على الرغم من مرور خمسين عاما على حرب أكتوبر المجيدة، التي شهدت واحدة من أعنف معارك الدبابات عبر التاريخ .. لا تزال تمثل هذه المعارك علامات مضيئة سطرها رجال المدرعات البواسل في تاريخ الجيش المصري .. حيث كان لها دورا استراتيجيا في تدمير اللواءات الإسرائيلية المدرعة وتحقيق النصر التاريخي.
وخلال المواجهات السابقة بين الجيش المصري والكيان الصهيوني، لم تتح كثير من الفرص لكى يبرز رجال سلاح المدرعات المصرى قدراتهم الحقيقية، ففى حرب فلسطين عام 1948 لم تجر كثير من المواجهات بين المدرعات المصرية والمدرعات الإسرائيلية.
وفى المواجهات المحدودة التى دارت بين قوات العدو الصهيونى والقوات المصرية فوق رمال سيناء إبان العدوان الثلاثى الشهير على مصر فى أكتوبر 1956 لم تشتمل هذه المواجهات سواء التى دارت فى شرم الشيخ أو أبو عجيلة أو ممر متلا على مصادمات بالدبابات مطلقا إذ لم يكن للقوات المصرية فى سيناء أى وحدات دبابات نهائيا.
وفى حرب يونيو 1967 جرت مواجهات بالدروع قليلة محدودة وكذلك لم تسمح ظروف مواجهات حرب الإستنزاف التى دارت على الجبهة المصرية من عام 1967 إلى عام 1970 عبر قناة السويس من تحقيق أى قتال إلتحامى مباشر بين الدروع المصرية والدروع الإسرائيلية.
وخلافا للمواجهات السابقة أتيح لسلاح المدرعات فى حرب أكتوبر 1973 المجيدة، أن يتألق ويحقق إنتصارات رائعة فى معارك كبرى شهيرة خالدة حيث قدم جنود الدبابات المصريين أفضل ماعندهم من إمكانيات وبرزت قدراتهم الحقيقية التى صقلتها التدريبات القاسية المتواصلة فى مرحلة ما بعد حرب يونيو 1967 فى المواجهات الضارية التى دارت فوق رمال سيناء أيام 6 و 8 و 9 و14 و 15 أكتوبر والمزرعة الصينية، ولاحقا فى حقول الضفة الغربية فى معارك الثغرة والدفاع عن الإسماعيلية أمام دبابات العدو الصهيونى المتفوقة كما كيفا والحائزة على شهرة ماضية مبالغ فيها فى حرب 1967، وكان رجال مدرعاتنا الأبطال خلال هذه المواجهات الدامية أساطير فى البذل والتضحية والفداء.
- أنواع الدبابات
خلال حرب السادس من أكتوبر اعتمدت مصر وسوريا على الدبابات السوفيتية تى 34 / 54 / 55 /62، بينما اعتمد العدو الإسرائيلي على إم/ 48 و إم / 60 و سنتوريون وسوبر شيرمان.
وتسلم الجيش المصرى أول أنواع الدبابات من طراز تى 34 عام 1955 ويعود تاريخ إنتاجها إلى فترة الحرب العالمية الثانية، امتلكت مصر 100 دبابة قتال من هذا النوع خلال حرب أكتوبر، وأعقبها دبابات طراز تى 54 وتى 55 الأشهر فى الستينيات ثم ظهرت لاحقا الدبابة تى / 62 ودخلت الخدمة فى الجيش المصرى عام 1972.
وشاركت أنواع الدبابات المذكورة فى كل حروب مصر ماعدا الدبابة تى / 62 التى اشتركت فى حرب أكتوبر فقط ـ بالإضافة إلى إمتلاك مصر عدد محدود من دبابات جوزيف ستالين الثقيلة، لم تزد عن 30 دبابة فقط وإستخدمت كمدفعية ثابتة فى مرحلة التمهيد النيرانى.
- الصمود
شهدت حرب السادس من أكتوبر الكثير من المعارك الملحمية، وبدأت معارك الدبابات يوم 6 أكتوبر عندما تقدمت كتائب الدبابات في سيناء بعد أن عبرت فوق الجسور المنصوبة، وانضمت لفرق المشاة التى سبقتها بالعبور تحت وابل من نيران العدو الإسرائيلي، وبدأت تأخذ دورها في مساندة القوات المصرية في حصار نقاط العدو الحصينة في خط بارليف والإستيلاء عليها.
وقدمت بمدافعها معاونة نيرانية فعالة متحركة لقوات المشاة الزاحفة في تدمير الدبابات الإسرائيلية، التي هرعت لتتصدى للقوات العابرة في مرحلة بدء تكوين رؤوس الجسور المصرية، وقد تعاونت المدرعات المصرية مع وحدات صواريخ المشاة من طرازات أربى جى وساجر و بـ10 / 11، وأقعوا خسائر جسيمة في صفوف الدبابات الإسرائيلية بلغت 120 دبابة فى اليوم الأول وحده.
