فـيروز: لا أرتدى فستاناً أبيض مرصـعاً بالنجوم

«جارة القمر» فى عيد ميلادها الـ«89» تعلقت بأسمهان وليلى مراد وفريد الأطرش من راديو الجيران «عبد الوهاب» مدير بنك.. و«عبد الحليم» بياع أدوات حريمى.. و«رشدى» صاحب قهوة فتوات

جارة القمر تكتسى بنبرة حزينة هادئة، صوتها مدرب على الانطلاق إلى أقصى الأبعاد المكمونة فى صفاء، حالة مميزة يصعب تكرارها، بخلاف الحضور الذى جعل من وقوفها على المسرح حالة غنائية غير قابلة للتكرار.

ظهرت موهبة الفنانة الكبيرة "فيروز" منذ الطفولة، حيث جاءها "محمد فيلفل" الملحن  السورى المعروف وسمعها وهى تغنى  فى حفل مدرسى عام 1947، ومن شدة إعجابه بموهبتها تكفل بمصاريف دارستها فى معهد الموسيقى، وبعد أن أنهت دراستها بالمعهد أجيزت كمطربة بالإذاعة أمام لجنة مشكلة من أسماء عظيمة، مثل خالد أبو النصر وحليم الرومى  الذى رشحها لغناء قصيدة "وطن  النجوم"، شعر إيليا أبو ماضى ومن تلحينه، كما قدم لها لون الطقطوقة، مثل أغنية "بحبك" وأغنية "طير يا حمام"، وهو من اختار لها اسم فيروز الذى انتشرت به فى الوطن العربى.

فى بدايات الخمسينات تعرفت فيروز على عاصى الرحبانى، وصارت بينهما صداقة انتهت بالزواج، وقدمت فيروز أول أغنية معه "عتاب" التى عبرت بها بوابة الغناء الرحباني، وأثمر هذا التعاون على نتاج مختلف الألوان  الغنائية، ثم انضم لهما الضلع الثالث، وهو شقيق زوجها منصور  الرحباني، ووضع الثلاثى خطة لتقديم أغنية لبنانية جديدة، وبعد ما أبدعوا فى الأغانى القصيرة، أبدعوا كذلك فى لون آخر، وهو الصور الغنائية الإذاعية والمسرحية، واستمر صعودها مع الرحبانية بصوتها، وهما أصحاب اللحن والتوزيع وقيادة الفرقة الموسيقية وكتابة النص الدرامى والغنائى، وارتفع اسم فيروز وعاصى ومنصور رحبانى إلى عنان السماء، حيث تألقت فى أغانيها الرائعة، "نحن والقمر، باكتب اسمك، شايف البحر، قمرة يا قمرة، حبيتك بالصيف، لبنان الأخضر، وزهرة المدائن" وغيرها الكثير.

هذا الصوت الشجى لا يترك نفسه حكرا على ملحن واحد، حيث تعاونت فيروز مع الكثير من الملحنين، منهم فيلمون وهبى فى أغنية "ذهب أيلول" ومع  الابن "زياد رحباني" فى بداية  تجربته فى "سألونى الناس"، وكذلك مع الملحنين "زكى ناصف ومحمد حسن وتوفيق الباشا وخالد أبو النصر وإلياس رحباني" وغيرهم.

القضية الفلسطينية كانت حاضرة فى رحلة فيروز التى عبرت عنها بأغنية "القدس العتيقة"، وهى من أهم ما غنت، وغنت كذلك لوطنها لبنان فى "لبنان الأخضر وسلام ببيروت وأقبل للبحر والبيوت وبحبك يا لبنان".

تحتفى "الإذاعة والتليفزيون" بذكرى ميلاد  جارة القمر  الـ 89 وتنشر لها حوارا نادرا عمره 53عاما مشتركاً بين جارة القمر وزوجها عاصى وشقيقه منصور رحبانى نشر على صفحاتها فى العدد رقم (1873) الصادر بتاريخ 6 فبراير 1971

إلى نص الحوار..

