الضربة الجوية .. نسور الجو يقودون العبور

فى الساعة الثانية بعد ظهر يوم السادس من أكتوبر، عبرت الطائرات المصرية خط جبهة قناة السويس في اتجاهها لضرب عدة أهداف إسرائيلية في سيناء المحتلة، لتفتح الطريق لعبور القوات المصرية خط بارليف، ولتحقيق هذا النصر التاريخي المجيد.

وحققت الضربة الجوية التي نفذتها القوات المصرية ضد الأهداف الإسرائيلية دورا ملحميا مهد لنصر أكتوبر، حيث وفرت الضربة غطاء جويا للقوات البرية، كما نجحت في رد الاعتبار للقوات الجوية المصرية بعد نكسة 1967.

كما أفقدت الضربة الجوية المصرية المفاجئة إسرائيل توازنها، وشلت قدرتها على الرد السريع بعد تدمير جسور الإقلاع والهبوط، ونظرا لنجاحها فى تنفيذ أكثر من 90% من المهام المكلفة بها تم إلغاء الضربة الجوية الثانية لعدم الحاجة إليها.

- التسليح والإعداد

بعد انتهاء حرب يونيو 1967، استوعبت القوات المسلحة ومن ضمنها القوات الجوية الدرس، وبدأت بالتجهيز للحرب من خلال عدة محاور، فكان المحور الأول هو بناء القوة القتالية من الطائرات والطيارين، فأعيد تخطيط الهيكل التنظيمى للقوات الجوية لتكون فى صورة ألوية مستقلة وتم تشكيل لواء استطلاع جوى تم تجهيزه بوسائل الاستطلاع الحديثة، كما تم زيادة أعداد الطيارين لتفى بالأعداد المطلوبة والمتناسبة مع زيادة عدد الطائرات.

أما المحور الثانى، فهو تجهيز مسرح العمليات، حيث قامت القوات الجوية بإنشاء المطارات الجديدة وكذا غرف عمليات محصنة فى كل القواعد الجوية والمطارات، كما قامت بزيادة الممرات بكل قاعدة ومطار، وتم إنشاء العديد من الدشم المحصنة للطائرات وكذا دشم الصيانة.

كما بدأت مصر في بناء قوة جوية هائلة، مكنتها من تنفيذ هجوم كاسح ضد القوات الإسرائيلية في سيناء، واللافت في هذه الحرب الاختلاف النوعي للطائرات المصرية مقارنة بالطائرات الاسرائيلية، فعلى الرغم من ان عدد الطائرات بين الجيش المصري والإسرائيلي قد يكون قريبا إلا أن الفارق النوعي كان هائل ويرجح كافة الجانب الإسرائيلي.

واعتمدت مصر بشكل كبير على مقاتلات "ميج 21" والتي كانت مسلحة بصواريخ "جو -جو" ومدافع رشاشة عيار 23 مم، بينما تم تجهيز طائرات "ميج 17" و"سو 7"، بالقنابل لشن هجمات ضد الأهداف الأرضية، إضافة إلى امتلاكها مدافع رشاشة.

على الجانب الاخر، كانت القوة الجوية الإسرائيلية تضم ما بين 470 إلى 500 طائرة حربية، واعتمدت على طائرات سكاي هوك "إيه 4" التي كانت مصممة لتنفيذ عمليات الدعم الجوي القريب، بينما كانت طائرات "فانتوم" قاذفات بعيدة المدى، وفقا لقدرات الطائرات الحربية في ذلك الحين.

وكانت مهمة "ميراج 3" الإسرائيلية، للدوريات الجوية، وحماية القاذفات، وحماية الأجواء من الهجمات المعادية، واستخدمت إسرائيل طائرات "ميستر بي 2" لتنفيذ هجمات أرضية، والدخول في معارك جوية، بينما كانت طائرات "ميستر 4" بدعم عمليات الهجوم الأرضي، وهي مجهزة بمدافع رشاشة بأعيرة 20 و30 مم، إضافة إلى صواريخ (جو - جو)، وقنابل متعددة الأغراض، والقنابل الموجهة، وقاذفات النابلم، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، المصدر الأول الذي تحصل منه إسرائيل على طائراتها وعتادها العسكري الجوي بكل مكوناته.

