حزب الله وإسرائيل.. صراع مرير وخسائر هائلة

صراع طويل ومحتدم بين إسرائيل وحزب الله على الأراضي اللبنانية يتخطى المواجهة المباشرة بين الطرفين ويعود تاريخه إلى أكثر من عقدين حتى قبل تأسيس الحزب رسميا عام 1985، ولا ينفصل عن التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان.

ومع تصاعد التوتر بين الطرفين على خلفية عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر العام الماضي وتدخل حزب الله على خط الأحداث مما أشعل المواجهات بين الحزب والقوات الإسرائيلية وأصبحت المنطقة على شفا حرب شاملة وشيكة، وسط مخاوف من الدخول في نفق مظلم.

حتى وصلنا يوم 17 من سبتمبر، فكان نقطة تحول كبيرة بعد أن قررت إسرائيل تصعيد الصراع مع حزب الله إلى مستوى أعلى.. حيث انفجرت مئات أجهزة الاستدعاء "البيجر" التي يحملها أعضاء حزب الله" في وقت متزامن، ما أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص بينهم قياديون من الحزب، وإصابة أكثر من 2800 شخص بينهم أطفال وكبار سن في مناطق مختلفة من لبنان.

وفي اليوم التالي 18 سبتمبر وأثناء تشييع حزب الله جثامين بعض قتلى "البيجر"، حدثت عدة انفجارات، ولكن هذه المرة كانت لأجهزة الاتصال اللاسلكي، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 25 شخصا وإصابة أكثر من 450 في مناطق مختلفة.

بعد موجتي الانفجارات الإلكترونية، خرج حسن نصرالله زعيم حزب الله بتصريحات تدين إسرائيل، ووجه لها أصابع الاتهام في الهجومين، وقال إن الهجومين بمثابة إعلان حرب، وتوعد إسرائيل برد قاسٍ، بينما قالت إسرائيل إن الحرب مع حزب الله دخلت مرحلة جديدة.

* تصاعد المواجهات

تصاعدت وتيرة المواجهات بين الطرفين، ولايعرف أحد من الذي يبدأ الخطوة الأولى وكيف يرد الطرف الآخر.. لكن مايعلمه الجميع أن هناك مئات الضحايا بدون أي ذنب جنوه.

الجيش الإسرائيلي قصف نحو 30 منصة لإطلاق الصواريخ تابعة لحزب الله، إلى جانب "بنية تحتية" أخرى في غارات جوية.. فيما قصف حزب الله المقر المستحدث لقيادة اللواء الغربي الإسرائيلي في ثكنة يعرا بالأسلحة الصاروخية.

وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين في عملية لحزب الله، منهما ضابط برتبة رائد كما أعلنت هيئة البث الإسرائيلية وقوع إصابات في صفوف الإسرائيليين إثر قصف من جنوبي لبنان شمالي إسرائيل.

وفي مساء اليوم ذاته، قال الجيش الإسرائيلي إنه شن العديد من الغارات التي أصابت "المئات من منصات إطلاق الصواريخ التي كانت مجهزة للإطلاق باتجاه إسرائيل"، بالإضافة إلى إصابة "نحو 100 قاذفة ومواقع بنى تحتية إضافية لحزب الله".

لينتقل الصراع لمرحلة أخطر بقصف إسرائيل لأهداف محددة بالضاحية الجنوبية تستهدف قادة حزب الله ونفذت ضربة استهدفت إبراهيم عقيل، القيادي البارز بحزب الله وعضو المجلس الجهادي بالحزب.

كما قتلت الغارات الإسرائيلية القيادي أحمد وهبي، الذي أشرف على العمليات العسكرية لقوة الرضوان حتى أوائل العام الجاري.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل إبراهيم محمد قبيسي، الذي وصفه بأنه "قائد منظومة الصواريخ والقذائف في حزب الله" برفقة عدد من كبار قادة منظومة الصواريخ في حزب الله".

وفي 27 سبتمبر قصفت الطائرات الإسرائيلية الضاحية الجنوبية لبيروت مستهدفة مركز قيادة حزب الله وأشارت التقارير الإعلامية الأولية إلى أن هدف الغارة هو زعيم الحزب حسن نصر الله.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، مقتل حسن نصر الله وعددا من قادة الحزب أبرزهم علي الكركي، قائد جبهة الجنوب، وقائد الوحدة الصاروخية محمد علي إسماعيل ونائبه حسين أحمد إسماعيل وبعد الإعلان الإسرائيلي بساعات، أصدر حزب الله بيانا رسميا نعى فيه أمينه العام.