فى الطريق إليها، وحبات المطر تنهمر على زجاج السيارة كأنها ملايين المناظير الصفراء الخضراء.. رأيتها من وراء العصافير، قادمة من القمر، رداؤها الأبيض مرصع بحبات النجوم، ومن خلفها صوتها:

لأجلك يا مدينة الصلاة. أصلى كان شفاء ملايين اللاجئين من ورائها أردد:

يا قدس.. يا مدينة الصلاة

.. ذبحة أسى كالسكين فى صدرى، تنبثق منها صورة أم لاجئة، ترن أحزانها على الأسفلت المتسول فى أمسيات الحمراء. طفلها يستوطن صدرها وعلى لسانها سؤال فى وجه العابرين المسرعين كالأمل المنطفئ.. لا يولد أبدا!

ويتعانق الوجهان فى رأسى.. وجه الطفل اللاجئ، ووجه فيروز، ويولد الحزن فى عينيها صوتا من  الأعماق:

لأجل من تشردوا..

لأجل أطفال بلا منازل!

.. ويلد الصدى ملايين الأصداء:

البيت لنا..

والقدس لنا..

وبأيدينا سنعيد بناء القدس.

وعندما تغنى للحب.. يحلم الحزن فى صوتها بالأفراح التى لم تتحقق بعد.

وعندما تغنى للمودة.. يرتفع الحزن ابتهالا صوفيا من أجل أن يتحقق العدل فرق الأرض!

 ومن الغريب أن فيروز دهشت كثيرا عندما سألتها: من أى نبع إنسانى ينساب هذا الحزن فى صوتك؟

قالت مستفهمة بلهجتها اللبنانية التى لا تحضرنى الآن: وهل صوتى حزين فعلا؟

 وسألتها عن طفولتها؟

فاجابت : أبى يعمل رئيسا للعمال فى مطبعة، وكانت أسرتى مكونة من أم وأختين، وأخ.. أنا أكبرهم.

وقال عاصى:أحست فيروز بإجهاشة الغناء فى صوتها وعمرها 12سنة.. لم يكن فى بيتهم راديو. كانت تفتح إحدى نوافذ البيت، فيصلها صوت راديو  الجيران.

ومنه حفظت أغنيات ليلى مراد،  وأسمهان، فريد  الأطرش.. وعندما  يغلق الجيران الراديو يغتم قلب فيروز  الطفلة، وتنزوى فى غرفتها مرددة ما سمعته – خلسة- ودون علم أفراد الأسرة وعندما اكتشف أبوها حلاوة صوتها ذات مرة.. طلب منها أن تردد الأغنية التى كانت تغنيها منذ قليل، فرفضت و لم  تكن فيروز تغنى من أجل  أن يسمعها أحد. وإنما لأن احتياجا غريزيا بداخلها يدفعها إلى الغناء!

 ومتى استجبت أول مرة للغناء فى حضرة الآخرين؟

كانت فيروز طالبة بالمدرسة الابتدائية، حين سمعها- بالصدفة- واحد من الموسيقيين المشرفين على الموسيقى العسكرية فى الإذاعة اللبنانية فألحقها بمعهد الكونسرفتوار، وكان هذا الموسيقى نفسه- واسمه محمد فليفل- يقدم برنامجا غنائيا فى الإذاعة.  فقدمها فى أغنيتين. إحداهما لليلى مراد. والأخرى لفريد الأطرش.  ويومها التحقت بالإذاعة اللبنانية فى وظيفة "كورس" وقفت فيروز لمدة عام وراء عدد من المطربين اللامعين، أصبحوا الآن فى دائرة الظلال، بينهما يسقط الضوء، طول الوقت، وفى كل  المنطقة العربية، وفى معظم مناطق العالم، على صوت فيروز.

وهى تجتاز امتحان الكورس فى الإذاعة.. دخل عاصى رحبانى العازف بفرقة موسيقى الإذاعة اللبنانية فى ذلك الوقت. استمع إلى صوتها بانبهار، وابتسم بداخله إحساس واثق باكتشاف غير عادى، وفى نهاية العام كان عاصى قد انتهى من تلحين الأغنية التى بدأت  بها فيروز رحلة  الشهرة، وبعدها بالفعل استقر اسم وصوت فيروز فى آذان المستمعين، وكانت أغنية "عتاب" الأغنية رقم واحد فى قائمة الأغنيات التى توالت بعد ذلك، ووصلت حتى  الآن- كما تقول فيروز- إلى 500 أغنية، بخلاف الأغنيات التى غنتها فى 12 مسرحية.

