أحمد شفيق كامل يتذكر: كواليس «لقاء السحاب» بين «أم كلثوم» و«عبد الوهاب»

كنت أسمع لتوجيهات لأنه لم يبخل علىّ بالنصيحة ضحك عبد الناصر عندما قلت عليه معلم لقاء «أم كلثوم» و«عبد الوهاب» الفنى فى «أنت عمرى» كان تكليفا من عبد الناصر «عبد الوهاب» لحن الأغنية فى 6 سنوات.. ولهذا غضبت مــن وصفى بـ «الزجال»

الشاعر أحمد كامل شفيق أحب الثورة وأختار لكلماته حنجرة العندليب عبد الحليم حافظ وخصص لقصائدة العاطفية حنجرة أم كلثوم للتغنى بها، فمن منا ينسى كلماته الوطنية فى أغنية الوطن الأكبر وأغنيةخلى السلاح صاحى، ومن منا ينسى كلماته العاطفية فى أنت عمرى والحب كله وأمل حياتى..

بدأ كتابة الشعر فى سنوات الدارسة فكتب شعرا فى جدول الضرب، ونشر أول قصائدة عام 1945 بمجلة الثقافة، كان محباً للغة العربية فبدأ الكتابة  بالفصحى ولأن شاعر الشباب كان معلمة بالمدرسة الثانوية

أقنعة الكتابة بالعامية بدل الفصحى فأنثابت منه أحلى الكلمات وأمتع التعبيرات.

ولد فى 9 يونيو 1928 بمركز أشمون بالمنوفية وتخرج من كلية التجارة وعمل موظفا بمصلحة الضرائب..

صادق الشعراوى منذ كان يقدم برنامجه نور على نور وأقنعة أن يترك الكتابة العاطفية ويتجة للدينية فسمع نصيحتة وتوقف عن الكتابة العاطفية بعد ما ترك أكثر من مائة أغنية عاطفية ووطنية، وقدم العديد من الأغنيات التى جمعت بين أم كلثوم وعبد الوهاب فأطلق عليه شاعر الهرمين أم كلثوم وعبد الوهاب وشاعر السحاب نتذكرة فى حوارا نادرا عمره 30 عاما أجرة معه الكاتب الصحفى إبراهيم عبد العزيز على صفحات مجلة الاذاعة والتليفزيون فى عددها رقم (3085) الصادر بتاريخ 30 أبريل 1994 نعيد نشرة بمناسبة ذكرى رحيلة الـ16

فإلى نص الحوار

هو صاحب لقاء السحاب بين قمتى الغناء والتلحين أم كلثوم وعبد الوهاب فى أغنية "أنت عمرى"، والتى سببت مشاكل بينهما على مدى ست سنوات، وهو صاحب حكاية شعب التى كتب فيها جملة أخافت عبد الحليم حافظ وكمال الطويل وكتم عبد الناصر ضحكته بسببها.. إنه أحمد شفيق كامل الذى بدأت رحلته مع  الإبداع الفنى المكتوب كبيرا.. فأين هو الآن  وما هى اهتماماته، ولماذا لا يواصل رحلته الفنية؟

 سألت "أحمد شفيق كامل" أين أنت الآن؟

بين يدى الله أمارس معاشى فى هدوء وسكينة مريحا مستريحا فى القراءة والاستماع ولجنة الاستماع.

 ماذا تقرأ وماذا تسمع؟

أقرأ فى كل اتجاه، خاصة المؤلفات الدينية فى  الفترة الحالية، والاستماع لأحاديث الشيخ الشعراوى وكل أساتذة الدين، وما يتبقى من فراغ أملأه بأغنيات عبدالوهاب.

 منذ متى بدأت الاتجاه للتعمق فى الدين؟

طوال عمرى أقرأ فى الدين وعلى رأس هذه القراءات قراءتى للقرآن الكريم.

 هل انعكس ذلك عليك كمبدع؟

لا شك كان له انعكاس فى تشكيل الوجدان وتقويم اللسان وتهذيب اللغة والأسلوب.

 هل استلهمت القرآن الكريم فى عمل فنى؟

لا بد أن يكون لكتاب الله عصارة تنساب فى وجدان الإنسان وكلامه من حيث لا يشعر ولا يفتعل..

