قبل توجههى للقاء السيدة رقية السادات كنت أتصور أن لديها خدم وحشم باعتبارها ابنة رئيس جمهورية مصر الراحل محمد أنور السادات وتصورت أنها تقيم فى فيلا أو قصر فاخر ولكن
قبل توجههى للقاء السيدة رقية السادات كنت أتصور أن لديها خدم وحشم باعتبارها ابنة رئيس جمهورية مصر الراحل محمد أنور السادات وتصورت أنها تقيم فى فيلا أو قصر فاخر ولكن عندما توجهت لمحاورة رقية السادات فوجئت باستقبال وحفاوة كأننا من أفراد عائلتها, بدءا من قيامها بفتح الباب لنا, مرورا بإصرارها على تقديم واجب الضيافة, بأن أعدت المشروبات وقدمتها بنفسها لنا, وجدت المفاجأة الأهم أن نبرة صوتها لا تختلف كثيرا عن نبرة الرئيس السادات, وتواضعها يدل على أنها "بنت بلد "، لقد ورثت رقية أشياء كثيرة عن والدها منها عزة النفس والكرم وحسن الضيافة, تجولنا فى شقتها البسيطة، فإذا بصور الزعيم السادات تملأ جدرانها وكأنك فى متحف من الصور والمقتنيات البسيطة بساطة صاحبتها وعندما قرأت بعض الخطابات المرسلة لها من والدها أثناء خدمته بالجيش فى رفح، عرفت أنه كان يتابع حياتهم لحظة بلحظة، ويعرف كل شىء رغم زواجه من السيدة جيهان حينها, وانشغاله بالعمل، ولا تخلو خطابات السادات لابنته من خفة الدم والدعابة التى تبرهن على خفة الظل والفكاهة والبساطة فى حياة هذا الرجل كابن بلد وزعيم, وفى غرفة نومها فوجئت بصورة خاصة جدا للزعيم السادات فى جهة اليسار المقابلة لسريرها، وقالت إن تلك الصورة تحتفظ بها فى هذا المكان منذ سنوات طويلة، وعند استيقاظى من نومى أشاور على الصورة وأقول صباح الخير يا بابا, وكأنه يرد التحية، كما فى إشارة يده ونظرته إلى فى مكانى كما ترى, إنها تعبيرات تعجز عن وصفها الكلمات.
رقية السادات.. أكبر أبناء الرئيس الراحل محمد أنور السادات, وكان إخوتها يلقبونها "بتاعة بابا"، فهى الوحيدة دون أخواتها التى عايشت أهم التفاصيل والأحداث خلال رحلة حياة والدها منذ أربعينات القرن الماضى ومرورا بقيام ثورة 23 يوليو 1952, ثم توليه رئاسة الجمهورية وحتى استشهاده فى ذكرى انتصارات حرب اكتوبر المجيدة عام 1981...
رقيه السادات فى حوارها مع " الإذاعة والتليفزيون " تحدثت بنبرة صوت مميزة وبطريقة قريبة جدا من أسلوب والدها الرئيس الراحل أنور السادات بطل الحرب والسلام.
ماذا يمثل السادات بالنسبة لك وما الذى تعلمتيه منه؟
السادات بالنسبة لى لم يكن أبا فقط, بل كان معلمى الأول, فهو من علمنى الشجاعة وقول الحق والعطاء والوفاء, وتربيت على عشقه للوطن، فعلمنى حب الوطن والانتماء له, بابا أول من علمنى كيف اعيش بكرامة وأحب الناس واحب الحياة, وهو الذى قادنى الى معرفة الله عن قرب وعلمنى كيف أذوق حلاوة الإيمان, علمنى بابا أيضا أن الرجال مواقف وأفعال وليس أقوال أو شعارات, وهو الذى ذرع فينا قيمة الحب وكره الحقد, والوفاء بالعهد, كما عرفت من خلاله معنى البطولة والتضحية, ببساطة والدى كان بطلا وفارسا ومقاتلا يعرف قيمة الأرض ويدرك أنها كالعرض فاقسم على تحرير سيناء من المعتدين, ولنا فى حرب أكتوبر المجيدة الدروس والعبر التى تتدارسها الأجيال المتعاقبة, وهذا أكبر درس سياسى من قائد وطنى بدأ حياته مناضلا وعانى كثيرا فى سبيل الوطن, فتم سجنه عدة مرات فى المعتقلات ولم يسع إلى أى منصب ولكن إرادة الله وضعته فى سدة الحكم وتحمل المسئولية ببراعة وأخذ على عاتقه تحرير مصر من العدوان الإسرائيلى واستحق لقب رجل الحرب والسلام .