وتتذكر فيروز أول مرة وقفت فيها لتغنى أمام الجمهور كان ذلك فى عام 1957 وفى مهرجان أقيم فى بعلبك، يضم أساطين الغناء فى لبنان، ليلتها.. وبالرغم من أنها التجربة الأولى.. أذهلها النجاح الذى حققته، لكنه فى نفس الوقت منحها الإحساس بمعنى أن يصبح الإنسان قادرا على  الغناء، وأن يوصل غناؤه إلى الآخرين.

ومن يومها وفيروز تمارس الخوف الشديد قبل أن تغنى ليس خوفا من الفشل، وإنما الخوف من ألا تستطيع أن تجعل من الأغنية أجنحة يرفرف بها المستمع. وصلاة تطهر الإنسان من قلقه وتقيم بينه وبين الحياة جسرا من الحب.

هكذا تتصور فيروز الأغنية.

ولهذا تخاف كلما كانت على وشك الغناء!

 عندما تسيرين فى شوارع بيروت، هل يتزاحم عليك الناس؟

إن فيروز التى تصورتها فى رداء أبيض مرصع بالنجوم، تذهب إلى أسواق بيروت دون أن يتزاحم الناس على لقد اعتادوا رؤيتى.

ويقول عاصى: اعتادت أن تكون شخصية عادية تعيش وسط الآخرين حتى لا يقوم بينها وبين الجمهور ذلك الحاجز الرخامى. فيخسر الفنان فرصة القدرة على الرؤية المباشرة لواقع الناس والحياة اليومية  ويفقد الصوت لون الحياة.

تتعلق  عينا فيروز بسقف الغرفة وهى تدندن:

ومشيت فى الشوارع.. شوارع القدس العتيقة

شوارع القدس العتيقة..

قدام الدكاكين..

قال عاصى الذى يقف متابعا الحديث:

ما وقت الغنا يا فيروز.. بتجاوبى على الأسئة هلا.

واسترسلت فيروز:

حين هوت مدينة القدس..

تراجع الحب..

وفى قلوب الدنيا..

استوطنت الحرب!

هل تخافين الحرب؟

أخاف الصراصير.

كانت فيروز تقوم بدور "عطر الليل" فى مسرحية "أيام فخر الدين"، وفى أحد  المشاهد كانت واقفة بمفردها فى مقدمة المسرح، تنتظر دخول "الأمير فخر الدين" بعد قليل، وفجأة ظهر عن قرب منها صرصور . أخذ يقترب ويقترب، وهى فى حالة من الفزع المثير، تحاول أن تتماسك قدر الإمكان حتى لا تخرج عن الدور.

والصرصور فى رحلته المباغتة ماض تجاهها، وفى اللحظة التى قررت فيها أن تفر هاربة من الصرصور الجسور..

دخل "الأمير فخر الدين" قبل موعده المقرر خطأ. وأمام دقات خطى "أمير" تراجع الصرصور خارجا، تاركا فيروز تلم شتات نفسها الهلعة، لتغنى فى استقبال  الأمير!

قال عاصى وهو يتطلع فى ساعته هو  الآخر:

فيروز عمرها ما بتحكى ها الحكى. موعد الطبيب قرب هلا.

قلت وأنا أكتم غيظى من موعد الطبيب غير المناسب، ربما كنت فى  نفس الوقت أريد أن أتعرف على الجانب المرح فى شخصية فيروز: لو لم يكن هؤلاء مطربين.. ها هى الأعمال التى تصورينها لهم؟

.. أحست فيروز بما يشبه التوجس ورأيتها  تقطب ما بين حاجبيها وتتشابك أصابعها تحت ذقنها. تستجمع ذاكرتها كأنها فى حالة طوارئ.

قلت: محمد عبد الوهاب؟

قالت: مدير بنك.

وديع الصافى؟

مدير مطعم.

عبد الحليم حافظ؟

بياع أدوات حريمى.