- الأهداف

حددت خطة القوات الجوية المصرية، عدد من الأهداف المنتقاة بعناية لضربها جويا وشل قدرات العدو الهجومية وإرباكه في ساعات القتال الأولى، ورغم براعة ودقة الخطة المطلوب تنفيذها، إلا أنها كانت شديدة التعقيد، وتحقيقها كان أمرا في غاية الصعوبة، حيث تعتمد الخطة على ضرورة تنفيذ الضربة بأكبرعدد متاح من الطائرات ومن مطارات مختلفة وفي نفس الوقت وعلى أقل ارتفاع لمفاجأة العدو بدقة متناهية.

وضعت الخطة مطارات العدو ومراكز القيادة المتقدمة كأهداف لها أولوية قصوى، لكن ظهرت مشكلات في ضرب تلك الأهداف تمثلت في أهداف فرعية تعيق تنفيذ المهمة الرئيسية، أبرزها أن تلك الأهداف الرئيسية محمية ببطاريات من صواريخ هوك المتقدمة، فوضعت تلك البطاريات ضمن الأهداف الأولية بهدف تدميرها في نفس توقيت بدء الهجوم على الهدف الرئيسي سواء مطار أو مركز قيادة، وتوالي التوسع في الأهداف لتحقيق الهدف الأهم وهو شل العدو لمدة ساعات قليلة.

ومع زيادة الأهداف، تحولت خطة الهجوم الجوي من خطه محددة إلى خطة مفتوحة تستخدم فيها كامل تشكيلات القوات الجوية، وتهدف لتوجيه ضربة شاملة لمعظم أهداف العدو الحيوية في سيناء.

أول الأهداف الحيوية كانت المطارات، وحددت القيادة المصرية 5 مطارات رئيسية معادية في سيناء للهجوم عليها.

ثاني الأهداف كانت مواقع الدفاع الجوي، وحددت القيادة أهم 10 مواقع دفاع جوي صاروخية معادية من طراز الهوك الأمريكية الصنع، والأكثر والأحدث تطورا في العالم، في سيناء لضربها و إيقافها عن العمل أو تدميرها كليا حتى لا تعيق عمل طائراتنا أثناء الحرب أو تشكل أي تهديد علي المجهود الجوي المصري.

ثالث الأهداف كانت مراكز القيادة والسيطرة، وحددت القيادة أهم مواقع القيادة الإسرائيلية في سيناء والمتاحة لقواتنا الجوية لضربها وتدميرها في الهجوم الجوي الأول لقطع أي اتصالات بين القيادة الإسرائيلية وقواتها في خط بارليف وأثناء عمليات العبور حتى تكون مواقع خط بارليف فريسة للقوات المصرية المهاجمة كما يتم منع وإرباك مرور أي أوامر للاحتياطي القريب لنجدة حصون خط بارليف.

كما حددت القيادة المصرية أهم 3 مناطق شؤون إدارية معادية في سيناء وعلى درجة كبيرة من الأهمية للعدو، وحددت القيادة أيضا أهم مواقع الرادارات والإعاقة الإلكترونية لدي العدو، والذي يؤثر بالسلب على طائراتنا.

وأخيرا استهدفت القيادة ضرب عدد من حصون خط بارليف بهدف ارباك المدافعين عنها وليس تدميرها، مع ضرب نقطة بودابست على البحر المتوسط لتدميرها.

- النسق الهجومي

في ظهيرة يوم الجمعة 5 أكتوبر 1973، استدعى قائد القوات الجوية المصرية اللواء طيار محمد حسني مبارك قادة القوات الجوية المصرية (قادة الالوية الجوية) في اجتماع عاجل و سري جدا، وأخبرهم بموعد الحرب و انها ستبدأ باكر يوم السبت 6 أكتوبر الساعة 2 ظهرا وألقى عليهم التلقين النهائي للعملية الهجومية الجوية المخطط لها، وشدد علي سريه الموعد وأخبرهم بعدم الإفصاح عن الموعد لأحد على الإطلاق إلا من خلال جدول معين لتبليغ كل قائد سرب.

وقبل موعد إقلاع الطائرات المصرية لأداء مهامها القتالية يوم 6 أكتوبر، تم إقلاع بعض الطائرات الحربية من بعض المطارات لعمل طلعات روتينيه تدريبية للتمويه والخداع و لعدم لفت نظر العدو لما يتم التخطيط له ، كذلك أقلع عدد من تشكيلات الميج 21 من مطار المنصورة.

عقب ذلك، أُطلق مبارك النداء الكودي (صدام) لبدء الضربة الجوية، وبعد دوي هذا الكود المتعارف عليه في جميع غرف عمليات المطارات والقواعد الجوية المصرية، بدأ كل قائد سرب بفتح المظاريف والإطلاع على المهام الموكلة له ووضعت خرائط العمليات الحقيقية بدل خرائط التدريب.

