باليوم الدولي للتنوع البيولوجي.. دعوة للعمل المحلي لتحقيق تأثيرات عالمية

على الرغم من كل ما أحرزناه من تقدم تكنولوجي وتقني، يظل اعتمادنا كاملا على النظم الإيكولوجية سليمة ومزدهرة لتمدنا بالمياه والغذاء والدواء والكساء والوقود والمأوى والطاقة، في جملة موارد لا غنى عنها..

ولكن التنوع البيولوجي يتدهور اليوم بوتيرة غير مسبوقة، فالأنشطة البشرية أدت الى تغيير 75% من البيئة البرية ونحو 66% من البيئة البحرية، كما يواجه مليون نوع من الحيوانات والنباتات خطر الانقراض.

ولهذا، كان لزاما علينا ان نحترم ثروتنا البيولوجية ونحميها ونرمم ما أصابها من ضرر.
 
وتحت شعار "العمل محليا لتحقيق تأثير عالمي" ، يحتفل العالم باليوم العالمي للتنوع البيولوجى هذا العام،  في تأكيد على أهمية دور المجتمعات المحلية والأفراد ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الوطنية في دعم الجهود الدولية لحماية التنوع البيولوجي والحد من تدهوره.
 
أهمية اليوم العالمي 
 
ومن أجل رفع الوعي بأهمية الحفاظ على التنوع البيولوجي باعتباره أساس الحياة على كوكب الأرض، ومصدراً رئيسياً للغذاء والدواء والتوازن البيئي، قررت الأمم المتحدة أن تحتفي سنويا باليوم الدولي للتنوع البيولوجي.. 
 
ويحتفل العالم في 22 مايو من كل عام باليوم العالمي للتنوع البيولوجى وهو يوافق تاريخ اعتماد نص اتفاقية التنوع البيولوجي في 22 مايو 1992 .
 
فمن أجل الحفاظ على الموارد البيولوجية واستخدامها على نحو مستدام، اتفق قادة العالم في قمة الأرض بريو دي جانيرو عام 1992 على استراتيجية عالمية للتنمية المستدامة.. وكان من بين الاتفاقيات الرئيسية التي تم اعتمادها اتفاقية التنوع البيولوجي، التي التزمت بالحفاظ على النظام البيئي العالمي مع تعزيز التنمية الاقتصادية.
 
ومنذ ذلك الحين، يُحتفل بيوم 22 مايو كيوم دولي للتنوع البيولوجي.
 
ويُعدّ اليوم الدولي للتنوع البيولوجي دعوة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بإحداث تحوّل في أنماط حياتنا وتجديد أواصر الصلة مع الطبيعة.
 
العمل المحلي ذو تأثير عالمي 
 
أطلقت الأمم المتحدة هذا العام اليوم الدولي للتنوع البيولوجي تحت شعار "العمل محليا لتحقيق تأثير عالمي" ، في تأكيد على أهمية دور المجتمعات المحلية والأفراد ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الوطنية في دعم الجهود الدولية لحماية التنوع البيولوجي والحد من تدهوره.
 
وتؤمن الأمم المتحدة بأن هذا اليوم يحمل رسالة بالغة الأهمية، مؤكدةً أن كل عمل صغير على المستوى المحلي يمكن أن يكون له أثر إيجابي على المستوى العالمي. فمن مراقبة حشرة على الرصيف، إلى زراعة المزيد من الأشجار، والمشاركة في أنشطة العلوم المجتمعية، أو حماية غابة محلية، كل ذلك يُسهم في الجهد الجماعي لمنع تدهور التنوع البيولوجي على كوكب الأرض وعكس مساره.
 
كما يوضح أن التحولات الكبرى تبدأ بخطوات محلية صغيرة.. فنجاح هذه الخطة في عكس مسار فقدان التنوع البيولوجي، مرهون بقوة العمل المحلي، وبالتزام المجتمعات المحلية والمنظمات والحكومات التي تتكاتف في سبيل تحقيق هذا الهدف.
 
تؤكد حملة اليوم الدولي للتنوع البيولوجي لعام 2026 على أن حماية التنوع البيولوجي ليست مسؤولية الحكومات أو أي منطقة محمية واحدة فحسب، بل تتطلب مشاركة المجتمع بأكمله، بدءًا من المجتمعات المحلية والمدارس والشركات وصولًا إلى الشباب ومنظمات المجتمع المدني.
 
خطة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي
 
تنص خطة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي على تدابير لاستعادة 30% من النظم الإيكولوجية المتدهورة وحماية 30% من الأراضي والمياه والبحار بحلول عام 2030.. ولا تخضع للحماية حاليا سوى 17% من الأراضي ونحو 8% من المناطق البحرية.
 
تحديات متزايدة
 
احتفال عام 2026 يأتي في ظل تزايد التحديات البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية والتلوث والاستغلال المفرط للموارد، والأنواع الغازية، والتوسع الحضري وفقدان الموائل الطبيعية، ما يدفع الدول والمنظمات الدولية إلى تعزيز جهود حماية النظم البيئية والكائنات الحية.
 