محمد رشدى؟

صاحب قهوة فتوات.

قلت: فيروز؟

قالت: بعد لحظة تفكير قصيرة:

بياعة الخواتم.

تشير بذلك إلى دورها فى مسرحية "بياعة الخواتم".

قال عاصى: موعد الدكتور يا فيروز؟

 قلت له: باعتبارك أول من قدم لفيروز أغنية الرحلة الناجحة.. ما هو تفسيرك لها كمطربة؟

قال: منذ أن غنت فيروز وهى  تملك طابعا خاصا. جعلت الأغنية مركزة وغنت مشاعر متعددة . وألفت التكرار .

 هل تتابعين السياسة؟

وهى تقف قالت: إننى أتابع الشعر فقط. السياسة ترهقنى.

 وشاعرك المفضل؟

سعيد عقل والأخطل ونزار.

 وطبقك المفضل؟

السمك المقلى.

 وأغنيتك المفضلة لمطرب أو مطربة أخرى؟

استمع إلى أى أغنية حلوة وأرافقها بالغناء.

 قلت: هل تعزفين على آلة موسيقية؟

وهى تقف: أتعلم العزف على الجيتار..

قال عاصى رحبانى بعد أن خرجت فيروز:

هايدى صحافة ولاّ علم نفس؟

قلت: إننى فعلا أحوم حول منابع الحزن فى صوت فيروز. هل هو حزن واع.. أو حزن تلقائى؟

فى هذه اللحظة. دخل منصور رحبانى بيده دوسيه بداخله مجموعة قصائد من شعره. قرأ علينا جزءا من قصيدة لم تتم.. وقصيدتين.

 ووجهت السؤال لعاصى ومنصور رحبانى قلت لهما: من منكما يكتب الأغنية؟ ومن يلحنها؟

فى صوت واحد: نحن الإثنين

 تكتبان معا وتلحنان معا؟!

نعم.

 كيف؟

وضاق عاصى ذرعا بالسؤال فقال:

هيك السؤال أجبنا عليه من عشرين سنة     

 ومع ذلك أريد أن أعرف الطريقة التى تشتركان بها فى عمل فنى واحد؟

زهرة المدائن مثلا؟

الكلام لمنصور. واللحن لى والأوركسترا لمنصور

 ألا يقوم واحد منكما بمفرده بتقديم عمل كامل؟

راجعون: من تأليف وتلحين وتوزيع "منصور" وحده.

 بماذا تفسر نجاح أعمالكم الفنية؟

التعبير بالصدق والإخلاص.

 من أين تنطلق أعمالكم الموسيقية؟

من فكرة الفن نفسه، الفن فى خدمة إنسانية الإنسان.

 ما هى رؤيتك للموسيقى العربية عموما؟

هناك اتجاه إلى ينبوع الفولكلور وهناك اتجاه إلى التأثر بالأغانى العالمية وهناك الخلق الخامن والمحافظون الذين يحبون التراث والموشحات كل هذه الحركة ستؤدى إلى مولد موسيقى عربية تطل على العالم، وهى جديدة بالتأكيد.

 هل تستطيع أن تعقد مقارنة بين موسيقى كل بلد عربى؟

لم أدرس دراسة ميدانية، لأقول مقارنة موضوعية.

 والموسيقى المصرية؟

أحب الموسيقى  المصرية الصميمة جدا وبعض المحاولات الجديدة.

 لمن؟

عند أكثر الملحنين أجد دائما مقاطع فى غاية الجمال وأتابعها .

محمد عبد الوهاب وهو غنى فى المقدمات ورياض السنباطى ومحمود الشريف اللى بحبه أنا، وبليغ حمدى والموجى والطويل وتعجبنى محاولات عبدالحليم نويرة فى توزيع الفولكلور أعجبتنى كذلك محاولاته فى إخراج  الموشحات.

 فقلت لعاصى أنت تغنى؟

أكتب الشعر باللهجة اللبنانية وباللغة العربية.

 ماذا غنت لك فيروز من أشعارك الفصيحة؟

سوقى القطيع إلى المراعى وأمضى إلى خضر البقاع

الليل يوغل..

Katen Doe

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سعاد

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص