ارتفاع أسعار الطاقة يهدد تنافسية الصناعة الأوروبية

رغم تراجع الاعتماد على الطاقة الروسية

  • أ ش أ
  • الأربعاء، 29 يوليو 2026 10:21 م

نجحت أوروبا في تقليص اعتمادها بشكل كبير على الطاقة الروسية منذ أزمة الطاقة التي شهدتها عام 2022، لكنها تواجه الآن تحديًا مختلفًا قد يكون أكثر ضررًا، يتمثل في استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يضعف القدرة التنافسية للصناعة ويهدد النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وسلطت التوترات الأخيرة المحيطة بإيران ومضيق هرمز الضوء على استمرار تعرض أوروبا لمخاطر اضطرابات أسواق الوقود الأحفوري العالمية، رغم الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، ومنشآت تخزين الغاز، وتنويع مصادر واردات الطاقة، بحسب تقرير منصة "مودرن دبلوماسي" الاستراتيجية.

ورغم أن أوروبا تمكنت إلى حد كبير من تجنب تكرار صدمة الطاقة الحادة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن تصاعد المخاطر الجيوسياسية لا يزال يكشف عن نقاط ضعف هيكلية في منظومة الطاقة بالقارة.

وطالما استمرت أسعار الكهرباء في الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، فإن كل أزمة جيوسياسية تحمل في طياتها احتمال ارتفاع تكاليف الإنتاج على الشركات، وزيادة فواتير الطاقة على الأسر.

وعلى الرغم من تراجع أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء في أوروبا بشكل ملحوظ عن ذروتها المسجلة في عام 2022 بحلول نهاية عام 2025، فإنها ظلت أعلى بكثير من مستوياتها قبل الحرب.

وبلغت أسعار الغاز نحو 50% فوق مستوياتها التي سبقت الحرب في أوكرانيا، بينما بقيت أسعار الكهرباء أعلى بنحو 38% من متوسطاتها التاريخية، وترتبت على هذه التكاليف المرتفعة بالفعل تداعيات اقتصادية كبيرة.

وفقدت أوروبا أكثر من مليون وظيفة صناعية بين عامي 2019 و2023، نتيجة التأثير المشترك للتضخم، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، واحتدام المنافسة من الصين، وارتفاع تكاليف الطاقة، كما خسرت ألمانيا، التي تعد تقليديًا القوة الصناعية الأكبر في أوروبا، نحو 143 ألف وظيفة إضافية في قطاع التصنيع خلال عام 2025 وحده.

وأدت أسعار الكهرباء المرتفعة إلى تراجع القدرة التنافسية للمصنعين الأوروبيين مقارنة بمنافسيهم في المناطق التي تتمتع بتكاليف طاقة أقل بكثير، ما زاد المخاوف من تسارع وتيرة تراجع النشاط الصناعي.

وتشير تقييمات جديدة إلى أن القدرة على تحمل تكاليف الطاقة أصبحت تتجاوز أمن الإمدادات باعتبارها مصدر القلق الرئيسي في أوروبا، ووفقًا لمؤشر مخاطر أمن الطاقة والمناخ لعام 2026، الذي أعده مركز دراسة الديمقراطية، فإن الدول التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، ومنها بولندا وبلغاريا ورومانيا واليونان، تواجه تكاليف طاقة مرتفعة بشكل هيكلي، وهو ما يقوض القدرة التنافسية لقطاعها الصناعي.

وفي المقابل، نجحت دول مثل السويد وفنلندا وفرنسا في بناء أنظمة طاقة أكثر مرونة، من خلال الجمع بين مصادر الطاقة المتجددة ومصادر مستقرة منخفضة الانبعاثات الكربونية مثل الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية.

وخلال اضطرابات شحنات الغاز الطبيعي المسال الناتجة عن الصراع مع إيران في وقت سابق من العام، ظلت أسعار الكهرباء بالجملة في ألمانيا أعلى بكثير من مستوياتها في فنلندا والسويد وفرنسا، حيث ساهم هذا الفارق في توضيح اعتماد أنظمة الكهرباء في تلك الدول بدرجة أقل على الغاز الطبيعي في تحديد أسعار السوق.

وتشير هذه الأمثلة إلى أن مرونة قطاع الطاقة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الحفاظ على مزيج متوازن من مصادر الطاقة المتجددة ومصادر الكهرباء الموثوقة منخفضة الانبعاثات الكربونية، بدلًا من الاعتماد على تقنية واحدة.

وشهد قطاع الطاقة المتجددة في أوروبا توسعًا سريعًا خلال السنوات الأخيرة، وتضاعفت قدرات الطاقة الشمسية في عدد من دول أوروبا الوسطى والشرقية، كما توسعت قدرات تخزين الكهرباء باستخدام البطاريات بصورة كبيرة في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، إلا أن الدمج السريع لمصادر الطاقة المتجددة المتقطعة زاد الضغوط على شبكات الكهرباء، وسعات التخزين، والبنية التحتية لنقل الطاقة.

