رعاية اليتيم.. ضمير العالم الذى بدأ من مصر القديمة

في الجمعة الأولى من شهر أبريل، يحتفل المصريون بيوم اليتيم، تذكيرًا بحق هؤلاء الأطفال في الرعاية والحنان.. وهذا اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو دعوة مفتوحة لإحياء قيم الرحمة والتكافل داخل المجتمع، وتسليط الضوء على الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، وما يترتب على ذلك من احتياجات نفسية واجتماعية تتطلب اهتمامًا خاصًا.

وبهذه المناسبة أوضح د. عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس لجنه الدفاع عن الحضارة المصرية،أن رعاية اليتيم بدأ منذ عصر أجدادنا القدماء، حيث كان يعد الاهتمام برعاية الأيتام واجبا أخلاقيا وعقائديا، وكانت المقابر والمعابد خاصة مقابر الأشراف ودير المدينة وذراع أبو النجا ومقابر ملوك وملكات مصر بالأقصر ومعابد هابو ومعابد الكرنك تمتلئ بنقوش ورسومات للأطفال الأيتام الذين حظوا برعاية اجتماعية وقانونية. 
 
ووثقت اللوحات الجنائزية حرص المصريين على إطعام وكسوة اليتيم وتولى الأقارب (كالعم أو الخال) كفالتهم بينما اعتبرت الآلهة (مثل أوزير وآمون) حامية للأيتام والأرامل.
 
 
يوم اليتيم المصري
 
 بدأ كمبادرة مصرية عام 2003، وتهدف إلى تسليط الضوء على احتياجات الأطفال الأيتام، وإدخال البهجة والسرور إلى قلوبهم، وتقديم الدعم النفسي والمادي لهم، وتذكير المجتمع بمسؤوليته تجاههم.
 
 احدى الجمعيات الخيرية بمصر، قررت تخصيص أول جمعة من أبريل في كل عام، كيوم إنساني للاحتفال بالأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كلاهما، وذلك من اجل تخفيف الشعور بالوحدة والعيش بدون سند أو دعم.
 
ثم انتقلت فكرة الاحتفال بيوم اليتيم إلي الكثير من الدول العربية، وذلك من اجل لفت نظر المجتمعات والشعوب لضرورة الاهتمام بالأيتام ورعايتهم، وتقديم كل احتياجاتهم التي يستحقونها، كما أن جامعة الدول العربية خصصت ذلك اليوم للاحتفال بهم.
 
وتهدف تلك الاحتفالية إلي توجيه الاهتمام بالاحتياجات العاطفية للأطفال اليتامى، وأن يشعر ذلك الطفل بأنه متشابه مع غيره ، ومساعدته على التفاعل مع المجتمع، وتعد تلك الاحتفالية أسوة بما وصانا به الله سبحانه وتعالي ورسوله، عن ضرورة العطف على الأيتام ورعايتهم وعدم ظلمهم والتعدي على أي من حقوقهم أو نهرهم.
 
ان الاحتفال بيوم اليتيم يعكس وعيًا مجتمعيًا متزايدًا بأهمية الدعم النفسي والمعنوي لهؤلاء الأطفال، فاليتيم لا يحتاج فقط إلى المأكل والملبس، بل إلى الحنان والاهتمام والشعور بأنه جزء طبيعي من المجتمع. كما يهدف هذا اليوم إلى تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، التي قد تحصر التعامل مع الأيتام في إطار الشفقة فقط، بدلًا من تمكينهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وقدراتهم.
 
اليتيم في مصر القديمة
 
أوضح الدكتور ريحان أن اليتيم في مصر القديمة عرف باسم «تفن» حيث اهتم المصرى القديم باليتيم ورعايته ضمن عقيدة المصري القديم. 
 
وأكد أن المجتمع القدبم سادت به عقيدة أن الآلهة هي "أبو اليتيم" وظهر ذلك في نصوص دينية وقصص مثل "الفلاح الفصيح" الذي خاطب الإله أوزير قائلاً: "أنت والد اليتيم" وكانت رعايتهم من الأعمال الطيبة التي تدون في المقابر لضمان "حياة أبدية"، حيث يقول النبلاء في لوحاتهم: "كنت أكسو اليتيم، وكنت أقدم له الطعام".
 
وأضاف د. ريحان  أن حورس ابن أوزوريس يمكن اعتباره يتيمًا حيث قتل أبوه عمه ست إله الشر فى إسطورة إيزيس وأوزوريس. 
 
