عيب مجهري في الألماس قد يساعد في كشف المغناطيسات المتناوبة

طور علماء من جامعة بوفالو الأمريكية تصورا جديدا لاستخدام مستشعر كمي قائم على الألماس للكشف عن فئة حديثة وغامضة من المواد المغناطيسية تعرف باسم المغناطيسات المتناوبة (Altermagnets)، وهي مواد قد تمهد الطريق لجيل جديد من الإلكترونيات الأسرع والأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.

ظل العلماء لعقود طويلة على علم بنوعين رئيسيين فقط من المغناطيسية، الأول هو المغناطيسية الحديدية (Ferromagnetism) الموجودة في المغناطيسات التقليدية المستخدمة في حياتنا اليومية، والثاني هو المغناطيسية المضادة (Antiferromagnetism)، وهي حالة تلغي فيها الذرات تأثير بعضها المغناطيسي على المستوى الكلي، رغم أنها تمتلك خصائص واعدة للتقنيات المستقبلية.

لكن خلال السنوات الأخيرة ظهرت فئة ثالثة سميت بالمغناطيسات المتناوبة، وهي مواد تجمع بين مزايا النوعين السابقين، فهي لا تمتلك مجالا مغناطيسيا خارجيا ظاهرا مثل المغناطيسات المضادة، لكنها في الوقت نفسه تظهر خصائص إلكترونية تشبه المغناطيسات الحديدية، الأمر الذي يجعلها مرشحة بقوة لتطوير إلكترونيات أسرع وأكثر توفيرا للطاقة.

تكمن المشكلة في أن اكتشاف هذه المواد وإثبات أنها تنتمي فعلا إلى هذه الفئة الجديدة ليس أمرا سهلا، ولهذا اقترح الباحثون تقنية استشعار كمية جديدة تعتمد على عيب ذري صغير جدا داخل بلورة من الألماس.

يعتمد هذا العيب على استبدال إحدى ذرات الكربون بذرة نيتروجين مع غياب ذرة كربون مجاورة، وهو ما يعرف في فيزياء الكم بمركز نيتروجين الفراغ (NV Center)، وتتميز هذه البنية بحساسيتها الشديدة لأي تغيرات مغناطيسية تحدث بالقرب منها.

في التقنية المقترحة يتم وضع هذا المستشعر الكمي بالقرب من المادة المراد اختبارها، ثم تراقب سرعة فقدان الإشارة المغناطيسية للعيب الموجود في الألماس عند توجيهه في اتجاهات مختلفة، فإذا اختلفت معدلات الاسترخاء المغناطيسي باختلاف الاتجاهات، فقد يشير ذلك إلى وجود الأنماط المغناطيسية المعقدة التي تميز المغناطيسات المتناوبة.

وقال الدكتور جامير مارينو الأستاذ المساعد في قسم الفيزياء بجامعة بوفالو: "قد تمثل هذه التقنية اللبنة الأولى لجيل جديد من التجارب القادرة على تحديد ما إذا كانت المادة تنتمي إلى فئة المغناطيسات المتناوبة، فهذه المواد قد تحدث ثورة في طريقة نقل المعلومات، لكننا ما زلنا بحاجة إلى وسائل عملية لإثبات وجودها وفهم سلوكها".

وتعود فكرة المغناطيسات المتناوبة إلى عام 2019 عندما لاحظ علماء في ألمانيا سلوكا غريبا في مادة ثاني أكسيد الروثينيوم (RuO₂)، فالحسابات النظرية أشارت إلى أن المادة لا تمتلك مغناطيسية كلية كما هو الحال في المغناطيسات المضادة، لكن عند مرور تيار كهربائي خلالها بدأت تتصرف بطريقة أقرب إلى المغناطيسات الحديدية، هذا التناقض دفع العلماء إلى اقتراح وجود فئة جديدة بالكامل من المواد المغناطيسية.

في المغناطيسات الحديدية تصطف لفات الإلكترونات المغزلية في الاتجاه نفسه، مما يولد مجالا مغناطيسيا خارجيا واضحا، أما في المغناطيسات المضادة فإن هذه اللفات تتجه في اتجاهات متعاكسة فتتلاشى تأثيراتها المغناطيسية الكلية.

أما المغناطيسات المتناوبة فتقع في منطقة وسطى بين الحالتين؛ إذ تلغي مغناطيسيتها الكلية كما يحدث في المغناطيسات المضادة، لكن ترتيب الذرات داخل المادة يجعل الإلكترونات تتصرف بطريقة تمنحها خصائص إلكترونية تشبه المغناطيسات الحديدية.

ويرى الباحثون أن هذه الخصائص الفريدة قد تسمح بتطوير مكونات إلكترونية تجمع بين السرعة العالية للمغناطيسات المضادة وسهولة التحكم الموجودة في المغناطيسات الحديدية.

وتشير الدراسات النظرية الحالية إلى أن عدد المواد التي قد تنتمي إلى هذه الفئة الجديدة يتجاوز 200 مادة، وهو عدد يفوق بأكثر من الضعف عدد المواد المعروفة ذات المغناطيسية الحديدية.

ومن أهم مزايا تقنية الألماس المقترحة أنها لا تؤثر بقوة في المادة التي يجري فحصها، وهو أمر بالغ الأهمية في التجارب الكمية، فكلما كان القياس أقل إزعاجا للمادة، ازدادت دقة النتائج وقلت احتمالية أن يكون السلوك المرصود ناتجا عن التجربة نفسها.

ورغم أن التقنية ما زالت في مرحلة النماذج النظرية والمحاكاة الحاسوبية، فإن العلماء يرون أنها قد تصبح أداة أساسية في دراسة هذه الفئة الجديدة من المواد، وتمهد الطريق نحو إلكترونيات مستقبلية أكثر سرعة وكفاءة وأقل استهلاكا للطاقة.

ويأمل الباحثون أن يؤدي التعرف السريع على المغناطيسات المتناوبة وتطويرها إلى إحداث نقلة نوعية في تقنيات معالجة المعلومات وتخزينها، بما يسمح بتصغير الأجهزة الإلكترونية وتقليل استهلاكها للطاقة بصورة كبيرة خلال العقود القادمة.

داليا رشوان

داليا رشوان

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الألماس

المزيد من علوم وتكنولوجيا

أخطاء شائعة نفعلها عند سقوط الهاتف المحمول في الماء

يُعد سقوط الهاتف المحمول في الماء من أكثر الحوادث الشائعة التي يتعرض لها المستخدمون، وغالبًا ما تكون الدقائق الأولى بعد...

"أنثروبيك" تعلن عن مساعد ذكى جديد

أعلنت شركة "أنثروبيك" عن خدمة جديدة تحمل اسم Claude Tag، وهي نسخة متطورة من مساعدها الذكي Claude مصممة للعمل داخل...

روبوت ذكى يساعد طبيب الأسنان في تركيب التيجان

طوّر باحثون من جامعة "بازل" السويسرية روبوتاً ذكياً مصغّراً، يمكنه تحضير الأسنان تلقائياً لتركيب التيجان، في خطوة قد تقلل عدد...

استخدام الذكاء الاصطناعي للفوز بقضية بانجلترا

فازت شركة محاماة تعتمد على الذكاء الاصطناعي بقضية أمام محكمة إنجليزية، في سابقة يُعتقد أنها من أوائل الحالات التي يقود...