شم النسيم .. حكاية أقدم الأعياد المصرية

بالفسيخ والرنجة والبصل والبيض الملون .. يحتفل المصريون بواحد من أحد الأعياد التاريخية التي ينفرد بها المصريين وهو "شم النسيم" أو عيد الربيع والذي اعتاد المصريون الاحتفال به رغم فتاوى التحريم وتحذيرات التسمم وارتفاع الأسعار.

عيد لا يوجد له مثيل في بقية دول العالم ولا تعرفه أي من الدول العربية أو الأفريقية في دلالة على أنه تقليد مرتبط بحضارة وفكر المصريين الذين عمروا هذه الأرض قبل نحو سبعة آلاف عام.

"شم النسيم" هو العيد الشعبي الأقدم في مصر، فهو عيد اجتمع عليه المصريون على اختلاف معتقداتهم، فهو يرمز لدى القدماء المصريين إلى بعث الحياة حيث كانوا يعتقدون أن ذلك اليوم هو بداية خلق العالم، وهو يصادف عيد القيامة لدى المسيحيين، وله علاقة قديمة بعيد الفصح اليهودي، لذلك لا يزال جميع المصريين يحتفلون به حتى يومنا هذا.

وفي احتفال أقرب للمهرجان الشعبي المتنوع يشترك فيه المصريون بمختلف طبقاتهم الاجتماعية في الاحتفال بطقوس شم النسيم بداية من تلوين البيض وتناول الفسيخ والرنجة والبصل في تجمعات اجتماعية وعائلية أو الخروج إلى المتنزهات وعلى ضفاف النيل.

ويحتفل المصريون بعيد شم النسيم في يوم الإثنين التالي مباشرة ليوم الأحد الموافق عيد القيامة المجيد طبقا لتقويم الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية وذلك في شهر "برمودة" من كل عام.

ورغم ارتباط موعد شم النسيم بالأعياد المسيحية في عيد القيامة إلا أنه يجمع بين المصريين جميعا لارتباطه بالقدماء المصريين قبل ظهور الأديان.

- شم النسيم وبداية الحياه

يرمز شم النسيم عند المصريين القدماء إلى بدء خلق العالم معلنا بداية الحياة وقد اتخذه المصريون احتفالية كبرى للتمتع بجمال الزهور في الحدائق والمتنزهات.

وكان المصريون يجتمعون في هذا اليوم أمام الواجهة الشمالية للهرم قبل الغروب، ليشهدوا غروب الشمس، حيث يظهر قرصها وهو يميل في الأفق نحو الغرب مقتربا تدريجا من قمة الهرم حتى يبدو للناظرين وكأنه يجلس فوق الهرم الأكبر.

في تلك اللحظة يحدث شيء عجيب حيث تخترق أشعة الشمس قمة الهرم، فتبدو واجهة الهرم أمام أعين المشاهدين وكأنها انشطرت إلى قسمين.

والثابت أن هذه الظاهرة لا تزال تحدث مع قدوم الربيع في الحادي والعشرين من مارس من كل عام، في الدقائق الأخيرة من الساعة السادسة مساء، نتيجة سقوط أشعة الشمس بزاوية معينة على الواجهة الجنوبية للهرم، فتكشف أشعتها الخافتة الخط الفاصل بين مثلثي الواجهة اللذين يتبادلان الضوء والظلال، فيبدو وكأنهما شطران.

وللمصريين القدماء قصة مع شروق الشمس وغروبها، إذ يعتبرون الشروق بداية جديدة للحياة، يهب فيها إله الكون فرصة ثانية لجميع الكائنات التي ماتت مع غروب الشمس لتحيا من جديد.

- تاريخ الاحتفال

يعد شم النسيم هو أقدم احتفال شعبي عرفه التاريخ منذ قدماء المصريين ومايقرب من خمسة الآف سنة.

وترجع تسمية "شم النسيم" بهذا الاسم إلى الكلمة الفرعونية "شمو"، وهى كلمة مصرية تطلق على أحد فصول السنة وتعني الحصاد.

وبمرور الزمن تغير هذا الاسم من "شمو" إلى "شم" خاصة في العصر القبطي، ثم أضيف إليه كلمة "النسيم" فأصبح "شم النسيم" إشارة إلى نسمة الربيع وارتباط هذا اليوم بفصل الربيع الذي يتصف باعتدال الجو، وما يصاحبه من احتفال بالخروج إلى الحدائق والمتنزهات العامة والاستمتاع بجمال الطبيعة.

- مائدة طعام خاصة

ارتبط الاحتفال بشم النسيم بمجموعة من الأطعمة تتعلق بالعادات والتقاليد والتي انتقلت من المصريين القدماء عبر العصور لتفرض نفسها على أعياد الربيع في أنحاء العالم القديم والحديث.