وصايا لرعاية اليتيم
 
وتضمنت نقوش مقابر النبلاء و"نصوص التعاليم" (مثل تعاليم أمينموبي) وصايا مشددة بضرورة رعاية اليتيم وتجنب ظلمه ومساعدته باعتباره واجبًا دينيًا وأخلاقيًا لضمان عبور آمن إلى العالم الآخر واعتمد الأيتام (مثل جميع الأطفال) على تمائم حماية نقش عليها رموز قوية مثل "عين حورس" (وادجيت) للحماية من الشر. 
 
كما أضاف ان المصريين القدماء حرصوا على تعليم الأيتام في مدارس ملحقة بالمعابد (مثل معبد موت بالكرنك، والرامسيوم، ودير المدينة).كما وفروا لهم الألعاب والترفيه لتخفيف ألم الفقد وحرصوا على كفالة اليتيم وفيها الوصاية أو الإيصاء والتبني وكان من المعتاد تبني الأطفال الأيتام ورعايتهم بل كان النبلاء يعاملون اليتيم كأحد أفراد الأسرة.
 
ولم تقتصر الرعاية على الدولة فقط بل شملت التكافل الاجتماعى حيث كان ينظر إلى مساعدة اليتيم كعمل صالح يضمن الحياة الأبدية. 
 
وكان هناك نظام قضائى يحمى حقوق الأيتام فى الميراث والممتلكات وكان املوك يفتخرون فى نصوصهم بحماية الأيتام وتوفير العدالة لهم ضد المتجبرين. 
 
الكتاتيب ترعى الأيتام 
 
وفي العصر الإسلامي، انتشرت الكتاتيب  كمؤسسات تعليمية واجتماعية شاملة تولت رعاية الأيتام والفقراء وخصصت لهم أوقافًا وفرت لهم السكن والغذاء والكسوة والتعليم المجاني وانتشرت هذه الكتاتيب بجوار المساجد والمدارس والأسبلة وبدأت تتطور لتصبح دورًا متخصصة لرعاية الأيتام بتمويل من السلاطين والأمراء والمؤسسات الوقفية.
 
ومن أبرز ملامح رعاية الأيتام في الكتاتيب التكافل الاجتماعي عبر الوقف حيث نجد فى وثيقة الوقف في العصرين الأيوبي والمملوكي تخصيص ريع لتعليم الأيتام وكسوتهم وتوفير خبز يومي (جراية).
 
ومن أهم نماذج لهذه الكتاتيب كتّاب وسبيل السلطان الظاهر بيبرس بجوار مدرسته لرعاية الأيتام وكتّاب المنصور قلاوون لتعليم الأيتام وتوفير احتياجاتهم وكتّاب السيدة خوند تتر الحجازية ابنة السلطان الناصر محمد. 
 
وكان الكتّاب مدرسة لتعليم الأيتام القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والحساب وغرس القيم الدينية لتعويضهم عطف الأهل، وكان هناك الملعمون أو المؤدبون المختصين بصحة الأيتام ونظافتهم وكان يتم عزل الصبي المريض حتى لا يعدي زملائه وخصصت الدولة وظيفة "ناظر الأيتام" للإشراف على شؤونهم وأموالهم.
 
وقد أثمرت هذه الكتاتيب في تحويل الأيتام واللقطاء إلى فئة متعلمة ومنتجة مما يعكس حرص الحضارة الإسلامية على التكافل ورعاية الضعفاء.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

رعاية اليتيم.. ضمير العالم الذى بدأ من مصر القديمة

في الجمعة الأولى من شهر أبريل، يحتفل المصريون بيوم اليتيم، تذكيرًا بحق هؤلاء الأطفال في الرعاية والحنان.. وهذا اليوم ليس...

باكتشاف دير أثري بالبحيرة.. منشأ الرهبنة وانتشارها في أنحاء العالم

في محافظة البحيرة.. إحدى أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم... كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، والعاملة...

في عيد الفطر.. المسرحيات "كامل العدد" وسط أجواء احتفالية 

وسط أجواء احتفالية وتفاعل واسع من المواطنين... وتحت رعاية الدكتورة جيهان زكي، وزير الثقافة، وضمن برنامج البيت الفني للمسرح التابع...

"نعم! يمكننا القضاء عليه".. رسالة أمل في اليوم العالمي لمكافحة السل

لا يزال السل أحد أشد الأمراض المعدية فتكا في العالم.. إذ يموت شخص واحد بسببه كل 6 دقائق، كما يصاب...