وبحلول صباح اليوم الثاني 7 أكتوبر أتمت الدبابات المصرية حشدها فى سيناء وتوزيعها على فرق المشاة الخمس حيث بلغت 800 دبابة و13 ألف سيارة ومركبة ومدرعة مرافقة مساندة.
وفي يوم 8 أكتوبر قدر موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلى أن يوم 8 أكتوبر سيكون يوم "الدروع المتصارعة" حيث شاركت الدبابات المصرية في قطاع الجيش الثانى الفرفة الثانية مشاة فى معركة تدمير الكتيبة 190 المدرعة الإسرائيلية، بقيادة العقيد عساف ياجورى وأسر الأخير، وشهد يوم 13 أكتوبر قتل الجنرال ألبرت ماندلر أكبر وأشهر قائد إسرائيلى فى معارك الدبابات.
- معركة الدبابات الكبرى
وشهد يوم 14 أكتوبر، أكبر معارك الدبابات الكبرى فى التاريخ العسكري والتى إستمرت لحوالي أسبوع تقريبا، حيث كان يوم البداية وهو من أصعب الأيام التى قاسها سلاح المدرعات المصرية.
وكلف سلاح المدرعات بالقيام بعملية تطوير الهجوم نحو المضايق بقوة 500 دبابة مصرية مشكلة فى فرقة 21 المدرعة وعدد من اللواءات المدرعة المستقلة، وقد خرجت الوحدات المصرية من تحت نطاق حماية حائط الدفاع الجوى ورغم عدم مناسبة المهمة لفرق الدبابات المصرية وتعرضها لصواريخ Tow الإسرائيلية وصواريخ ss10 ، ss11 المضادة للدروع وكذلك والضربات الجوية المعادية ومعاناتها من خسائر كبيرة بلغت حوالى 250 دبابة مصرية إلا أنها قاتلت فى بسالة فائقة وتقدمت فى إصرار وعناد على الرغم من كل ماسبق ذكره من عوائق وموانع وسحقت عدد من المواقع الإسرائيلية المتقدمة فى زحفها الأول.
وشهدت أيام 15 و16 و17 أكتوبر إستمرار لأكبر معارك الدبابات الرهيبة إذ بدأت معارك "ثغرة الدفرسوار" وصد الهجمات المضادة على طريق التقدم للعدو فى معارك فتح الثغرة فى نطاق الفرقة 16 مشاة، إذ إستمرت المعارك بين الدبابات المصرية والإسرائيلية ثلاثة أيام متصلة، وهنا تألق المقاتل المصرى فى معارك الإلتحام بالدبابات فوق سيناء والضفة الغربية.
وفى معارك الفرقة 16 مشاة حقق رجال المدرعات المصرية من عناصر الفرقه 21 المدرعة إنجازات ضخمة على كل المستويات تطلبت درجة عالية من الكفاءة والدقة المتناهية والتدريب المستمر الجيد قبل الحرب والقدرة الفنية والمناورة الميدانية.
واستمرت معركة الدبابات الكبرى أو بالأحرى سلسلة من المعارك وصد المصريون كل الهجمات المضادة الإسرائيلية حتى مساء يوم 17 أكتوبر، لأن العدو شن الهجوم على الجبهة المصرية إبتداءا من يوم 15 أكتوبر بتسعة ألوية مدرعة.
وفى القطاع الأوسط من الجبهة بالتحديد ذلك القطاع الذى بذل العدو الإسرائيلى جهدا غير عادى ومنى بخسائر رهيبة ثقيلة كى يحقق إختراقا يسمح له بالنفاذ عبر قناة السويس إلى الضفة الغربية وتوسيع الثغرة، وتكبدت ألوية شارون وبرن خسائر ضخمة فى كبرى معارك الدبابات التى دارت فى القطاع الأوسط لفتح الثغرة، واضطر كلا من شارون وإبراهام آدان الشهير ببرن لتدعيم ألويتهما المدرعة وتعزيزها بالمزيد من الدبابات أكثر من مرة فى مواجهة القوات المصرية ودباباتها المتخندقة بشرق القناة فى نطاق الفرقة 16 مشاة بالجيش الثانى والتى أصلت العدو نارا حامية بمدافعها وأوقعت به خسائر مميتة فى الأرواح والعتاد.