وأظهرت أحداث مثل انقطاع الكهرباء الواسع الذي شهدته شبه الجزيرة الأيبيرية العام الماضي أن التوسع في الطاقة المتجددة وحده لا يكفي لضمان أمن الطاقة، ما لم يصاحبه استثمار موازٍ في تحديث شبكات الكهرباء وتوفير قدرات احتياطية للتوليد.

وفي الوقت نفسه، لا تزال مشروعات الطاقة النووية تواجه إجراءات موافقة طويلة، وصعوبات في التمويل، وتباينًا في الأطر التنظيمية، إضافة إلى قيود في سلاسل الإمداد تؤخر تنفيذها.

ويرى خبراء أن تعزيز التنسيق الأوروبي يمكن أن يسرع تنفيذ هذه المشروعات عبر توحيد إجراءات الموافقة، ونماذج التمويل، وأساليب البناء بين الدول الأعضاء.

ولم تعد تحديات الطاقة في أوروبا تقتصر على الصناعات التقليدية، فالتوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، ومراكز البيانات، يؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء.

وتتطلب هذه الصناعات كهرباء موثوقة، منخفضة التكلفة، ومنخفضة الانبعاثات الكربونية للحفاظ على قدرتها التنافسية عالميًا، وفي الوقت نفسه، لا تزال أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على الصناعات الصينية في إنتاج البطاريات، وأشباه الموصلات، والمعادن الحيوية، وتقنيات شبكات الكهرباء.

ومن دون تنويع هذه سلاسل الإمداد، فإن أوروبا تخاطر باستبدال تبعية استراتيجية بأخرى، وبالتالي أصبح ضمان توافر قدرات كافية لتوليد الكهرباء مرتبطًا بشكل وثيق بطموحات أوروبا في تحقيق الريادة التكنولوجية وتعزيز سيادتها الاقتصادية.

ولم يعد التحول في قطاع الطاقة الأوروبي مدفوعًا بالأهداف المناخية وحدها، بل تحول إلى سباق استراتيجي يتعلق بالقدرة التنافسية للصناعة، والمرونة الاقتصادية، والريادة التكنولوجية.

ورغم نجاح القارة في تقليص اعتمادها على إمدادات الطاقة الروسية، فإن ارتفاع تكاليف الكهرباء لا يزال يقوض قوة قطاع التصنيع ويضعف جاذبية الاستثمار، كما لم يعد النقاش يقتصر على المفاضلة التقليدية بين الطاقة النووية والطاقة المتجددة، إذ أثبتت الدول التي تجمع بين عدة مصادر منخفضة الانبعاثات الكربونية، إلى جانب امتلاكها بنية تحتية قوية لشبكات الكهرباء، قدرة أكبر على الصمود خلال فترات الاضطرابات الجيوسياسية.

ويشير ذلك إلى أن القدرة التنافسية الأوروبية في المستقبل ستعتمد بدرجة أقل على الاعتبارات الأيديولوجية، وبدرجة أكبر على بناء أنظمة طاقة متنوعة، وموثوقة، ومنخفضة التكلفة.

ويزيد صعود الذكاء الاصطناعي من إلحاح هذا التحدي، إذ ستكون الدول القادرة على توفير كهرباء وفيرة ومنخفضة التكلفة في وضع أفضل لجذب الصناعات المتقدمة، بينما تواجه الدول التي تعاني من كهرباء مرتفعة التكلفة وغير مستقرة خطر فقدان الاستثمارات والابتكار والنفوذ الاستراتيجي، وبذلك، لم يعد تحول أوروبا في مجال الطاقة مجرد تحدٍ بيئي، بل أصبح أيضًا سباقًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا حاسمًا.

أ ش أ

أ ش أ

وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) هي وكالة أنباء مصرية رسمية، تأسست عام 1956

أخبار ذات صلة

المزيد من اقتصاد

تقرير دولي يشيد بمتانة الاقتصاد السعودي وقدرته على مواجهة التوترات والأزمات

رحبت وزارة المالية السعودية بتقرير مشاورات المادة الرابعة للمملكة العربية السعودية للعام 2026م الصادر من صندوق النقد الدولي، الذي أشاد...

رئيس هيئة المعارض: نستهدف توسيع مشاركة الشركات المصرية في المعارض الدولية

أكد رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للمعارض والمؤتمرات، الوزير المفوض التجاري علاء البيلي، أن الهيئة تعمل على توسيع مشاركة...

ارتفاع أسعار الطاقة يهدد تنافسية الصناعة الأوروبية

نجحت أوروبا في تقليص اعتمادها بشكل كبير على الطاقة الروسية منذ أزمة الطاقة التي شهدتها عام 2022، لكنها تواجه الآن...

الفيدرالي الأمريكي يثبت أسعار الفائدة على الدولار للمرة الخامسة على التوالى

أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير اليوم /الأربعاء/، في نطاق يتراوح بين 3.50 و3.75 بالمئة، في...