في السادس من أكتوبر عام 1973، تمكن خير أجناد الأرض "الجيش المصري" من عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف، وتدمير مواقع الجيش الإسرائيلي وأنهوا أسطورة الجيش الذى لا يقهر.
وفي الثانية من ظهر يوم السادس من أكتوبر عام 1973، بدأ أكثر من ألفي مدفع ثقيل قصفه لمواقع العدو فى نفس اللحظة التى عبرت فيها سماء القناة 280 طائرة تشكل القوة الجوية المكلفة بالضربة الجوية الأولى التى أصابت مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية بالشلل التام.
وفى نفس الوقت كان آلاف المقاتلين بدأوا النزول إلى مياه القناة واعتلاء القوارب المطاطية والتحرك تحت لهيب النيران نحو الشاطئ الشرقى للقناة، بعد ذلك بدأت عمليات نصب الكباري بواسطة سلاح المهندسين ليعبر المصريون حاجز الهزيمة لتحقيق النصر المجيد.
- معجزة العبور
فاجأ المصريون العالم بـ"معجزة" العبور واستطاع الجيش المصري عبور "خط بارليف"، ذلك الخط المنيع الذي وصف بأنه أقوى خط دفاعي في التاريخ ولا يمكن تدميره، إلا أن الجيش المصري رفض الهزيمة والرضوخ للأمر الواقع وصمم على استعادة أراضيه المحتلة والثأر لكرامته.
وشكل العبور حدثا هائلا في تاريخ العسكرية المصرية والعربية لكونها أول هزيمة عسكرية لإسرائيل على أيدي العرب، وقضت مصر علي أسطورة الجيش الذي لا يقهر باقتحامها قناة السويس واجتياحها لكامل نقاط خط بارليف واستيلائها على الضفة الشرقية لقناة السويس بكل نقاطها وحصونها، وإدارتها بنجاح لقتال شرس فى عمق الضفة الشرقية وعلى الضفة الغربية لقناة السويس.
وروجت إسرائيل طويلا لخط بارليف على أنه يستحيل عبوره وأنه يستطيع إبادة الجيش المصري إذا حاول عبور قناة السويس، مدعية أنه أقوى من خط "ماجينو" الذي بناه الفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى .. ولكن تمكن الجيش المصري من عبور قناة السويس واجتياح "خط بارليف" وأفقد العدو توازنه في أقل من ست ساعات.
بدأ الهجوم بالضربة الجوية مستغلا عنصري المفاجأة والتمويه العسكريين الهائلين اللذين سبقا تلك الفترة، كما تم استغلال عناصر أخرى مثل المد والجزر واتجاه أشعة الشمس من اختراق الساتر الترابي في 81 موقعا مختلفا وإزالة 3 ملايين متر مكعب من التراب عن طريق استخدام مضخات مياه ذات الضغط العالي ومن ثم تم الاستيلاء على أغلب النقاط الحصينة للخط بخسائر محدودة ومن الـ441 عسكريا إسرائيليا تم قتل 126 وأسر 161، بينما لم تصمد إلا نقطة واحدة هي نقطة بودابست في أقصى الشمال في مواجهة بورسعيد.
- خط بارليف .. سلسلة من التحصينات
يعد "خط بارليف"، سلسلة من التحصينات الدفاعية التي كانت تمتد على طول الساحل الشرقي لقناة السويس، حيث قامت إسرائيل ببنائه بعد احتلالها لسيناء بعد حرب عام 1967، بهدف تأمين الضفة الشرقية لقناة السويس ومنع عبور أي قوات مصرية إليها.
سمي "خط بارليف" بذلك الإسم نسبة إلى حاييم بارليف القائد العسكري الإسرائيلي، ويبدأ من قناة السويس وحتى عمق 12 كيلومترا داخل شبه جزيرة سيناء على امتداد الضفة الشرقية للقناة.
ويتكون من تجهيزات هندسية ومرابض للدبابات والمدفعية وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية، بطول 170 كيلومترا على طول قناة السويس، وتكلف بناؤه نحو 500 مليون دولار.