حدثينى عن السادات الأب وذكريات الطفولة معه فى بيت العائلة كيف كانت؟
كانت بلدتنا ميت أبو الكوم, وكانت جدتى تحكى له واخوته عن حادث دنشواى، غرست فيه الشجاعة والوطنية من صغره، فتربى على تلك الصفات, وحكى لى خالى سالم عندما تعرض والدى للغرق فى ترعة وكان عمره 9 سنوات وقام بانقاذه, فوجىء بالسادات يقول له " مصر كانت خسرت كتيير لو أنا غرقت " هذا الكلام قاله والدى فى طفولته, أى كان يخطط ويفكر لخدمة بلده منذ طفولته, وكان جدى محمد السادات قد عمل مترجما متطوعا خلال فترة دخول الإنجليز فى حادثة دنشواى لأنه كان يجيد الإنجليزية, حتى يعرف الناس حقيقة ما يجرى من أحداث, ثم انتقلت الأسرة للاقامة فى حى منشية البكرى بالقاهرة وبعدها انتقلنا الى شارع القائد فى كوبرى القبه فى مواجهة القصر الملكى لأن جدى كان يعمل باش كاتب فى الإدارة الطبية بمستشفى منشية البكرى العسكرى, والتحق والدى بالكلية الحربية, وبدأ تنظيم الضباط الأحرار بقيادة عزيز باشا المصرى وكان السادات طالبا بالكلية الحربية وتلك بداية التحاقه بالضباط الأحرار عام 1936 وتخرج والدى كضابط فى الجيش وهذا كما حكاه لى, ثم تزوج من والدتى فى البلد وكان فرح كبير لأن والدتى كانت ابنة عمدة البلد, وأنا عشت مع والدى رحلة حياة كانت ثرية وغنية ومليئة بالاحداث الكبيرة والمؤثرة فى حياة الأسرة, والفترة الأولى من حياة ابى شهدت أحداث قاسية بدايتها بالنسبة لى عندما كنت فى بداية طفولتى فى بداية الأربعينيات من القرن الماضى, فقد تعرض والدى للاعتقال وقبض عليه من البوليس السياسى بأوامر من السلطة الإنجليزية عام 1942, وكان عمرى حينها عاما واحدا, وروت لى والدتى أنها أخذتنى معها فى أول زيارة له أثناء سجنه بالمعتقل وكان معنا عمى عصمت, وكنا نتنقل للاقامه بجوار اى معتقل يسجن به والدى, حتى لا نتحمل مشقة الانتقال والعودة, كما أن والدتى كانت تحرص على تقديم الطعام له فى المعتقل بشكل يومى لأن والدى لم يكن يتناول طعاما من السجن, وكانت أمى تحرص على غسل ملابس والدى وكيها وتوصيلها له و كل ما يحتاجه فى السجن, هكذا كانت حياتنا فى الطفولة مع أبى فى بداية نضاله السياسى وقصص كفاحه.
وماذا عن قصة الكفاح والاعتقالات والهروب من السجن فى حياة والدك؟
بسبب انشغاله بهموم وطنه وكفاحه السياسى ونضاله للتخلص من الاستعمار الإنجليزى, تعرض والدى للاعتقال فى سجن الأجانب فى كوبرى الليمون, ميدان باب الحديد وما يعرف حاليا بميدان رمسيس,عام 1941، وفى هذا السجن التقطت لى العديد من الصور مع أبى كبداية الارتباط الروحى به منذ طفولتى, وبعد الإفراج عنه من سجن الأجانب, عاد ليمارس رحلة الكفاح الوطنى مرة أخرى، ويعتبر ذلك أمراً طبيعيا بالنسبة له إذ أنه يعتبر مصر وطنه وعرضه الذى يغار عليه, وكان على استعداد أن يفعل أى شىء فى سبيل وطنه, الأمر الذى أدى إلى إلقاء القبض عليه مرة أخرى، ولكن وضعوه فى تلك المرة فى سجن منقباد بمحافظة أسيوط وكانت والدتى تسافر لتزوره فى هذا المعتقل بصحبة عمى طلعت السادات, وكان من المعتاد أن تذهب والدتى لزيارته فى كل معتقل يسجن به بصحبة أحد أعمامى حتى لا نتعرض لمشاكل أو مضايقات فى السجون, وفى المرة الثالثة تم اعتقاله فى سجن الزيتون أمام كنيسة العذراء مريم, فقامت والدتى باستئجار سكن نقيم فيه لنكون قريبين منه لأن المسافة كانت بعيدة نسبيا عن منزلنا فى حى كوبرى القبة, ولأن والدتى كانت تحرص على تلبية كل ما يطلبه من أكل وغسيل لملابسه لأنه لم يكن يتناول طعام السجن, وكنت فى تلك المرة قد بلغت سن الرابعة من عمرى وزاد ارتباطى بوالدى وتأثرت به فى كل شىء, وخلال سجنه فى الزيتون تعرف ابى بالكاتب موسى صبرى وكان مناضلا وله دور فى الكفاح الوطنى ايضا, وفى تلك الفترة هرب والدى وموسى صبرى من هذا المعتقل, وبعد الهروب انتقلنا للاقامة فى منطقة المرج, حيث كان الفريق عزيز المصرى محدد اقامته هناك, وكان عزيز المصرى متبنيا نضال ابى ومشجعا له على الكفاح ضد الانجليز والملك, وخلال تلك الفترة كان ابى متخفيا بالملابس البلدى الجلابية واللاسه واطلق على نفسه اسم المقاول محمد نور الدين وهو الاسم الذى استاجر به الفيلا التى كنا نقيم بها فى المرج, وكان والدى لا يخرج الا ليلا فقط وفى احدى الليالى قال لى تعالى يا راكا افسحك فخرجت معه وذهبنا الى مبنى كبير له سور عالى وتحيط به الاشجار وحملنى وقفز من اعلى السور ودخلنا حديقة القصر ووجدنا الفريق عزيز باشا المصرى جالسا على كرسى وسط الحديقة,وقطف ثمار المانجو الهندى من الشجر واعطانى واحدة, ثم انتقلنا للعيش فى حى روض الفرج ولم يكن أبى يملك من المال ما يكفى لعلاج أختى راوية الأولى التى أصيبت بجفاف ولم يستطع والدى شراء السكر لوضعه فى المحلول واشترى عسل أسود فاصيبت أختى بجفاف وماتت لذلك السبب, وهذا قبل أن تأتى أختى الصغرى التى سميت على اسم راويه أيضا, وبسبب شدة الملاحقات الأمنية ظل أبى متخفيا وعمل فى مهن كثيرة منها سائق وتباع والمقاولات فى العديد من الاماكن كما عمل مقاولاً وبنى حمام سباحة فى مدينة الزقازيق لا يزال يحمل اسم المقاول محمد نور الدين حتى الآن, وقصة الهروب استمرت لفترة طويلة وكلها مدونة فى كتاب أبى "البحث عن الذات ",
ما المواقف التى لا تنسى خلال فترة الهروب والاعتقالات؟
فى إحدى المرات كنا بالبيت وفوجئنا بالبوليس السياسى يقتحم منزلنا للقبض على والدى, وقاموا بمداهمة المنزل وكان والدى يضع أوراقه وكتبه فى شنطة حديدية أسفل السرير بغرفة نومه, ودخل أفراد البوليس واخذوا هذه الشنطة بكافة مشتملاتها من أوراق وكتب خاصة بوالدى والحقيقة لاننى تعلمت الشجاعة من والدى رغم صغر سنى حينها كنت 6 سنوات, لم أخف من البوليس ولكننى انزعجت لانهم اخذوا شنطة والدى باوراقه الخاصة وكان هذا موقف مؤثر جدا بالنسبة لى, وموقف اخر عندما كنت العب مع ابناء عمى وكان والدى محبوسا فى سجن قرميدان بالقرب من القلعة والسيدة عائشة, واثناء اللعب مع ابناء عمى واطفال العائلة وكل منهم والده بالمنزل او بالعمل وكنت انا الوحيدة ابى غير موجود فقال الاطفال لى :" انتى ابوكى مسجون علشان حرامى ", فبدأت فى الصراخ. وذهبت الى جدى محمد السادات وقال لى لماذا تصرخى وتبكى؟ فقلت له ان الاولاد بيقولوا ابويا مسجون عشان حرامى, فقال لى هذا الكلام غلط, ووالدك مسجون سياسى وليس حرامى, فطلبت أن أزوره فى السجن وقام جدى بعمل الاتصالات وعمل لنا تصريح لزيارته فى السجن, وذهبنا لزيارته, ودخلنا وشاهدت بعينى مساجين يتم ضربهم بالكرابيج والدماء تسيل من وجوههم واجسامهم, ففزعت مما رأيته, وصرخت وقلت للضابط هو بابا بيعمل فيه كدا وبتضربوه زى المساجين اللى شفتهم؟ فاحتضننى الضابط وقبلنى كطفلة صغيرة تخاف على ابيها, وقال لى الضابط وكان اسمه صلاح ذو الفقار - الفنان فيما بعد - وكانت اول خدمه له بعد التخرج وقال لى : باباكى مسجون سياسى محدش بيضربه ولا بيعذبه. وأعطانى علبة شيكولاته, وبعدها حضر والدى الينا فى غرفة الزيارة, وقلت له : يا حبيبى يا بابا بيضربوك هنا؟ وانت حرامى؟ فقال لى: مين قال كدا فقلت له اولاد عمى قالوا كدا ورد قائلا : " انا مش حرامى يا بنتى انا مسجون سياسى هنا عشان احرر بلدى مصر من الانجليز ", وعندما رجعت إلى منزلنا كنت فخورة أمام اطفال العائلة وأردد امامهم بابا سياسى ومش حرامى وعايز يحرر البلد .
هل كان يخطط والدك أو يتمنى ان يصبح رئيسا لمصر حينها؟
والدى لم يكن يفكر أبدا فى أى مناصب ولم يخطط لهذا الهدف وكانت حياته كفاح ونضال فى حب تحرير مصر, وكانت حياته بعيدة عن هذا الهدف تماما, ولم نلحظ عليه اى تطلعات لمنصب الرئيس, وتأكيدا على ذلك, والدى كان من أعضاء مجلس قيادة الثورة واستقال من منصبه فى آواخر 1953بسبب تصارع البعض على المناصب, وعندما وجد الرئيس عبدالناصر ان والدى اصر على الاستقاله من مجلس قيادة الثورة وافق على طلبه وكلفه بإنشاء جريدة الجمهورية فى 23/12/1953, وكنت أزوره فى الجريدة بعد انتهاء المدرسة, وكنت أشاهد كبار الكتاب ورئيس التحرير إسماعيل الحبروك والفنانه ليلى مراد عندما كانت تعرض عليه مشكلتها, وتعرف على الامير فيصل فى الحج عام 1954 وكان بصحبة الرئيس جمال عبدالناصر, وبعدها تولى منصب رئاسة المؤتمر الاسلامى .
حدثينى عن علاقة والدك السادات بالرئيس جمال عبدالناصر؟
بابا والرئيس جمال عبدالناصر, كانا صديقين مقربين بحكم الزمالة كضباط فى الجيش, كما أنهم جيران فى منطقة كوبرى القبة, وكانت العلاقة وطيدة به، وبزملائه أيضا فى تنظيم الضباط الأحرار بالجيش, وكان والدى قد طلب من عبدالناصر الانتقال للخدمة فى رفح بحجة أنه يعول عائلتين، وكان من يخدم فى رفح يحصل على علاوتين كحافز خدمة بالميدان، ولكن بابا كان هدفه الاساسى الابتعاد عن مطاردات البوليس السياسى فى ذلك الوقت, وكان بابا يرسل لنا الخطابات على عنوان عمى جمال عبدالناصر وكان بدوره يقوم بتوصيلها لنا، ونحن نرد على خطاباته بارسالها له عن طريق عمى جمال ايضا والعلاقة استمرت طوال سنوات من الزمالة حتى تولى الرئيس جمال عبدالناصر منصب رئيس الجمهورية ثم قيامه بتعيين والدى نائبا اول له حتى وفاة عبدالناصر الى ان تولى بعده منصب رئيس الجمهورية.
هل كان والدك يتابع شئون حياتكم اليومية اثناء عمله برفح؟-
بابا كان يتابع شئون حياتنا يوم بيوم وكنت اقوم بالرد على خطاباته بنفسى وكنت اذكر له فيها كافة التفاصيل الحياتية الخاصة بنا, لدرجة ان والدتى كانت تقول لاخواتى اننى ابلغ بابا باى شىء يحدث فى البيت وكنت رقيبة عليهم، ولقبونى بلقب " بتاعة بابا" .
أحد خطابات والدك تحمل عبارات توبيخ لك بسبب سوء خطك؟
كان والدى لديه خفة ظل، وفى أحد الخطابات كان خطى سيىء, فقال لى خطك مثل نكش الفراخ ونهرنى, وهى مداعبات بالطبع، وهناك خطابات أحتفظ بها بها عبارات شتائم لى بالهزار والمداعبة, وهذا طبعه، كان دائما بشوشا ويحول أى موقف صعب الى فكاهة .
هل كان يحكى لكم عن ظروف عمله فى رفح أو لمستم الإعداد للثورة؟
من خلال خطاباتنا المتبادلة، الأمر كله يتعلق بحياتنا الشخصية فقط, ووالدى كان حاسما فى عدم الحديث عن اسرار عمله ولم نكن نعلم اى شىء عن التحضير لقيام الثورة وممنوع بالنسبة لنا التحدث فى أى أمور تتعلق بعمله تماما, واذكر انه كان وعدنا فى احد خطاباته أنه عندما ينزل للقاهرة هيفسحنا بعربية عمو جمال عبدالناصر, وكان واعدنا أيضا باننا سنذهب للتصييف معه فى رفح, ولكنه فى آخر خطاب له قبل قيام الثورة قال لنا معلشى يا بنتى مش هاقدر اسفركم للتصييف السنة دى لارتباطات عمل ولم يذكر لنا اى تفاصيل إلى أن قامت ثورة 23يوليو1952 بعدها.
