادة صغيرة على شريان رئيسي ينزف".
كما نقل التحقيق شهادات عن جنود أكدوا غياب ضباط الصحة النفسية عن الميدان، وعدم متابعة الجنود بعد تعرضهم لحوادث قتالية دامية في جنوب لبنان. والأخطر من ذلك، استمرار الجيش في تجنيد "جرحى نفسيين" شُخصوا بـاضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، تحت وطأة النقص الحاد في القوى البشرية، حيث يلجأ بعض القادة إلى ممارسة ضغوط شديدة على الجنود للعودة للقتال، مهددين إياهم بالاعتقال، كما ذكر بعض الجنود أن قادتهم منعوهم من تلقي العلاج، إما بسبب نقص القوى البشرية أو نتيجة مفاهيم تقليدية تقلل من أهمية الصحة النفسية.
ويرى مسؤول سابق في جهاز الصحة النفسية أن بعض هذه الحالات كان يمكن إنقاذها، لو أُعطي اهتمام أكبر للعلامات التحذيرية، محذرًا من أن الوضع تجاوز مرحلة التحذير إلى "حالة إنذار حقيقي".
وتعكس الأرقام اتساع ظاهرة الانتحار بين الجنود؛ إذ كان المتوسط السنوي للانتحار قبل الحرب نحو 12 حالة، بينما ارتفع إلى 21 حالة في 2024، و22 في العام التالي، وهو الأعلى خلال 15 عامًا. وتشير المعطيات إلى أن الأرقام الرسمية لا تشمل من انتحروا بعد إنهاء الخدمة، رغم ارتباط بعض الحالات المباشر بتجارب القتال.
وقد اعترف الجيش أواخر 2025 بوجود 15 حالة انتحار بين جنود سابقين شاركوا في الحرب، مع تسجيل حالات إضافية لاحقًا، بينها حالات حديثة خلال الشهر الأخير. كما رُصدت وفيات نتيجة تعاطي مفرط للمخدرات أو الكحول بين جنود احتياط سابقين عانوا من ضائقة نفسية.
خلفيات الانتحار: من الحرب على غزة إلى "مشغلي الطائرات المسيرة"
وبينما يؤكد الجيش رسميًا عدم وجود نمط موحد للحالات، فإنه يعزو ارتفاع الأعداد إلى زيادة عدد المجندين، خاصة في صفوف الاحتياط. إلا أن معطيات أخرى تظهر ارتباطًا مباشرًا بين بعض حالات الانتحار والمشاركة في القتال أو التعرض لصدمات نفسية.
وبحسب الصحيفة تتعدد أسباب الانتحار الموثقة؛ من بينها حالة "ألييران مزارحي"، مشغل جرافة من نوع (D9) الذي انتحر بعد شهور من الخدمة في غزة، ومسعف في الاحتياط عالج جرحى "حفل نوفا" الذي وقع في السابع من أكتوبر 2023، وصولًا إلى مشغلي طائرات مسيرة (درونز).
أحد هؤلاء كان ضابطًا برتبة "مقدم" أبلغ أصدقاءه أنه "لم يعد يطيق تحمل فظائع الحرب"، وآخر ضابط شاب انتحر بعد "خطأ بشري" أدى لتحطم مسيرة كان يقودها، مما يسلط الضوء على الضغوط الهائلة التي يتحملها صغار السن في غرف العمليات.
رد المؤسسة العسكرية
الصحيفة تعرضت أيضا إلى رد المؤسسة العسكرية على هذه المعطيات الخطيرة وقالت إن الجيش الإسرائيلي عقب على هذه المعطيات مؤكدًا أنه "يرى في الصحة النفسية للجنود جزءًا لا يتجزأ من مسؤوليته"، وادعى أن المنظومة تم توسيعها بشكل كبير عبر تجنيد مئات المختصين ونشرهم في كافة الجبهات، بما في ذلك قطاع غزة والحدود الشمالية، مشددًا على أن كل حالة انتحار تخضع لتحقيق معمق لاستخلاص الدروس، كما أكد المتحدث باسم الجيش أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الكفاءة العملياتية للقوات.
إعداد وترجمة : د. أيمن عبد الحفيظ، مقدم برامج بإذاعة البرنامج العبري- شبكة الإذاعات الدولية الموجهة.
مقدم برامج
أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية، أن الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان أدت إلى استشهاد 7...
وصلت ناقلة تحمل نفطًا أمريكيًا إلى اليابان، اليوم الأحد، في أول شحنة من نوعها تصل من الولايات المتحدة منذ اندلاع...
أعلنت لجنة الانتخابات الفلسطينية المركزية، اليوم الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية في الضفة الغربية،...
أدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الهجوم المسلح الذي استهدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء /السبت/، واصفاً إياه بأنه "أمر غير...