تميز "خط بارليف" بساتر ترابي ذي ارتفاع يصل لما يتراوح بين 20 و22 مترا، وانحدار بزاوية 45 درجة على الجانب المواجه للقناة، كما تميز بوجود 20 نقطة حصينة على مسافات تتراوح بين 10 و12 كيلومترا وفي كل نقطة نحو 15 جنديا تنحصر مسئوليتهم في الإبلاغ عن أي محاولة لعبور القناة وتوجيه المدفعية إلى مكان القوات التي تحاول العبور.
كما احتوى الخط على مصاطب ثابتة للدبابات، بحيث تكون لها نقاط ثابتة للقصف في حالة استدعائها في حالات الطوارئ، وضمت قاعدته أنابيب تصب في قناة السويس لإشعال سطح القناة بـ"النابالم" في حالة محاولة القوات المصرية العبور، والتي قامت القوات المصرية الخاصة بسدها تمهيدا للعبور في واحدة من أعظم العمليات.
وضم "خط بارليف" 22 موقعا دفاعيا و26 نقطة حصينة، تم تحصين مبانيها بالأسمنت المسلح والكتل الخرسانية وقضبان السكك الحديدية للوقاية ضد جميع أعمال القصف، كما كانت كل نقطة تضم 26 دشمة للرشاشات، و24 ملجأ للأفراد بالإضافة إلى مجموعة من الدشم الخاصة بالأسلحة المضادة للدبابات ومرابض للدبابات والهاونات، و15 نطاقا من الأسلاك الشائكة ومناطق الألغام.
وتعتبر كل نقطة حصينة به عبارة عن منشأة هندسية معقدة تتكون من عدة طوابق وتغوص في باطن الأرض بمساحة تبلغ 4000 مترا مربعا، وزودت كل نقطة بعدد من الملاجئ والدشم التي تتحمل القصف الجوي وضرب المدفعية الثقيلة، حيث إن لكل دشمة عدة فتحات لأسلحة المدفعية والدبابات، وتتصل الدشم ببعضها عن طريق خنادق عميقة.
وكل نقطة مجهزة بما يمكنها من تحقيق الدفاع الدائري إذا ما سقط أي جزء من الأجزاء المجاورة، ويتصل كل موقع بالمواقع الأخرى سلكيا ولاسلكيا بالإضافة إلى اتصاله بالقيادات المحلية مع ربط الخطوط التليفونية بشبكة الخطوط المدنية في إسرائيل ليستطيع الجندي الإسرائيلي في خط بارليف محادثة منزله في إسرائيل.
وبينما اعترض أرييل شارون الذي كان يتولى منصب قائد الجبهة الجنوبية على فكرة الخط الثابت واقترح تحصينات متحركة وأكثر قتالية ولكنه زاد من تحصينات الخط أثناء حرب الاستنزاف.
- صاحب فكرة تدمير "خط بارليف"
اقترح أحد مهندسي القوات المسلحة وهو الراحل اللواء مهندس باقي زكي يوسف إستخدام مضخات مياه بضغط عالي لإزاحة الرمال وفتح الثغرات وكان ذلك هو الحل الأمثل لإزاحة الساتر الترابي أمام الدبابات.
والوصف السابق لتحصين بارليف يمنع أي فكرة لعبور أو إقتحام قناه السويس، والمشكلة لا تتمثل في تحصين "خط بارليف" فقط، لكن يجتمع عائق قناة السويس بجانب تحصينات خط بارليف ليوحي بإستحالة فكرة العبور.
في يوم 6 أكتوبر 1973 سقط "خط بارليف" خلال ساعات معدودة، وسقط معه 15 موقعا حصينا، بالإضافة إلى حصار المتبقي وعبر أكثر من 30 ألف جندي مصري خط بارليف في 3 ساعات فقط وتم فتح عدة ثغرات بمضخات المياه لعبور المجنزرات.