بعد نجاح الثورة وخلال فترة حرب الاستنزاف كيف كانت الحياة بالنسبة لكم؟
والدى كان متواجد بيننا وكنا نقيم فى منطقة المنيل ثم انتقل الى الاقامة فى الهرم مع طنط جيهان زوجته الثانية, وكان والدى النائب الأول للرئيس عبدالناصر, وكانت مشغولياته كثيرة,
بعد زواج والدك من السيدة جيهان هل كان يزوركم فى البيت ويتابع شئونكم؟
كنا نحن متزوجين, ولكنه كان يتابع اخبارنا باستمرار من خلال الاتصالات رغم مشاغله وأعباء عمله كرئيس للدولة, وكنا نزوره أنا وإخوتى فى بيته عند طنط جيهان .
أنا اقصد فى بداية زواجه من السيدة جيهان؟
والدى كانت لديه الإنسانيات عالية, و استأذن اشقائها الستة ان تقيم والدتى معنا بعد انفصاله عنها, ووافقوا على ذلك لترعى شئوننا, وكان يزورنا فى بيتنا, وهو يعتبر نفسه مسئولا عنها, قام والدى بعمل معاش لها قبل استشهاده بأسبوعين وقال لها انت ستعيشى بعدى عمر طويل، وبالفعل عاشت والدتى الى أن توفيت عام 2010.
حدثينى عن قصة زواجك كأول فرحة لأبنة الرئيس السادات الكبرى؟
أقيم فرحى فى نادى الضباط بالزمالك وكانت حفلة رائعة غنى فيها عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة فى حضور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذى شهد على عقد زاجى وبحضور أعضاء مجلس قيادة الثورة والشيخ الباقورى, وخلال الفرح أهدانى الرئيس عبدالناصر "طقم شاى من الفضة" أحتفظ به منذ عام 1958 حتى اليوم.
والدك قدم استقالته للرئيس عبدالناصر فما السبب؟
بسبب الضغوط فى العمل, حدثت بعض الخلافات بين والدى والرئيس عبدالناصر, وقام على اثرها بتقديم استقالته واصر عليها, وجمع والدى كل اغراضه الشخصية وقام بالانتقال الى بلدتنا ميت ابو الكوم, واثر الابتعاد عن الحكم .
وكيف كان موقف الرئيس عبد الناصر ورد فعله من الاستقالة؟
ذهب الرئيس عبدالناصر إلى والدى فى ميت أبو الكوم 3 مرات لإقناعه بالرجوع عن الاستقاله, لانه كان يرفض قبول الاستقالة منذ البداية, ثم ارسل له الشيخ جابر الصباح ليقنعه بالرجوع عنها, ولكن والدى كان مصرا على الاستقاله, وعندها قال الرئيس جمال عبدالناصر لوالدى انا سأوافق على قبول الاستقالة بشرط ان تحضر معى اجتماع القمة العربية, وبالفعل عاد والدى لحضور اجتماع القمة العربية, ولكن مرض الرئيس عبدالناصر وتوفى حينها, ووالدى بصفته نائب أول للرئيس تولى مقاليد الحكم وتعرض لمضايقات من بعض اعضاء مجلس قيادة الثورة لتصارعهم على المناصب ولكن شاءت ارادة الله ان ينجح فى مهمته وأن يبنى القوات المسلحة ويخطط لحرب تحرير الارض وبعدها قامت حرب اكتوبر المجيدة فى 6 اكتوبر1973 وانتصر جيشنا الوطنى وهزم اسطورة الاسرائيليين .
ما الذى تغير فى حياتكم بعد تولى والدك رئاسة الجمهورية؟
كانت حياتنا عادية ولم تكن لدينا اى حراسة, أو مواكب, ولكن فى آخر سنتين من حكمه أمر بتعيين حراسة لتأميننا بسبب نشاط وتهديدات جماعات الاخوان المسلمين فى تلك الفترة, وفى النهاية لم يسلم منهم واستشهد على ايديهم .
