كانت حرب يونيو عام 1967 واحتلال سيناء كاملة مرحلة فارقة في تاريخ مصر الحديث .. أوقات عصيبة وقاسية مرت على الشعب المصري .. كانت أقسى وأشد صعوبة على الجيش المصري وقادة القوات المسلحة.
لكن لم يكن هناك خيارات كثيرة متاحة فعقيدة الجيش المصري ليس بها سوى خياران لا ثالث لهما .. "النصر أو الشهادة" وهو مايعني الثأر للكرامة مهما كانت التضحيات فالأمر محسوم.
بعد 1967 وحالة الإنكسار التي خيمت على الشعب المصري قررت الدولة الالتفاف حول هدف واحد هو تحرير الأرض واسترداد الكرامة وكان خطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بداية تصحيح المسار .. حيث اعترف بالهزيمة وتحمله المسئولية معلنا تنحيه عن الرئاسة ليخرج الملايين في مظاهرات شعبية حاشدة يرفضون التنحي ويطالبون بالحرب واسترداد الأرض والكرامة.
لتبدأ مرحلة إعداد الدولة وتجهيزها للحرب والتي شملت عدة محاور من بينها تهيئة الشعب وإعداد الأجهزة والمؤسسات بالإضافة إلي الإعداد السياسي والإقتصاد الوطني وإعادة بناء القوات المسلحة وتجهيز أرض الدولة كمسرح للعمليات وجاء من بعدها مرحلة الصمود والاستنزاف.
- يونيو .. الانكسار
تركت حرب يونيو 1967 ذكرى مؤلمة فى نفوس المصريين، بالرغم من أنها حدثت نتيجة أخطاء سياسية وعسكرية وأوضاع المنطقة في ذلك الوقت وكلها عوامل وضعت القوات المسلحة فى ظروف صعبة لايمكن التغلب عليها.
كانت أهداف الولايات المتحدة واسرائيل واضحة للجميع وهي القضاء على زعامة مصر وإحباط دورها كدولة محورية فى منطقة الشرق الأوسط، ومع بداية عام 1967 تطورت الأحداث بسرعة وهو ما أدى إلى الصدام المسلح في المنطقة.
اتخذت حكومة إسرائيل من تصاعد أعمال الفدائيين وقيام سوريا بإطلاق مدافعها على إسرائيل ذريعة وبدأت فى حشد قواتها على الحدود السورية والاشتباك بالنيران على الحدود السورية تدخل فيها الطيران السورى والإسرائيلى فى يوم7 أبريل 1967 واستمرت إسرائيل فى تصعيد الموقف.
وفى مايو 1967 أسرعت القيادة السياسية المصرية باتخاذ عدة قرارات غاية فى الأهمية والخطورة، منها إعلان حالة الطوارئ ورفع درجة استعداد القوات المسلحة وإعلان التعبئة العامة، كما طلبت مصر سحب قوات الطوارئ الدولية من نقاط الحدود وتجميعها فى قطاع غزة، وكان من نتيجة ذلك إخلاء منطقة شرم الشيخ.
وبدأت مصر فى حشد قواتها فى سيناء بهدف معاونة سوريا فى حالة أى اعتداء عليها وذلك طبقا لمعاهدة الدفاع المشترك، وفي 3 مايو أعلنت مصر رسميا عدم سماحها بمرور السفن الإسرائيلية أو السفن التابعة لدول أخرى التى تحمل مواد استراتيجية لإسرائيل واعتبرت إسرائيل القرار تهديدا لأمنها القومي.
وبدأ التنسيق على أعلى مستوى بين الولايات المتحدة وإسرائيل لتضمن إسرائيل تأييدها خلال الحرب وبالفعل حققت إسرائيل ما كانت تطمح إليه خلال حرب 1976.
بعد 5 يونيو مباشرة انطلقت التجهيزات لاستعادة الأرض وشهدت عملية إعداد الدولة للحرب مشاركة أجهزة ومؤسسات عديدة ومشاركة الشعب بمختلف طوائفه، وإنفاق المال والجهد واستخدام كل الإمكانات المتاحة والكامنة المادية والمعنوية من أجل استرداد سيناء من العدو الإسرائيلي.