 من هم الفنانون الذين عرفتهم ووجدتهم يرتبطون بالقرآن؟

السيدة أم كلثوم وسعد عبد الوهاب.. وكثير من الفنانين مثلا أم كلثوم الفنانة الكبيرة جدا جدا ملء الأسماع والأبصار والشخصية التى تشغل الجميع حتى فى بروفاتها وفى جلساتها الفنية.. فضلا عن مواجهتها للجماهير.. معى فى هذه الحالة الفنانة فقط، ولكنها فيما عدا ذلك من تهيوء للإبداع الفنى أو مواجهة للناس، هى تلك الفلاحة  من "طماى الزهايرة" المستكنة فى بيتها البسيطة جدا قارئة لكتاب الله، ترعى أهلها وأبناء بلدها وأبناء مصر كلها وليس  لها علاقة بمجتمع الفن والفنانين وسهراته المعروفة.

أما عبدالوهاب فكان دائم الحديث عما فى كتاب الله من معجزات ومن إبداعات بيانية وبلاغية وكان كثير اللهفة على متابعته آخر الخواطر الإيمانية لمختلف العلماء وعلى رأسهم الإمام الأكبر الشعراوى، ويناقش فى هذه الخواطر كثيرا ويتوقف عند المعانى الجديدة التى يضع الشعراوى يده  عليها فى الآيات الكريمة، والموقف نفسه لسعد عبدالوهاب زميل الدراسة فى المرحلة الثانوية، وصاحب صداقة العمر  الطويل. والذى لا تخلو  مكالمة له فى  التليفون أو جلسة مع الناس أو على انفراد من البحث فى كلام الله وحديث سيد  الخلق صل الله عليه وسلم.

متى بدأت علاقتك بعالم الفن والفنانين؟

البداية هى بداية كل فنان، بداية إعجاب بالفن نفسه، ففى طفولتى فى القاهرة بحى الحلمية، كان صوت عبدالوهاب يأخذنى بصوته الذى يملأ إحساسى ومشاعرى بجماله وروعة ما فيه من ألحان وسمو ما يردد من كلمات لأمير الشعراء أحمد شوقى، وللشاعر أحمد عبدالمجيد، ورامى، وغيرهم من الرواد.. وفى المرحلة الابتدائية كنت أتبادل إنشاد الشعر مع زملاء الطفولة، وأذكر فى هذه  المرحلة أننى أنشأت أبيات عن جدول الضرب أقول فيها:

شكوت إليك يا ربى

عدوى جدول  الضرب

فكم اللهم أسلمنى

وكم للضرب أوقع بى.

ثم بدأت أحس أن بداخلى شيئا رحت أعبر عنه بالكتابة الفصحى مرة وبالعامية مرة أخرى، ورحت  أعرضه على أستاذى الكبير الشاعر أحمد رامى، فى مكتبته بدار الكتب، وكان يوجهنى ولا يبخل على بملاحظاته ونصائحه. ومن بين هذه النصائح..

أنت أساسا بداخلك شاعر جيد والشعر الجيد لا يستطيع أن يقول أغنية جيدة.والعكس غير صحيح.. وكل ما أنصحك به ألا تتعجل  كتابة الأغنية الآن وعليك بالشعر، وبدأت أنفذ هذه النصيحة وبدأت النشر فى مختلف الصحف والمجلات الموجودة على الساحة.. ومنها مجلة الثقافة التى كان  يرأس تحريرها أحمد أمين  ولم تكن تنشر إلا لكبار الكتاب، وفيها نشرت لى أول   قصيدة بعنوان "سر الحياة"، وكانت مجلة "الثقافة" المشار إليها  كما ذكرت  لك لا تنشر إلا لكبار عمالقة الشعر، وكنت فى التوجيهية "الثانوية العامة" ومقبل على دخول كلية التجارة التى لا يفصلنى عنها سوى  الإجازة الصيفية، وأحببت أن أظهر نفسى فى موقع من الجامعيين بما سوف يكون، فكتبت معرفا بنفسى جامعة فؤاد الأول- أحمد شفيق كامل -  وفوجئت فى الفهرس بالتنويه  الذى يشار به لأكبر الشعراء مكتوب اسمى  فيه مسبوقا بكلمة الأستاذ.