وتعرض اللواء 25 مدرع المصرى يوم 17 أكتوبر 1973 من عدم توفيق فى قفل ممر الثغرة، الذى كان تتدفق منه قوات العدو إلى الغرب، وفقد ذلك اللواء أغلب دباباته ومع ذلك راحت دباباته ـ ما تبقى منها ـ تتبادل القذائف مع الستائر الإسرائيلية المضادة للدبابات المنصوبة فى مواجهة اللواء 25 حتى تم إنسحاب ماتبقى من دبابات اللواء 25 مدرع إلى نقطة كبريت الحصينة، حيث لم تحاول الدبابات الإسرائيلية أبدا الإشتباك مع دبابات اللواء 25 مدرع وجها لوجه أو عن قرب رغم أن المراجع الأجنبية والإسرائيلية، إعترفت بأن معظم دباباته قاتلت بشجاعة ومهارة فى المعركة.
وفى يوم 18 أكتوبر خسرت مصر اللواء 23 مدرع أثناء محاولته الهجوم على الثغرة غرب القناة بدون إستطلاع كافى لأرض المعركة، وذلك بفعل التدخل الجوى المعادى وستائر صواريخ الـ Tow الأمريكية الفتاكة، ولم يحاول العدو الإشتبالك بدباته مع دبابات ومدرعات اللواء وجها لوجه، وكان هذا اليوم الأخير فى معارك الدبابات الكبرى الأساسية، التى إستمرت مشتعلة منذ نهار يوم 14 أكتوبر، حيث لم تجرى معارك أخرى شهيرة مميزة بألوية مدرعة كاملة بعد ذلك التاريخ اللهم إلا فى مواجهات أقل حدة وضراوة.
- صائدو الدبابات
لعب سلاح المدرعات دورا بارزا في التمهيد لنصر أكتوبر، ومثلت معارك الدبابات مستودعا للبطولات، حيث قدم جنود الدبابات الكثير من التضحيات والفداء خلال المواجهات الضارية التى دارت فوق رمال سيناء أمام العدو الصهيونى.
وحملت حرب أكتوبر بين طياتها العديد من القصص لأبطال سطروا أسماءهم بحروف من نور في تاريخ مصر، خاصة في معارك الدبابات وأبرزهم الرقيب أول محمد عبد العاطي، الملقب بـ "صائد الدبابات".
والرقيب أول مجند محمد عبد العاطي عطية شرف، أحد أبرز من حمل لقب "صائد الدبابات" في حرب أكتوبر، وسجل في عدد من الموسوعات الحربية بهذا الوصف، بعد أن نجح في تدمير 23 دبابة و3 مجنزرات "عربات مصفحة".
والتحق عبد العاطي باللواء "112 مشاة" في الكتيبة 35 مقذوفات، وفي اليوم الثالث للحرب "الثامن من أكتوبر" وفي إحدى المعارك البرية على بعد 80 كيلومترا في صحراء سيناء، أطلق عبد العاطي أول صاروخ له نجح به في إصابة دبابة أولى للعدو الإسرائيلي.
واصل عبد العاطي بعد ذلك إصابة الدبابات التي كانت تتوافد على الموقع الذي يوجد فيه، فنجح في غضون نصف ساعة في إصابة نحو 13 دبابة، ليدفع ذلك القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب، واستطاعت عندئذ القوات المصرية السيطرة على أماكن كانت قد اضطرت إلى مغادرتها.
وفي أيام الحرب التالية، تمكن عبد العاطي من إصابة عدد آخر من الدبابات والمدرعات، ليصبح رصيد ما دمره خلال أيام الحرب 23 دبابة و3 مدرعات، استحق لأجلها أن يكون أبرز حاملي لقب "صائدي الدبابات".
ومن ضمن أبطال سلاح المدرعات، محمد إبراهيم عبد المنعم المصري الذي عرف باسم محمد المصري الذي دمر ما يقرب من 27 دبابة، جعلته صاحب الرقم القياسي العالمي في تدمير الدبابات، وسجل بدايته بتدمير دبابة العقيد عساف ياجوري قائد اللواء 190 مدرع الإسرائيلي في ذلك الوقت.
كما استطاع المقاتل محروس رزق تحطيم 13 دبابة بمفرده في حرب أكتوبر، ليصبح ثالث جندي في الجيش المصري في تحطيم عدد كبير من دبابات العدو.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تنفيذا لاستراتيجية الدولة لتطوير التعليم الجامعي وفي إطار خطط دعم جودة المنظومة التعليمية وربط البحث العلمي باحتياجات التنمية.. شهد الأسبوع...
في إطار خطة الدولة للتوسع التدريجي في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل على مستوى الجمهورية، بما يضمن تقديم خدمات صحية...
من أجل دعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع آفاق التعاون الدولي، بما يسهم في تحقيق مستهدفات الدولة...
بعد الانتصار العسكرى الذى حققته مصر فى حرب 6 أكتوبر عام 1973.. وبعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من 7...