تخطيط شامل على كافة المستويات والعديد من الجوانب منها السياسي – الاقتصادي – العسكري – الشعبي – الحكومي وانطلق الكفاح المسلح بين الجيش والشعب في حرب الاستنزاف وانتهت الملحمة الكبرى في نصر أكتوبر 1973.
- الإعداد السياسي تحركات سياسية ودبلوماسية كبيرة بدأتها مصر عقب حرب يونيو 1967 مباشرة، وذلك من خلال الاتجاه إلى المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، وإلى الدول العظمى خاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، وحققت مصر مكاسب دبلوماسية من هذه التحركات تمثلت فى إدانة العدوان الإسرائيلى على مصر والأراضى العربية، وإصدار القرار رقم 242 من الأمم المتحدة الذى يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضى المحتلة إلا أن إسرائيل لم تنفذ القرار واستمرت فى الاحتلال.
كما استمر سعى مصر لقبول مبادرات السلام التى أعلنت فى ذلك الوقت مثل مبادرتى "يارنج" و"روجرز"، بالإضافة إلى مبادرات مصرية عديدة للسلام إلا أن إسرائيل أعلنت من جانبها رفضها هذه المبادرات.
ورفعت مصر شعار "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" فى توصيات مؤتمر القمة العربية فى الخرطوم، الذى عقد فى 29 أغسطس 1967، بمشاركة رؤساء إحدى عشر دولة عربية.
وفي 1 سبتمبر 1967، أصدرت الدول العربية قرارا في ختام القمة، شكل أساسا لسياسات الحكومات العربية تجاه إسرائيل حتي حرب أكتوبر عام 1973 حيث دعا القرار إلي استمرار حالة العداء مع إسرائيل وإنهاء المقاطعة النفطية العربية، ووضع حد للحرب الأهلية القائمة في شمال اليمن وتقديم الدعم الاقتصادي لمصر والأردن.
وعرف هذا القرار باسم قرار اللاءات الثلاث "لا سلام مع إسرائيل .. لا اعتراف بإسرائيل .. لا مفاوضات مع إسرائيل".
كان تولي الرئيس الراحل أنور السادات مقاليد الحكم في عام 1970 مرحلة مصرية جديدة وقام بدور دبلوماسى كبير واستطاع أن يوحد القوى العربية فى تحالف واحد قوى والتنسيق معهم على كافة المستويات استعدادا لخوض الحرب واستعادة الأرض فى ظل تعنت إسرائيل ورفضها لكل سبل السلام.
كما كان نشاط الدبلوماسية العربية خلال الفترة بين حربي 1967 و1973، في المحافل الدولية والعلاقات الثنائية، موحدا وهادفا من أجل تعبئة الرأي العام العالمي لدعم انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتلتها في حرب 1967، وإزالة آثار العدوان علي الأراضي العربية واستعادة الشعب العربي الفلسطيني حقوقه الوطنية الثابتة وفي مقدمها حقه في العودة وتقرير المصير.
- الإعداد الاقتصادي
في عام 1968 أنشأ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مجلس الدفاع الوطني وهو يتكون من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء و5 وزارات أساسية هىالدفاع والداخلية والخارجية والإعلام والمالية وعدد من الجهات السيادية، وكان الهدف من إنشاء هذا المجلس هو وجود تنسيق فعلى بين مؤسسات الدولة لتذليل العقبات فى سبيل اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة والابتعاد عن الإجراءات الحكومية الروتينية المعروفة، وتسهيل كل العقبات التى تواجه أى خطوة فى الحرب.
وتحول الاقتصاد المصري إلى "اقتصاد الحرب" وذلك بمعنى تعبئة جميع المصانع ومنتجاتها لاستيفاء اجتياجات القوات المسلحة أولا، كما لجأت مصر إلى توقيع تعاقدات دولية لتوريد السلع الإستراتيجية مثل القمح على مدد زمنية غير منتظمة حتى لا تلفت انتباه العدو إلى أن الدولة تقوم بتخزينها.