شفيق

 وأحسست أننى أمضى فى الطريق الصحيح حتى جئت إلى الإذاعة فى شارع الشريفين، وقدمت لهم قصيدة فيما كان يسمى "مختارات الإذاعة" حيث يقدم النص  ويعرض على لجنة النصوص لإجازته وإسناده إلى ملحن ومطرب، كان ذلك وأنا لا أزال طالبا، وأخذ منى الساعى النص إلى سعيد باشا لطفى المسئول عن الإذاعة، وبعد خمس دقائق عاد ودعانى للقائه وكان على يمينه كروان الإذاعة الراحل "محمد فتحى" وقال لى أنت الذى كتبت هذا  الكلام تفضل اقرأ ووجدتنى فى حيص بيص فكيف أقرأ  وأجمل القراء موجود، وطلب منى أن أرفع صوتى، لقد أراد أن يعرف  من حسن قراءتى أو عدمها.. هل أنا كاتب هذا الشعر أم أنا ناقله من مجلة من المجلات، وبعد أن  انتهيت وجدته يقول لى بروح الأبوة والتشجيع  طيب  أنا متشكر.. وأرجوك أى حاجة تكتبها تأتى لى بها شخصيا، وطلب منى أن أحضر فى اليوم التالى إلى عبدالوهاب يوسف ووجدت قصيدتى عنده وعليها تأشيرة للأستاذ رياض السنباطى لتلحينها، وكان قمة الملحنين عند سعيد باشا لطفى بعد عبدالوهاب، وطلب منى  عبدالوهاب يوسف أن أجلس مع السنباطى  لأقرأ له القصيدة والمعانى التى فيها.. والمقصود منها لكى يبدأ فى تلحينها وتسجيلها فى الأسبوع القادم، وكان النظام المتبع هو تسجيل قصيدة كل شهر، وذلك لقلة أشرطة التسجيل ثم كانوا يمسحون الشريط  لتسجيل مادة جديدة عليه وفى الشهر الذى كان من المفروض أن يسجل فيه السنباطى قصيدته جاء أحمد فتحى شاعر "الكرنك" وكانت لصديق له يعمل بإذاعة لندن  قصيدة عند السنباطى فسجلها له، وفى الشهر التالى قدم العقاد قصيدة "كأس  على ذكرى" فكانت لها الأولوية فى التسجيل وعندما جاء السنباطى ليسجل تلحينه لقصيدتى خطر له أن يأخذ   ثلاثمائة جنيه على تسجيله للشريط مثل عبدالوهاب، وكان يأخذ مائة جنيه فلم توافق الإذاعة وظلت قصيدة "المحراب" عند السنباطى وقد سجلها بعوده ولم يتم إذاعتها من قبل ولعلها من بين تراثه الآن.

 كيف مضيت بعد ذلك فى طريق الإبداع الفنى للإذاعة؟

لم  أكن محترفا  إنما بالفطرة وما أحس به  أضعه على الورق وإن كان له نصيب للظهور يظهر أو لا يظهر، فهذه ليست مشكلة بالنسبة لى،  وقد ظهرت أغنيات وأنا لا أزال طالبا-  وكان أول ما ظهر لى فى "مختارات الإذاعة" من تلحين المطرب  والملحن الكبير أحمد عبدالقادر الذى لحن لى "الأطياف" و"يا نديم الروح" وكان ذلك فى حوالى  منتصف الأربعينات وقد غنتها "نجاة على"، وكانت هى المطربة الثانية فى العالم العربى بعد أم كلثوم، وقد جعلتنى هوايتى ألا أكتب إلا كل جديد وإلا فما الداعى له، وعلى سبيل المثال كانت فكرة "الأطياف" أن اثنين  من المحبين افترقا وأرسل المحب خياله ليواسى الحبيبة.. فى الوقت نفسه الذى  أرسلت الحبيبة خيالها لتواسى حبيبها، وتلاقى الخيالان ونسى كل منهما مهمته وذهبا للهو فى  المكان الذى كان يتقابل فيه الحبيبان وعند مطلع الفجر يعود كل خيال إلى صاحبه ليخبره أنه كان  عند حبيبته حتى يكتشف الحبيبان كذب خيالهما.