- المهندس باقي زكي يوسف
اللواء مهندس الراحل باقي زكي يوسف خريج جامعة عين شمس، هندسة قسم ميكانيكا، عام 1954، التحق بالعمل في القوات المسلحة كضابط مهندس عقب تخرجه في الجامعة بأيام، ونظرا لتخصصه تم تحويله للعمل في السد العالي، وتولى هناك ما يسمى "جراج الشرق" وذلك لأن تخصصه هو المركبات، وبعد نكسة 5 يونيو 1967، طلبت القوات المسلحة كل العاملين بالقطاعات المدنية الرجوع للجيش.
وفي مايو 1969، عقد قائد الفرقة 19 مشاة اجتماعا، عرض خلاله باقي زكي فكرته على قائد فرقته المرحوم لواء أركان حرب سعد زغلول عبدالكريم، بمنطقة عجرود من الضفة الغربية للقناة، لتحديد مهام الفرقة وتخطي عقبات العبور.
وعرض قائد الفرقة اللواء سعد زغلول المهمة بالتفصيل على رجاله، ثم طلب من كل رئيس تخصص عرض رأيه عن مهمة عبور قناة السويس، فشرح جميع الحاضرين في تقاريرهم مكونات الساتر الترابي نشأته، تكوينه، ارتفاعه، التجهيزات الفنية الموجودة به.
وقد جاءت آراء رؤساء التخصصات في كيفية التغلب على الساتر الترابي فمنهم من قال بالقنابل وآخر بالصواريخ والمفرقعات والمدفعية، وجميع هذه الآراء أشارت إلى أن توقيت فتح الثغرات داخل الساتر الترابي يتم في خلال 12-15 ساعة، وكانت هذه المقترحات والأفكار في غاية الصعوبة لتنفيذها لما بها من خسائر مادية وتستغرق وقتا طويلا.
واقترح المهندس باقي زكي فكرة "المياه" لأنه أثناء عمله بالسد العالي من عام 1964 حتى 1967 كان يجري استخدام المياه المضغوطة لتجريف جبال الرمال ثم سحبها وشفطها في أنابيب خاصة من خلال مضخات لاستغلال مخلوط الماء والرمال في أعمال بناء جسم السد العالي، أما في حالة الساتر الترابي شرق القناة فالمطلوب لفتح الثغرات به هو توجيه مدافع مياه مضغوطة إليه لتجري رماله إلى قاع القناة وعن طريق هذه الثغرات يتم عبور المركبات والمدرعات إلى عمق سيناء، وقد لخص الفكرة بقوله لقائده: "ربنا حط المشكلة وجنبها الحل يا فندم".
وصمم باقي زكي مدفعا مائيا فائق القوة لقذف المياه، في إمكانه أن يحطم ويزيل أي عائق أمامه أو أي ساتر رملي أو ترابي في زمن قياسي قصير وبأقل تكلفة ممكنة مع ندرة الخسائر البشرية وقد صنعت هذه المدافع المائية لمصر شركة ألمانية بعد إقناعها بأن هذه المنتجات سوف تستخدم في مجال إطفاء الحرائق.
وقامت إدارة المهندسين بالعديد من التجارب العملية والميدانية للفكرة زادت على 300 تجربة اعتبارا من سبتمبر عام 1969 حتى عام 1972 بجزيرة البلاح بالإسماعيلية، حيث تم فتح ثغرة في ساتر ترابي أقيم ليماثل الموجود على الضفة الشرقية للقناة، وتم على ضوء النتائج المرصودة إقرار استخدام فكرة تجريف الرمال بالمياه المضغوطة كأسلوب عملي لفتح الثغرات في الساتر الترابي شرق القناة في عمليات العبور المنتظرة، وقد كان تدمير أسطورة "خط بارليف" المنيع بخراطيم المياه المصرية.
وفي حوار صحفي، قال اللواء مهندس باقي زكي يوسف، واصفا الساتر الترابي المنيع: "الساتر الترابي ما هو إلا كثبان رملية طبيعية وبواقي حفر القنال التي أخرجها ديليسبس وألقاها في الصحراء شرق القنال، إضافة إلى ما تخلف ونتج عن عمليات توسيع وتطهير القناة.