حين يختل التنوع البيولوجي يختل معه مصير البشر
 
التنوع البيولوجي هو مفهوم يصف جميع أشكال الحياة على الأرض، ولا يقتصر فقط على أنه تنوع واسع في النباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة، بل يمتد ليشمل الاختلافات الجينية داخل كل نوع، مثل الاختلافات بين أصناف المحاصيل وسلالات الماشية، فضلا عن تنوع النظم الإيكولوجية، من بحيرات وغابات وصحارى ومشاهد زراعية، وهي نظم تتفاعل فيها مكوناتها، من بشر ونباتات وحيوانات، في شبكة واسعة من العلاقات.
 
وتقوم الحضارات على موارد التنوع البيولوجي. فالمصايد تمد نحو 3 مليارات إنسان بما نسبته 20% من البروتين الحيواني. وتأتي النباتات بأكثر من 80% من غذاء البشر. ويعتمد نحو 80% من سكان المناطق الريفية في البلدان النامية على الأدوية التقليدية النباتية في الرعاية الصحية الأساسية.
 
علاوة على ذلك، تمتصّ اليابسة والمحيطات أكثر من نصف إجمالي انبعاثات الكربون. ويعتمد أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي على الطبيعة، حيث يعتمد أكثر من مليار شخص على الغابات في معيشتهم.
 
لآلاف السنين، تعايش البشر مع النظم البيئية للأرض. إلا أنه مع تزايد عدد السكان، بدأ البشر بالتعدي على هذه النظم وأصبح فقدان التنوع البيولوجي يتهدد الجميع، 
 
كل دقيقة، يفقد العالم ما يعادل مساحة عشرة ملاعب كرة قدم من الغابات البكر؛ ويتناقص عدد ما يقرب من 50% من أنواع الطيور في العالم؛ ويواجه حوالي 25% من أنواع الثدييات خطر الانقراض. فقدت غابات الأمازون المطيرة - "الرئة الخضراء" للأرض - أكثر من 20% من مساحتها بين عامي 1970 و2020. وفي أستراليا، إحدى "الدول ذات التنوع البيولوجي الفائق"، يتجاوز عدد أنواع الثدييات التي انقرضت في القرنين الماضيين مثيلاتها في أي قارة أخرى بكثير...
 
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن أكثر من 90% من أصناف المحاصيل قد اختفت من الحقول والمزارع خلال المئة عام الماضية. كما فُقد نصف سلالات الماشية. وتتعرض مصائد الأسماك للصيد الجائر، ولا تُدار العديد من الأنواع بشكل مستدام. أما في مجال الطب، فإن فقدان المركبات الطبيعية القيّمة سيؤثر على علاج بعض الأمرا
 
ليست هذه الأرقام مجرد إحصائيات، بل هي صرخة استغاثة من كوكب يفقد توازنه الحيوي. يعتمد ثلاثة مليارات شخص على الأسماك كمصدر رئيسي للبروتين، ومع ذلك فقد استُنزفت أو تدهورت 85% من مخزون الأسماك العالمي بشكل كبير. وبالمثل، يعتمد 80% من سكان الريف في الدول النامية على النباتات الطبية التقليدية، لكن بيئاتهم تُدمر بلا رحمة.
 
عواقب وخيمة 
 
فقدان التنوع البيولوجي يترتب عليه عواقب وخيمة، منها انخفاض في إمداداتنا الغذائية، ومواردنا من الأخشاب، والأدوية، والطاقة. 
 
تراجع التنوع البيولوجي هو السبب البيئي الأكبر لتفشي الأمراض المعدية، مثل جائحة كوفيد-19، نتيجة لاختلال توازن النظام البيئي.
 
جهود حماية التنوع البيولوجي 
 
لمنع فقدان التنوع البيولوجي وعكس مساره، اعتمد المؤتمر الخامس عشر للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (COP15) في مونتريال، كندا، في 19 ديسمبر 2022، اتفاقية تاريخية، تُعيد تشكيل علاقتنا بالطبيعة، وهي إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي (GBF)، والمعروف أيضاً باسم خطة التنوع البيولوجي، والتي تحدد أربعة أهداف طويلة الأجل بحلول عام 2050 و23 هدفاً عاجلاً يتعين تحقيقها بحلول عام 2030. وتتكامل هذه الأهداف مع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للأمم المتحدة، مما يضمن عدم تعارض الحفاظ على الطبيعة مع التنمية الاقتصادية.
 
 وتشمل هذه الأهداف:
 
استعادة 30% من النظم الإيكولوجية المتدهورة، وصون 30% من الأراضي والمياه والبحار، 
وخفض إدخال الأنواع الغريبة الغازية أو استيطانها بنسبة 50%، 
والحد من التلوث الناتج عن الأسمدة والمبيدات، 
وخفض 500 مليار دولار سنوياً من الإعانات الضارة بالبيئة،
وتعبئة 200 مليار دولار سنويا للتنوع البيولوجي، وكل ذلك بحلول عام 2030.
 