وقد تسللت ذات مرة وكانت نجاة على تحيى حفلها فى نادى القضاه، و كان خالى مستشارا وعلى السلالم سمعتها تتغنى بكلماتى فكأننى  امتلكت سعادة الدنيا، وكانت فرحتى تفوق فرحتى بقصيدة أنت عمرى على شهرتها.

 كيف تعرفت على أم كلثوم فى "أنت عمرى"؟

أول لقاء معها سابق على "أنت عمرى" والتى كانت أول لقاء عاطفى حيث التقيت معها فى أغنية وطنية فى المناسبة الحزينة للانفصال الذى أنهى الوحدة المصرية السورية 1960، حيث وقع انقلاب الانفصال الذى هزنا من أعماقنا لأنه كان غدرا بالأمل الكبير فى نفوس الناس بالوحدة الشاملة التى كانت من المنتظر أن تشمل دولا أخرى غير مصر وسوريا فكتبت عدة أغنيات متمردة على الانفصال وجئت بها للإذاعة صباح الانفصال، وكان الأستاذ عبدالحميد الحديدى قد اتصل بى وقال لى إن أم كلثوم تريد أن تغنى شيئا بهذه المناسبة، فقلت له إننى كتبت من سبعة إلى ثمانية انفعالات بما حدث وجدته بها واتصل بأم كلثوم التى طلبت أن أكتبها فورا فالسنباطى عندها، وتغنت أم كلثوم "باسم مين" وأذيعت ثلاث مرات.

أما اللقاء الثانى مع أم كلثوم  فقصته مع "أنت عمرى" والتى كنت كتبته فى بداية سنة 1958 ليغنيها عبدالوهاب وبدأ يلحنها وعندى تسجيل لها بصوته، وجاء عيد من أعياد   الثورة وكان عبدالناصر حاضرا فقال لأم كلثوم وعبدالوهاب نفسنا نسمعكم  فى عمل مشترك، فاعتبر عبدالوهاب وأم كلثوم هذا تكليفا من عبدالناصر، وحدثنى عبدالوهاب لنذهب إلى أم كلثوم دخلنا إلى فيلتها سرا ونسى عبدالوهاب العقود فى السيارة، والمفروض أن أنزل لإحضارها فقلت له الأستاذ عبد الوهاب العقود ففهم ونزل وأقر بها وهمس لى: منظرنا ونحن أتين بالعقود يذكرنى بمنظرى أنا وحسين حلمى المانسترلى الشاعر ونحن داخلين على منيرة المهدية لأسمعها اللحن

وجسلنا مع أم كلثوم وبدأنا نقرأ "أنت عمرى" التى رشحها عبدالوهاب لأم كلثوم وتنازل  عنها لها، وكنت أسمع أن أم كلثوم تغير للمؤلفين كلامهم ولكنها  لم تغير فى أغنيتى إلا كلمتين  ففى الفقرة التى تقول:

شوقونى عينيك لأيامى اللى راحوا

فقال لأم كلثوم كيف تقول "شوقونى"  وترجع تقول:

واندم على الماضى وجراحه

فغيرتها إلى "رجعونى"

وفى الكوبليه الذى يقول:

الليالى الحلوة والشوق

والمحبة من زمان

والقلب شايلهم  عشانك

دوق معايا الحب دوق حبه بحبه.. من حنان قلبى اللى بيشاغل حنانك.

غيرتها إلى "طال  شوقه لحنانك".. بدلا من "يشاغل حنانك"، وهكذا تخصلت من تدخل أم كلثوم إلا فى هذه الحدود اليسيرة.

 كيف استطعت أن تتفادى الأزمة بين أم كلثوم وعبد الوهاب والتى كادت ألا تجعل لقاءهما الفنى لا يتم؟

عبدالوهاب كما أعرفه مقدر للمسئولية فأم كلثوم هى أم كلثوم ومكانتها كبيرة، ولو قدم لها لحنا دون المستوى سيخيب آمال الناس التى تنتظر منهما عملا يليق بهما، وعلى يدى كان عبد الوهاب يراجع نفسه مرات ومرات، يلحن ويغير ويعيد ويزيد، وطال الوقت على هذه الحال، مما أقلق أم كلثوم وكانت  كلما حدثته يقول لها سأتيك غدا ولا يأتى وظنت أم كلثوم أن عبدالوهاب لا يريد أن يلحن لها وهو كل يوم والثانى يقول تصريحات صحفية..