خططت القيادة بأن يكون الهجوم في موجات متتالية، أو نسق هجومي كما يقول الخبراء.

* النسق الأول: للتأمين بقوة حوالي 90 طائرة مقاتلة ومقاتلة قاذفة وقاذفات ثقيلة بغرض تدمير وشل فاعلية مواقع الدفاع الجوي الهوك وتدمير محطات الرادار ومراكز القيادة، والهدف إغلاق أعين وأذن العدو ودفاعه الجوي.

* النسق الثاني: القوة الضاربة، بقوة حوالي 90 طائرة مقاتلة ومقاتلة قاذفة وقاذفات ثقيلة بغرض ضرب وتدمير وشل المطارات ومراكز الإعاقة والحرب الإلكترونية والإرسال ومواقع كتائب المدفعية بعيدة المدى وضرب النقطة الحصينة شرق منطقة بورفؤاد.

* النسق الثالث: التعزيز بقوة حوالي 40 طائرة مقاتلة لتعزيز النسق الأول والثاني في أعمال القتال الجوي ومنع طائرات العدو من التدخل أثناء أداء المهام القتالية لطائراتنا المقاتلة والتي كلفت بعمل مظلات في مناطق اقتراب طائرات العدو المتوقعة.

وتم توزيع خرائط العمليات السرية على كل التشكيلات في وقتها في مظاريف مغلقة و قد كانت الطائرات معدة ومسلحة ومجهزة للعملية الهجومية الجوية داخل الدشم و حظائر الطائرات الحصينة و بأسماء قادة التشكيلات الجوية وكل الخرائط جاهزة وكل تشكيل جوي معه صور دقيقة للهدف الذي سيقوم بالهجوم عليه وضربه.

- الضربة الأولى

ومع اقتراب الساعة 2.00 ظهرا يوم السادس من أكتوبر، انطلقت حوالي 200 طائره حربيه مصريه و20 طائرة عراقيه من طراز هوكر هنتر من حوالي 20 مطار و قاعدة جوية مصريه على ارتفاع منخفض جدا لضرب الأهداف المعادية الاسرائيليه المحددة لها في داخل سيناء المحتلة، وأهداف خط بارليف الحصين وتحركت الطائرات في صمت لاسلكي تام على أرض مطاراتها وحتى الإقلاع و الطيران لأهدافها لتجنب أي عمليات تصنت معادية يمكن أن تكشف الهجوم المصري.

عبرت الطائرات المصرية كلها في وقت واحد خط القناة على ارتفاعات منخفضة جدا حوالي 20 متر بعد ضرب مركز القيادة الإسرائيلي الرئيسي في منطقة أم مرجم، وعن طريق حسابات ملاحية دقيقة جدا، ومحددة من قبل، ومسارات واتجاهات محددة و بسرعات محددة متفق عليها بدقة لضمان عبور كل الطائرات من كل المطارات في وقت واحد لتحقيق المفاجأة الكاملة للعدو، وبتنسيق كامل مع الدفاع الجوي المصري تم التدريب عليه لمباغتة العدو الإسرائيلي.

وقد استخدمت في الضربة التي تركزت على الأهداف الإسرائيلية الحيوية في عمق سيناء وخط بارليف كل طائرات المتاحة من طراز ميج 17 وميج 21 و سوخوي 7 وقاذفات ثقيلة من نوع تي يو 16 و اليوشن 28 وطائرات الهوكر هنتر العراقية.

استمرت هذه الضربة الجوية المركزة حوالي 30 دقيقة تقريبا، ولم تواجه الطائرات المصرية المهاجمة أي مقاومة أو إعاقه تذكر من الطيران الإسرائيلي المعادي، باستثناء مواجهات بسيطة مع الدفاع الجوي المعادي في مواقع أخرى سقط فيها طائرتين سوخوي 7 إحداهما طائره الشهيد النقيب عاطف السادات فوق مطار المليز.

وتمكنت الضربة الجوية من شل ثلاثة ممرات رئيسية في 3 مطارات هم المليز وبير تمادا و رأس نصراني، بالإضافة إلى 3 ممرات فرعية في نفس المطارات، وقامت تشكيلات جوية من طائرات الميج 17 بإسكات حوالي 10 مواقع بطاريات صواريخ أرض -جو من طراز هوك للدفاع الجوي في مواقع الدفاع الجوي الإسرائيلي بمناطق الرمانة والطاسة وبالوظه وأم الرخم بجوار عيون موسى بجانب ضرب موقعي مدفعية ميدان.

كما تمكنت من تدمير مركزالقيادة الرئيسي في منطقة أم مرجم ومركز الإعاقة، والشوشرة في منطقة أم خشيب وأم مخسه، وتدمير عدد من مراكز الإرسال الرئيسية ومواقع الرادار، كما تم ضرب 3 مواقع شؤون إداريه للعدو ومواقع حصون خط بارليف القوية وضرب مواقع في أم لحفن وبئر العبد أيضا بالقاذفات الثقيلة من نوع تي يو 16، وضرب محطة سيطرة وإعاقة وتوجيه في منطقة رأس نصراني.

وكان من المقرر القيام بضربة جوية ثانية ضد العدو يوم السادس من أكتوبر قبل الغروب بقليل، ولكن نظرا لنجاح الضربة الأول في تحقيق كل المهام التي أسندت إلى القوات الجوية المصرية، قررت القيادة العامة إلغاء الضربة الثانية لعدم الحاجة إليها ولتوفير القوة الجوية والاقتصاد فيها قدر الإمكان، وهو مبدأ صحيح في العلم العسكري.

ونجحت الضربة الجوية في تحقيق المفاجأة للعدو الإسرائيلي وتدمير الأهداف المحددة لها بنسبة تزيد عن 90 %، بينما لم تزد الخسائر عن 5 طائرات مصرية على أكثر تقدير، من إجمالي 220 طائرة، بنسبة خسائر لا تزيد على 4 %.

- معركة المنصورة

وخلال حرب أكتوبر المجيدة، خاضت القوات الجوية المصرية معاركها بكل كفاءة وبسالة منذ البداية وحتى النهاية، وكان لها خلال الحرب قصص وبطولات وتضحيات عديدة، أبرزها ما شهده يوم 14 من أكتوبر خلال "معركة المنصورة" الجوية.

ففى هذا اليوم، قام العدو بتنفيذ هجمة جوية على مطارات الدلتا بغرض التأثير على كفاءتها القتالية ومنع طائراتنا من التدخل ضد قواته بعد الخسائر الهائلة التى تكبدها فتصدت له مقاتلاتنا من قاعدة المنصورة وقاعدة أنشاص، واستمرت الاشتباكات بشكل متواصل، أظهر فيها طيارونا مهارات عالية فى القتال الجوى.

وكانت القوات المصرية تحارب بطائرات "الميج 21"، بينما العدو الإسرائيلى بطائرات "الفانتوم" التي تتميز عن الميج في الحمولة والأهداف ولكنها تتخلف عنها في الاشتباك، ولكن العدو الإسرائيلى هاجم بالفانتوم وتكبد خسائر كبيرة، واستمر فى أمواج من التشكيلات رغم الخسائر نظراً إلى إصراره على تدمير قاعدة المنصورة ليتمكن من باقى الأهداف الموجودة.

واستمرت المعركة أكثر من 50 دقيقة، ووصفت هذه المعركة بأطول معركة جوية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تم إسقاط 18 طائرة للعدو رغم التفوق النوعى والعددى لطائراتهم، ولم يكن أمام باقى طائرات العدو إلا أن تلقى بحمولتها فى البحر ثم الفرار، ومن هنا تم اختيار هذا اليوم عيدا للقوات الجوية باعتباره من أهم المعارك الجوية خلال حرب 73.

غادة جلال الدين

غادة جلال الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سيناء

المزيد من تقارير مصر

التصعيد العسكري بالشرق الأوسط.. مواقف مصرية تدعم الأخوة العرب وتحذر من الفوضى

مع التصعيد العسكري الخطير وتهديده للأمن الإقليمي بالشرق الأوسط.. بعد الضربات الأمريكية - الإسرائيلية لإيران.. والهجمات الإيرانية على عدد من...

"التأمين الصحي".. قصص نجاح تنقذ الأرواح وتخفف أعباء العلاج عن المواطنين

في إطار التزام الدولة بتطبيق منظومة صحية حديثة تقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية، وتكفل حق كل مواطن في الحصول على...

"التعليم فى أسبوع".. جولات الوزير الميدانية وتوفير بيئة إيجابية بالمدارس

جولات محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الميدانية بمحافظة البحيرة ، وحملات التوعية "نحو بيئة إيجابية للتعلم" بالتعاون...

بالأسماء.. الوزراء الجدد يؤدون اليمين.. وتوجيهات رئاسية لتعزيز كفاءة الأداء

شهد  الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم، بمقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة، أداء نائب رئيس الوزراء والوزراء ونواب الوزراء الجدد...