استغل اليهود كل ذلك وقاموا بتوصيل كل هؤلاء معا وتم تعليته كذلك تم تقريبه من شاطئ القنال بحيث لا يوجد شط فتحميه القناة ويصعب تسلقه، لأنه كان بزاوية ميل 80 درجة وهي نفس ميل القناة بعدما حفرها ديليسبس، وتم تحصينه بكافة التجهيزات من حقول ألغام وكهرباء، إضافة إلى وجود نقاط قوية مهمتها القيام بالهجمة المضادة بالمدفعية والطيران في حالة عبور أي دبابة، وبالتالي ونظريا أصبح من الصعب التفكير في عبوره بسهولة".
- ردود أفعال: استغراب .. وإعجاب
واستقبل العالم النجاح المصري غير المتوقع في عبور خط بارليف وهدم حصونه المنيعة، باستغراب كبير وإعجاب أيضا، إذ لم يكن في الحسبان أن يحدث هذا التفوق الكبير من جانب مصر، خاصة في ظل الشك في إقدام الرئيس السادات على اتخاذ قرار الحرب، وذلك بعد ما أعلن أن عام 1971 عام الحسم، ثم تراجع وانشغل كثيرا بمبادرات سياسية لتسوية المسألة بالحل السلمي، ولكن جاء القرار مفاجأة للعالم، وكذلك النجاح في هدم "خط بارليف".
وبعد أيام من حرب أكتوبر في 22 نوفمبر 1973 قالت "دير شبيجل" الألمانية الغربية: "إن اجتياح المصريين خط بارليف، جعل الأمة العربية بكاملها تنفض عن نفسها آثار المهانة التي تحملت آلامها منذ 1967".
ولم يكن يخطر ببال قادة إسرائيل أن العرب يمكنهم تدمير هذا الخط الحصين، بل إن بعض الخبراء العسكريين الغربيين بعد دراستهم لتحصينات "خط بارليف" والمانع المائي أمامه "قناة السويس"، قالوا: "إنه لا يمكن تدميره إلا إذا استخدمت القنبلة الذرية"، إلا أنه وبعد العبور العظيم في 6 أكتوبر، وقف قادة إسرائيل في ذهول بعد أن دمر هذا الخط الدفاعي خلال ساعات ليتبرأ موشى ديان منه قائلا: "إن هذا الخط كان كقطعة الجبن الهشة".
وقالت وكالة "اليونايتد برس": "إن تخلي إسرائيل عن خط بارليف الحصين على الضفة الشرقية لقناة السويس يعتبر أسوأ نكسة عسكرية أصيبت بها في تاريخها".
وأفادت الوكالة بأن الجنود الإسرائيليين الذين أقاموا وراء "خط بارليف" كانوا يقولون دائما: "إنهم يشعرون باطمئنان تام وأنهم آمنون وراء حصن لا يمكن اقتحامه والآن أصبح هذا الحصن في أيدي المصريين، وكان الخط مكونا من عدد كبير من الدشم التي تحتوي على ملاعب طائرة وحمامات سباحة وغرف للنوم ومطابخ ليتساءل رجل الشارع الإسرائيلي الآن هل حقا أصبح المصريون يقيمون حيث كان يقيم الجندي الإسرائيلي ويأكلون الأطعمة الساخنة ويستمتعون بالماء البارد ويشاهدون الأفلام ويلعبون الكرة الطائرة؟".
وبحسب خبراء عسكريين، أكدوا أن "خط بارليف" واحد من أكبر الحصون العسكرية الدفاعية في تاريخ المعارك العسكرية بشكل عام، لافتين إلى أن ما حققه الجيش المصري يعتبر معجزة بكل المقاييس، وإضافة كبيرة في سجل العسكرية المصرية المجيد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في إطار التزام الدولة بتطبيق منظومة صحية حديثة تقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية، وتكفل حق كل مواطن في الحصول على...
جولات محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الميدانية بمحافظة البحيرة ، وحملات التوعية "نحو بيئة إيجابية للتعلم" بالتعاون...
شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم، بمقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة، أداء نائب رئيس الوزراء والوزراء ونواب الوزراء الجدد...
في إطار الدور العالمي الذي يقوم به الأزهر الشريف لترسيخ الخطاب الديني الرشيد، انطلقت في إيطاليا سلسلة من اللقاءات الفكرية...