إنه يقوم بالتلحين فتظن أم كلثوم أن عبد الوهاب يريد إحراجها فيتصور الناس أنها هى التى تمنع لقاءهما وفى أول عيد للعلم بجامعة القاهرة وحضره الرئيس  عبدالناصر ليسلم النياشين والأوسمة والشهادات التى أنعم بها على الفنانين.

وكنت ممن حصـل علـى وســـام الاستحقاق وكــان فى الصـف الأول للمــدعــوين أم كلثوم وعبدالوهاب وهيكل، وفى الصف الخلفى مباشرة جلس عبدالحليم  وكمال الطويل وأنا، وبالمصادفة وجدتنى خلف أم كلثوم وعبدالوهاب مباشرة، وعندما دخلت أم كلثوم وقف الجميع لتحيتها والسلام عليها ولكنها تجاهلتنى ولم تسلم علــى، والسبب أنهــا عندما وجـدت عبد الوهاب يؤجل ويراوغ فى المواعيد قالت لى قبل سفرها لأوروبا يا أحمد أبقى فوت على "محمد دسوقى"- ابن خالتها- وسكرتيرها والمتولى حساباتها، وفهمت أنها تريد أن تشترى أغنية "أنت عمرى" لتعطيها لملحن  آخر، ولم أذهب،  فغضبت وقالت لى:

 لماذا لم تذهب لمحمد؟

فحاولت الهرب منها قائلا: لقد ذهبت إليه؟

ولم أخذ بالى أنه موجود فى الاحتفال. فقالت لى: أنت لم تذهب وطلبت محمد  دسوقى وسألته أمامى فقلت لها للخروج من المأزق.. لقد ذهبت ولم أجده.

فقال لى: أنت حر إذا كنت تريد أن تترك الأغنية له "فعمره لن يغينها"

فقد كان لعبد الوهاب تجربة سابقة معها حين أخذ عبد الوهاب أغنية "سهران لوحدى" وظلت عنده فترة طويلة فأخذتها أم كلثوم وأعطتها للسنباطى ليلحنها وغنتها وقالت ليفعل عبد الوهاب ما فى يده أن يفعله.

وقالت لى: أنا مستخسرة هذا الكلام "كلام أغنيته انت عمرى" خليه هو اللى يغنيلك.

فقلت لها: هل تسمحين أن تتحدث فى التليفون ونتفاهم، والحقيقة أنها شهادة لعبدالوهاب وجميل لن أنساه له فقد تحدث إلى أم كلثوم وقال لها: إن أحمد شفيق كامل غير المؤلفين الذين تتعاملين معهم لأنه هاوى لا يأخذ فلوس ولا تهمه الفلوس، وفى الحفل ظلت أم كلثوم على غضبها، وعندما استلمت وسام الاستحقاق وجدت براءة الوسام: إلى فلان الزجال تقديرا لخدماتكم.

فتملكنى الغيظ وقلت: زجال زجال إيه أنا لا أريد هذا النيشان. وسمعتنى أم كلثوم فقالت: وماذا تكون؟

قلت لها: أنا شاعر مثل شاعرك أحمد رامى، ووصل ما حدث إلى صلاح الشاهد أمين رياسة الجمهـــورية فطلبنى فى مكتبى وكنت أعمل مع د.القيسونى وذهبت إلى الرئاسة ببراءة الوسام فقام بتصحيحها ووافق على التصحيح  رئيس الجمهورية.