وتشمل قائمة الأطعمة المميزة لمائدة شم النسيم البيض، والفسيخ "السمك المملح"، والخس، والبصل، والملانة "الحمص الأخضر"، وهي أطعمة مصرية كان لها معنى ومدلول عند المصرين القدماء.

- البيض شكل أخر في شم النسيم

يرمز البيض عند المصريين القدماء إلى خلق الحياة وبدأ ظهوره على مائدة أعياد الربيع مع بداية احتفال المصريين بعيد شم النسيم.

وكان قدماء المصريين ينقشون عليه الدعوات والأمنيات بألوان مستخلصة من الطبيعة ويجمعونه في سلال من زعف النخيل الأخضر ويتركونه في شرفات المنازل أو يتم تعليقها على فروع الأشجار بالحدائق لتحظى ببركات نور الإله عند شروقه فيحقق دعواتهم وقد تطورت هذه النقوش فيما بعد لتصبح ألوانا مبهجة.

وقد صورت بعض برديات منف الإله "بتاح" إله الخلق عند الفراعنة وهو يجلس على الأرض على شكل البيضة التي شكلها من الجماد.

وأخذ العالم عن مصر القديمة أكل البيض في شم النسيم فصار البيض الملون هو رمز عيد الفصح الذي يتزامن مع شم النسيم.

- البصل .. يطرد الأرواح الشريرة

يعتبر البصل ضمن الأطعمة التقليدية في شم النسيم وظهر أيام الأسرة السادسة وارتبط عندهم بإرادة الحياة وقهر الموت والتغلب على المرض.

وارتبط ظهور البصل برواية وردت في إحدى برديات أساطير "منف" القديمة التي تروى أن أحد ملوك الفراعنة كان له إبن وحيد أصيب بمرض غامض أقعده عن الحركة لعدة سنوات وعجز الأطباء والكهنة في معبد منف عن علاجه.

ولجأ الفرعون إلى الكاهن الأكبر لمعبد "أون" معبد إله الشمس والذي أرجع سبب مرض الإبن إلى سيطرة الأرواح الشريرة عليه وأمر بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الأمير بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ.

كما علق على السرير وأبواب الغرف بالقصر أعواد البصل الأخضر لطرد الأرواح الشريرة وعند شروق الشمس قام بشق ثمرة البصل ووضع عصيرها في أنف الأمير الذي شفى تدريجيا من مرضه ومنذ ذلك الوقت اعتبره الفراعنة من النباتات المقدسة.

- الخس والملانة

يعد الخس من النباتات التي يعلن اكتمال نموها حلول الربيع وعرف ابتداء من الأسرة الرابعة حيث ظهرت صوره في سلال القرابين بورقه الأخضر الطويل، وكان يسمى بالهيروغليفية "عب"، أما نبات الحمص الأخضر وهو ما يعرف عند المصريين باسم "الملانة"، فقد جعلوا من نضوجه إشارة إلى مقدم الربيع.

- الفسيخ رمز الخير والرزق

الفسيخ "الأسماك المملحة" ظهر بين الأطعمة التقليدية في الاحتفال بالعيد في عهد الأسرة الخامسة مع بدء الاهتمام بتقديس النيل.

وأظهر المصريون القدماء براعة شديدة في حفظ الأسماك وتجفيفها وصناعة الفسيخ واعتبروه رمزا للخير والرزق وتناوله في تلك المناسبة يعبر عن الخصوبة والبهجة المصاحبة لموسم الحصاد.

ويستمر الاحتفال بهذا العيد تقليدا متوارثا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل الكثير من العادات والتقاليد التي مارسها القدماء المصريين منذ عصر الفراعنة وحتى الآن.

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شم النسيم

المزيد من تقارير منوعة

رعاية اليتيم.. ضمير العالم الذى بدأ من مصر القديمة

في الجمعة الأولى من شهر أبريل، يحتفل المصريون بيوم اليتيم، تذكيرًا بحق هؤلاء الأطفال في الرعاية والحنان.. وهذا اليوم ليس...

باكتشاف دير أثري بالبحيرة.. منشأ الرهبنة وانتشارها في أنحاء العالم

في محافظة البحيرة.. إحدى أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم... كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، والعاملة...

في عيد الفطر.. المسرحيات "كامل العدد" وسط أجواء احتفالية 

وسط أجواء احتفالية وتفاعل واسع من المواطنين... وتحت رعاية الدكتورة جيهان زكي، وزير الثقافة، وضمن برنامج البيت الفني للمسرح التابع...

"نعم! يمكننا القضاء عليه".. رسالة أمل في اليوم العالمي لمكافحة السل

لا يزال السل أحد أشد الأمراض المعدية فتكا في العالم.. إذ يموت شخص واحد بسببه كل 6 دقائق، كما يصاب...