* اغتيال نصر الله .. مرحلة جديدة

مرحلة جديدة من الصراع بين الطرفين في الأيام بل والساعات الأخيرة هي الأخطر في تاريخ حزب الله، والتي انتهت ـ حتى الآن ـ بإعلان قوات الاحتلال اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، ما ينذر باتساع لا يحمد عقباه للصراع على الجبهة الإسرائيلية ـ اللبنانية، بل وفي الشرق الأوسط بأكمله.

عملية اغتيال حسن نصرالله أدخلت لبنان والمنطقة في مفترق طرق كبير ومنعطف شديد الخطورة وسيكون لها تداعيات خطيرة فاستهداف رأس الحزب يمثل نقلة كبيرة في الصراع على أرض لبنان.

كما أن توقيت العملية ينذر بفشل كل المساعي الدبلوماسية التى كانت تجري لاحتواء الوضع ووقف إطلاق النار في غزة، وهى المساعي التى انخرطت فيها عدة أطراف إقليمية ودولية.

* ماذا بعد؟

بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية من غير المرجح أن يمثل اغتيال نصر الله ضربة قاضية لحزب الله حيث أنه هو نفسه تولى قيادة الحزب في بداية التسعينيات خلفا لعباس الموسوي الذي اغتيل بغارة إسرائيلية أيضا.

وتضيف الصحيفة أن البعض توقع أن حزب الله سيموت بموت قائده لكن نصر الله أثبت أنه أكثر فاعلية من الموسوي، إذ حول الحزب إلى أقوى قوة عسكرية غير نظامية في العالم.

* تاريخ طويل

يعود تاريخ الصراع بين إسرائيل وحزب الله إلى المراحل الأولى التي أعقبت تأسيس حزب الله الذي نشأ بعد ما قرر قادة الحرس الثوري في إيران إنشاء تنظيم شيعي مسلح لمواجهة التدخل الإسرائيلي المتكرر في لبنان وتتبع بالكامل لإيران، واختاروا الاسم الذي كانوا معروفين به في إيران ليكون اسم هذه المجموعة "حزب الله".

تأسس الحزب فعليا عام 1982 باسم حركة "الأمل الإسلامية" ورسميا عام 1985 باسم "حزب الله"، وكانت البدايات انشقاقا عن حركة أمل الشيعية التي كانت تقود لواء المقاومة ضد إسرائيل كما كانت فاعلا رئيسيا في الحرب الأهلية اللبنانية منذ عام 1975.

وحصلت الحركة الجديدة على دعم عسكري وتنظيمي كبير من عناصر الحرس الثوري الإيراني في سهل البقاع.

وفي عام 1985، أعلن حزب الله رسميا عن تأسيسه، وانضم حسن نصرالله وعباس الموسوي، مع بعض الأعضاء الآخرين في حركة "أمل" اللبنانية، إلى هذه المجموعة التي تم إنشاؤها حديثا.

تقلد الشيخ صبحي الطفيلي رئاسة الحركة منذ عام 1982 حتى 1991 ثم أقصي الشيخ الطفيلي عن قيادة الحزب بسبب اختلاف توجهاته مع توجهات الحزب وانتخب الشيخ موسى الموسوي خلفا له.

اغتالت إسرائيل الموسوي عام 1992 ما دعا إلى انتخاب قيادة جديدة برئاسة الشيخ حسن نصر الله.

ومنذ نشأتها اعتمدت الحركة "ولاية الفقيه الشيعية" وبايعت الإمام الخميني كمرجعية دينية وحيدة ثم تحولت إلى حزب مصدرة بيانها التأسيسي رسميا في 16 فبراير 1985وتبنى قادة الحزب الإسم الذي اختاره الإمام الخميني لهم "حزب الله".

يتكون حزب الله من جناحين مهمين، الأول هو الجناح العسكري ويطلق عليه "مجلس الجهاد" والثاني هو الجناح السياسي ويدعى حزب "كتلة الوفاء للمقاومة" والممثلة نيابيا في البرلمان اللبناني.