وانتهى كل ذلك وأنا جالس فى مكتب صلاح الشاهد لأحصل على وسام باعتبارى شاعرا، وعندما اتصلت بأم كلثوم قلت لها: أريد أن أذكرك هل أخذت كلام الأغنية منى أم من عبدالوهاب؟

فقالت: من عبد الوهاب. فقلت لها: فما الذى أستطيع أن أفعله أنا، ثم إذا أعطيتك  الأغنية وبعتها لك فأين يذهب عبد الوهاب بلحنه، وماذا يكون موقفى ساعتها فهل ترضين لى موقفا كهذا؟

وتحولت أم كلثوم إلى قطة أليفة بعد  أن كانت منفعلة وثائرة، وأفهمتها أننى على صلة مستمرة بعبد الوهاب، واللحن لم يتبلور بعد بالشكل الذى يليق بك وبه،  فدعيه يأخذ وقته لأنه بالفعل يعمل وأنا متأكد من هذا.. فقالت لى على مضض:

أفلح إن صدق.. واستمر عبد الوهاب  فى تلحين "أنت عمرى" من سنة 58 إلى سنة 1964 ولكنه جعلها فى قمة أدائها ومنذ بدأ عزف  المقدمة الموسيقية لـ "أنت عمرى" انقلبت الصالة قبل أن تبدأ أم كلثوم غناءها.

ذكرت أن عبد الناصر كان وراء لقاء  السحاب بين أم كلثوم وعبدالوهاب فإلى أى مدى كان تدخل السياسة فى الفن؟

الفن جزء من الحياة والسياسة جزء من الحياة، ولا بد أن تتلاقى أجزاء الحياة وتتفاعل، وهل أمل  الجماهير  أن يستمعوا إلى قمتى الغناء والتلحين فى عمل مشترك، حتى   هيأت الظروف رجلا مثل عبد الناصر فنقل إليهما رغبة الجماهير، وكانا فى حاجة فقط إلى "تلكيكة" خاصة بعد أن هدأت المنافسة بينهما كمطربين، فاحتجب عبد الوهاب عن الحفلات العامة مما ساعد على تلاقيهما.

وأذكر أيضا أن الرئيس عبد الناصر كان سيذهب إلى أسوان فى العاشرة من يناير 1960 ليضع حجر الأساس لبناء السد العالى، واستعد كل الفنانين للحفل فيما عدا عبد الحليم حافظ، وكان هو والطويل وأنا نجلس فى أحد الفنادق الكبــرى نتنـــاول الشاى ودخــل علينا د. عبد القادر حاتم، وقال لنا ماذا تفعلون هنا، ما الذى جهزتموه للسد العالى؟

فقلنا له: ظروف الوقت الضيق لم تسعفنا لعمل شىء فقال: الآن تخرجون ولا تظهرون إلا عندما تكونوا قد أنجزتم عملا بهذه المناسبة، وأخذت ركنا وعدت لهم وقد كتبت "حكاية شعب" فى ثلاث أو أربع صفحات، فانتاب كمال الطويل الرعب وقال مستحيل فى أى وقت سنلحق كل  هذا، كما استغرب الأسلوب الذى اتبعته فى حكاية شعب مما لم يعتده أحد فى الأغانى، كما أن الكورس له دور كبير، وقال: ماذا أفعل؟

وبعد أن أخذ ورد استقر بنا الأِمر على تلحينه فى الفجر، وكان عبدالحليم معه وخشى الطويل من السفر  إلى أسوان خوفا من استقبال اللحن، لكننى حرصت على  السفر لأعرف وقع جملة خشى منها الطويل وعبدالحليم، وهى "ضربة كانت من معلم" لقد خافا من واقع الجملة على عبد الناصر كيف نقول للريس يا معلم، وأصررت على الجملة وإلا فسأسحب الأغنية بأكملها وسافرت خصيصا لأعرف وقع هذه الجملة على عبد الناصر، وأخذت أراقبه من خلف الكواليس، وعندما جاء عبد الحليم عند  هذه العبارة..

ضربة كانت من معلم خلت الاستعمار يسلم كان  عبدالناصر  يضع يده فى جيبه  لإخراج  منديله، وما إن سمع ضربة كانت من معلم، حتى كتم ضحكته بمنديله، وانقلبت الدنيا، وطلب الحاضرون إعادتها وقالوا:

يا ريس خليه يعيدها من تانى

وكانت  الأغنية الوحيدة التى أعيدت فى هذا الحفل..

 لماذا توقفت عن إمتاعنا بكلماتك المغناة التى لا تنسى؟

توقفت ظاهريا ولكن لا يوجد  فنان يتوقف.. فهل من الممكن لأحد أن يتوقف عن التنفس.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ام كلثوم

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...