جهود مصر
 
تمتلك مصر تنوعًا بيولوجيًا مميزًا يعكس ثراء نظمها البيئية، بدءًا من وادي النيل الخصيب الذي كان مهدًا للحضارات، مرورًا بالصحارى المصرية بما تحمله من ثروات طبيعية فريدة، وصولًا إلى البحار المصرية التي تضم ثاني أكبر حيد مرجاني في العالم.
 
هذا التنوع يمثل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية وركيزة أساسية للأمن القومي والاقتصادي والغذائي بالإضافة إلى تراثنا ورأس مالنا الطبيعي
 
ومن أجل ذلك ، تتواصل الجهود لحماية التنوع البيولوجي عبر حزمة متكاملة من السياسات والإستراتيجيات والبرامج الميدانية التي تستهدف الحفاظ على الأنواع والنظم البيئية، وضمان الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة والتزاماتها البيئية الدولية. 
 
- اطلاق استراتيجية العمل الوطنية للتنوع البيولوجي 
 
في مارس 2026، قامت مصر بإطلاق الاستراتيجية وخطة العمل الوطنية للتنوع البيولوجي في مصر بعد تحديثها، وذلك في إطار جهود الوزارة لتعزيز صون التنوع البيولوجي وحماية الموارد الطبيعية، ووضع أسس واضحة للإدارة المستدامة للثروات الطبيعية لنا وللأجيال القادمة.
 
وتتوافق الاستراتيجية مع أفضل الممارسات الدولية الحديثة، وبما يتماشى مع الإطار العالمي للتنوع البيولوجي لما بعد عام 2020 (كونمينج – مونتريال)، مع مراعاة خصوصية وتنوع النظم البيئية المصرية.
 
 الاستراتيجية الجديدة أكثر طموحًا وشمولًا من سابقاتها، حيث تتضمن 21 هدفًا وطنيًا تم إعدادها من خلال مشاركة واسعة لمختلف الجهات المعنية ضمن لجنة التسيير الوطنية للتنوع البيولوجي، بما يضمن تكامل الجهود الوطنية في مجالات حماية التنوع البيولوجي وصونه، وتعزيز الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، وتقاسم المنافع، وتطوير منظومة الرصد والتقييم والتقارير الوطنية، إلى جانب دعم دور المجتمعات المحلية والمرأة في إدارة الموارد الطبيعية.
 
المحاور الستة الكبرى للاستراتيجية
 
تم تقسيم العمل إلى محاور أساسية تضمن التغطية الشاملة لكافة الملفات البيئية:
 
المحور الأول: صون الأنظمة البيئية والأنواع
تقوية شبكة المحميات الطبيعية (30 محمية حالياً تغطي حوالي 15% من مساحة مصر).
إعادة توطين الأنواع المهددة بالانقراض في بيئاتها الأصلية.
المحور الثاني: الاستخدام المستدام للموارد
من خلال دعم السياحة البيئية كبديل مستدام للسياحة التقليدية.
تنظيم عمليات الصيد والرعي لضمان تجدد الموارد.
 
المحور الثالث: الوصول وتقاسم المنافع (ABS)
حماية الحقوق الفكرية المرتبطة بالموارد الجينية والمعارف التقليدية المحلية.
 
المحور الرابع: الحد من التهديدات
من خلال مكافحة الأنواع الغازية التي تهدد التوازن البيئي.
الحد من التلوث بجميع أشكاله (بلاستيكي، كيميائي، عضوي).
 
المحور الخامس: التغيرات المناخية
استخدام "الحلول القائمة على الطبيعة" (مثل حماية غابات المانجروف في البحر الأحمر لامتصاص الكربون وحماية الشواطئ).
 
المحور السادس: التوعية والبحث العلمي
ربط البحث العلمي باحتياجات إدارة المحميات وتطوير قاعدة بيانات وطنية.

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الايدز
في اليوم العالمي للاجئين
حرية الصحافة
تتت

المزيد من تقارير منوعة

باليوم الدولي للتنوع البيولوجي.. دعوة للعمل المحلي لتحقيق تأثيرات عالمية

على الرغم من كل ما أحرزناه من تقدم تكنولوجي وتقني، يظل اعتمادنا كاملا على النظم الإيكولوجية سليمة ومزدهرة لتمدنا بالمياه...

نموذج مصري ملهم.. مصطفى مبارك يبهر العالم بثلاث تخصصات بالهندسة من أمريكا

"طموحي لا حدود له.. وكنت متفوقا منذ صغري وأسعى لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة وأردت أن أبهر والدي" هكذا وصف الشاب...

في يومه العالمي.. الشاي مشروب منعش ولغة تفاهم بين الشعوب

"تشرب شاي" .. دعوة متداولة لدى كثير من الشعوب حيث يلتف حوله الأقارب والأصحاب فى جلسة هادئة وقت "العصارى"، ويساعد...

جمعهما الفن والصداقة وذكرى الرحيل.. أعمال لا تنسى للسميرين "صبري وغانم" 

في رحلة امتدت على مدار 60 عاما، كانت الصداقة القوية وعشق الفن الرابط المتين الذي جمع بين عملاقي الفن والسينما...