كما قامت مصر بتسريب معلومات بأن أمطار الشتاء أتلفت القمح في الصوامع وهو مادفعها لتعويض ذلك باستيراد كميات كبيرة لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من القمح.
وتم تحقيق الاحتياطى اللازم من السلع المختلفة ليكفى احتياجات الدولة لمدة 6 أشهر قبل الحرب مباشرة.
- الإعداد العسكري
كانت الخطوة الأولى بعد أن توقفت الحرب في 10 يونيو عام 1967 هي الإعداد الجيد والمثالى لخوض معركة تحرير الأرض وأخذت القيادة المصرية فى عمل الدراسات والأبحاث ووضع الأسس والمبادئ السياسية والعسكرية السليمة لإعادة تنظيم وبناء القوات المسلحة علي أسس علمية والتي علي أساسها ستقود مسيرتها الشاقة المقبلة.
وتم العمل على بناء القوى العسكرية وإعدادها تدريبيا ورفع كفاءتها القتالية وتأمين مطالبها من الأسلحة والمعدات وتطوير إمكانياتها وفقا للمستحدث من التسليح والنظم والأساليب الحديثة مع التخطيط الاستراتيجي ودعم قدراتها للردع وتامينها تأمينا شاملا.
كانت أولي الخطوات مع البدء في إعادة بناء القوات هو الإعداد المعنوي والعملي للمقاتل وكذا إعداد الجبهة الداخلية.
استطاعت مصر أن تعيد بناء القوات المسلحة وتكوين قيادات ميدانية جديدة، كما تم استحداث الجيشين الثانى والثالث الميدانيين وإعداد القيادات التعبوية الجديدة وإعادة تشكيل القيادات فى السلاح الجوى، وإدخال نظم تدريب على كل ما هو أساسى للحرب وكذلك التدريب على مسارح مشابهة لمسرح عمليات الحرب.
وتم إنشاء سواتر ترابية مماثلة لخط بارليف على ضفة النيل وتدريب القوات على عبورها، كما احتفظت القوات المسلحة بالقوة الرئيسية من المجندين دون تسريحهم بعد انتهاء فترة تجنيدهم حتى أن بعض المجندين استمروا فى تجنيدهم لمدة 7 سنوات.
كما استعدت القوات المسلحة للحرب بكل ما هو حديث فى تكنولوجيا التسليح وقامت بتطوير أسلحة المشاه واستبدلت الدبابات القديمة بالجديدة وتم إحلال المدفعية القديمة بأخرى متطورة وتم الدفع بطائرات حديثة وإدخال طرازات جديدة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إلى جانب الصواريخ طويلة المدى وكذلك تطوير معدات المهندسين العسكريين وأجهزة الكشف عن الألغام وإدخال أسلحة غير تقليدية ابتكرها مهندسون مصريون مثل قاذفات اللهب المحمولة على الأكتاف ومسدسات المياه التى استخدمت فى هدم خط بارليف.
6 سنوات فقط احتاجتها الدولة والعسكرية المصرية لكي تعيد البناء وتعود أقوى مما كانت وتطبق عمليا المقولة الشهيرة "ما أخذ بالقوة .. لايسترد إلا بالقوة".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تنفيذا لاستراتيجية الدولة لتطوير التعليم الجامعي وفي إطار خطط دعم جودة المنظومة التعليمية وربط البحث العلمي باحتياجات التنمية.. شهد الأسبوع...
في إطار خطة الدولة للتوسع التدريجي في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل على مستوى الجمهورية، بما يضمن تقديم خدمات صحية...
من أجل دعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع آفاق التعاون الدولي، بما يسهم في تحقيق مستهدفات الدولة...
بعد الانتصار العسكرى الذى حققته مصر فى حرب 6 أكتوبر عام 1973.. وبعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من 7...