وفي عام 1992 شارك حزب الله للمرة الأولى في الانتخابات العامة في البلاد عن طريق جناحه السياسي "كتلة الوفاء للمقاومة".

بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان (1975 - 1990)، كان حزب الله هو التشكيل الوحيد في لبنان الذي احتفظ حزب الله بسلاحه بحجة "مقاومة إسرائيل" التي احتلت مناطق واسعة في جنوب البلاد بين عام 1978 ومايو 2000، وله ترسانة أضخم من أسلحة الجيش اللبناني، بحسب خبراء.

وينظر إلى الحزب على أنه رأس الحربة في العمليات التي دفعت إسرائيل إلى الانسحاب من لبنان عام 2000، بعد احتلال دام 30 عاما تقريبا.

وتعززت شعبيته خلال حرب 2006، التي استمرت 33 يوما، وقتل فيها 1200 شخص في لبنان، غالبيتهم من المدنيين، و160 في إسرائيل غالبيتهم من العسكريين.

لكن شعبيته تراجعت فيما بعد في لبنان والعالم العربي، بسبب قتاله في سوريا في النزاع الدامي المتواصل منذ 2011، ودعم المتمردين الحوثيين في اليمن، والقتال في العراق.

وغداة اندلاع الحرب في غزة بين إسرائيل وحركة "حماس" في 7 أكتوبر إثر هجوم غير مسبوق للحركة على جنوب إسرائيل، أعلن حزب الله جبهة "إسناد" لغزة، وحليفته حركة حماس الفلسطينية.

وتصاعدت المواجهة بين "حزب الله" وإسرائيل منذ نحو أسبوع، وبعد إعلان إسرائيل نقل تركيز عملياتها من قطاع غزة إلى الجبهة الشمالية.

* مرحلة جديدة

بعد اغتيال إسرائيل للأمين العام لحزب الله عباس الموسوي بضربة جوية عام 1992، انتخب حسن نصر الله خلفا له وكانت قيادته بداية مرحلة جديدة في تاريخ الحزب وتاريخ المقاومة المسلحة ضد إسرائيل فقد حصل حزب الله على صواريخ طويلة المدى مكنته من استهداف شمال إسرائيل.

في 1993، شنت إسرائيل عملية عسكرية لتصفية حساباتها مع المقاومة وأطلقت عليها (حرب الأيام السبعة) وتسبب العدوان الإسرائيلي في تدمير معظم البنى التحتية اللبنانية وفشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها المتمثلة بتدمير حزب الله وترسانة صواريخه.

توقف القتال بين الطرفين بموجبه تتوقف إسرائيل عن مواصلة هجماتها على لبنان مقابل أن يمتنع حزب الله عن قصف شمال إسرائيل.

في 1997، أطلقت إسرائيل عملية "عناقيد الغضب" التي أدت إلى عزل المدن الساحلية وتفجير قاعدة عسكرية سورية.

بدأت الخلافات تظهر في إسرائيل حول جدوى الوجود العسكري المكلف في جنوب لبنان وبعد تكبد إسرائيل خسائر كبيرة هناك، قدر السياسيون الإسرائيليون أن الحل الوحيد لإنهاء الصراع هو انسحاب إسرائيل من لبنان وفي عام 2000، سحب رئيس الحكومة آنذاك إيهود باراك جميع القوات الإسرائيلية نهائيا من لبنان.

في 28 يونيو عام 2006، نفذت عناصر من حزب الله عملية عسكرية على دورية إسرائيلية على الحدود أطلق عليها "الوعد الصادق" وفي هذه العملية، قتل ثلاثة جنود وأسر اثنان ثم ازداد عدد القتلى من الجانب الإسرائيلي إلى ثمانية بعد مقتل خمسة آخرين نتيجة تدخل قوات جيش الدفاع لإنقاذ الأسرى.

ردا على تلك العملية شنت إسرائيل هجوما جويا كبيرا وموسعا على كافة أنحاء لبنان وبيروت مدمرة البنى التحتية إضافة إلى منازل عدد كبير من المسؤولين في الحزب ومقرات القيادة، ووسائط الاتصال وهوائيات الإرسال.

تدخلت القوى الدولية ومجلس الأمن لإيجاد تسوية سياسية لوقف الحرب، وصدر قرار مجلس الأمن الشهير رقم 1701 وينص على سحب كل المظاهر العسكرية في جنوب لبنان شمالا إلى ما وراء نهر الليطاني.

ورفض حزب الله تنفيذ القرار متذرعا باحتلال إسرائيل لمزارع شبعا اللبنانية، وقال بإنه باق في الجنوب ما دام شبر واحد من أرض لبنان محتلا.

على الجهة الأخرى، أعلن حزب الله انتصاره في هذه الحرب وأطلق عليه "النصر الإلهي" وأدت هذه الحرب إلى عقد صفقة تبادل أسرى بين حزب الله وإسرائيل نفذت عام 2008 على مرحلتين.

* 7 أكتوبر 2023 .. حرب بلا هوادة

بعد الهجوم الدامي الذي نفذته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية "حماس" صباح السبت 7 أكتوبر 2023 على القواعد العسكرية الإسرائيلية والمستوطنات الموجودة في غلاف قطاع غزة المحاصر، شنت إسرائيل حربا بلا هوادة لا تزال مستمرة إلى اليوم على قطاع غزة.

وفي اليوم التالي دخل حزب الله على خط المواجهة وبدأ في قصف القواعد العسكرية الإسرائيلية المتاخمة للحدود مع لبنان إضافة للمستوطنات الموجودة في الجليل الأعلى وإصبع الجليل والجولان السوري ومزارع شبعا.

وبرر حزب الله تدخله في الحرب بأنه يمثل جبهة إسناد لقطاع غزة وأنه غير معني بحرب واسعة مع إسرائيل، وربط الحزب توقفه عن قصف الشمال الإسرائيلي بوقف إطلاق النار في غزة.

طيلة أحد عشر شهرا، ركزت إسرائيل على قصف قطاع غزة وهو ما دفع حزب الله إلى مواصلة قصفه للشمال الإسرائيلي رابطا بين الجبهة في غزة وجبهة شمال إسرائيل.

ونشرت إسرائيل خططا لإعادة انتشار قواتها على حدود لبنان في الجبهة الشمالية، وحشدت 3 فرق عسكرية تضم نحو 30 ألف جندي على طول الجبهة كما استحدثت عددا كبيرا من القواعد العسكرية ونقاط التجسس.

واستمرت إسرائيل في تصعيد الصراع مع حزب الله إلى مستوى أعلى بتفجيرات أجهزة النداء الآلي "البيجر" وهاجمت مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث كان يجتمع كبار قادة قوة الرضوان، قوات النخبة في الحزب، وقتلت إبراهيم عقيل الرجل الثالث في الحزب و16 قياديا آخر.

حتى وصلت إلى أعلى مستوى من التصعيد باغتيال حسن نصر الله الأمين العام للحزب باستخدام قنابل خارقة للتحصينات بعمق يراوح ما بين 50 إلى 70 مترا تحت الأرض في هجوم للجيش الإسرائيلي على مقر قيادة الحزب تحت الأرض في الضاحية الجنوبية بالعاصمة بيروت.

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

علي لاريجاني
ايران
ل
غزة
قصف غزة
سوريا
غزة
جوزيف عون

المزيد من تقارير عرب وعالم

لغات العالم في مكة.. "الشعائر" توحد ألسنة الأرض في موسم الحج

في مكة المكرمة تتحول اللغات خلال موسم الحج إلى مشهد إنساني عالمي، تتجاور فيه الثقافات واللهجات والأعراق تحت مقصد واحد،...

بالذكرى 78 لنكبة فلسطين.. الظلم التاريخي يتواصل وحلم العودة يتجدد

من التهجير الى حرب الإبادة .. معاناة متواصلة وظلم تاريخي مستمر على الشعب الفلسطيني، منذ عام 1948 الذي شهد نكبة...

‪ ضيوف الرحمن يتوافدون على حي حراء الثقافي بمكة المكرمة للإطلاع على إرث الوحي

‏‎في رحلات ثقافية وإثرائية تهدف إلى تعريف الحجاج بتاريخ الوحي والسيرة النبوية، وإبراز الجهود التي تبذلها المملكة في العناية بالمواقع...

المشاعر المقدسة.. دلالات دينية ترسخ قدسية المكان وتكامل الخدمات لضيوف الرحمن

المشاعر المقدسة في مكة المكرمة، تمثل محورًا روحيًا وجغرافيًا فريدًا في قلب العالم الإسلامي، إذ تتجلّى فيها أسمى معاني العبادة...