والدك كانت له عدة مؤلفات وحصل على جائزة نوبل للسلام فهل استفدتم من قيمتهم المالية؟
لم نستفد باى شىء من عوائد بيع الكتب أو قيمة جائزة نوبل، وكل تلك العوائد قام والدى بإنفاقها على بلدته ميت أبو الكوم, ولك ان تتخيل ان الكهرباء بالطاقة الشمسية دخلت فى ميت أبو الكوم عام 1980 وقبل القاهرة, لأنه كان يحب بلده ويسعى لراحة الفلاحين, لأنه كان يعتبر أن بلده هى سبب وجوده، وكان يحب الوفاء وربانا على قيمة الوفاء .
هل كنتم تلتقون والدك فى فترة انشغاله بالتحضير لحرب اكتوبر 1973؟
بسبب انشغالاته وضيق الوقت، كان يتنقل ما بين برج العرب وحديقة الفرسان بالاسماعيلية واستراحته فى الهرم وأسوان, وتنقلاته لم نكن نعرف كواليسها, ولم نكن نراه ولكن كان يسأل علينا بالتليفون, ولم نكن نعرف انه يخطط لحرب أكتوبر, ووالدى بصفته ضابط اشاره هو الذى اقتنع بإدخال لغة النوبيين كوسيلة ضمن خطة الخداع الاستراتيجى, وهذا ما تناوله العديد من المحللين الاستراتيجيين والسياسيين الذين تحدثوا عن ذكاء السادات ومكره ودهائه فى الإعداد للحرب,
هل كانت هناك طقوس معينة يمارسها الرئيس السادات قبل حرب اكتوبر؟
عندما كنت ازور بابا فى استراحته فى القناطر الخيرية, كان مشغولاً دائما ولم اكن أسأله عن مشغولياته فى امور شئون الدولة, ولكن كان يشاهد الافلام التى تعرض الاسلحة الحديثة, وفهمت فيما بعد ان تلك الافلام تستعرض الجديد فى عالم الاسلحة من الدبابات والغواصات المائية والطائرات وغيرها, وأن الهدف منها كما استنتجته دون أن أسأله عنها ان متابعته لكل ما هو جديد لانشغاله فى التحضير للحرب .
هل دار بينكم حوار قبل زيارة الرئيس للكنيست الاسرائيلى؟
بالفعل اتصلت به وقلت له: يابابا, صحيح هتسافر اسرائيل وكنت خائفة عليه ومنزعجه, فقال لى نعم ساسافر إلى إسرائيل, فقلت له لماذا هتسافر؟ فقال لى يا بنتى انا هسافر عشان السلام, وكمان علشان احافظ على ولادى بالجيش، ومش عايز ولادهم يتيتموا, يا بنتى انا عاوز احافظ على الاولاد والاحفاد والسلام مهم للبناء, وكمان قال لى: انا كنت اتفقت مع عمك الملك فيصل اللى يروح مننا اسرائيل الاول يصلى للثانى هناك.
ما شعوركم عندما سافر الرئيس السادات الى اسرائيل؟
كنا فى حالة رعب، ولكن عندما شاهدناه على التليفزيون واستقباله بحفاوة من الاعداء, شعرنا بالفخر مما شاهدناه, وهذا يدل على اعتراف الاسرائيليين بقوة السادات وقدرته على النصر عليهم, ولو استمع العرب لما عرضه والدى عليهم فى ذلك الوقت كانت معظم الأراضى العربية محررة الان, وادرك العرب حاليا ان مواقف السادات صائبة والأحداث الحالية التى تعيشها الأمه العربية تؤكد ان السادات كان على حق ولديه ذكاء شديد فى قراءة الاحداث وتقييمها, كما أنه كان سابقاً لعصره وكان يخطط لأمته على المدى البعيد.
حدثينى عن السيارة الهدية التى قدمها الأمير عبدالله الفيصل لشقيقك جمال السادات بمناسبة زواجه؟
فى فرح زواج أخى جمال السادات, وفى ليلة الحنة تحديدا وأمام المعازيم جاء الينا السفير السعودى بالبيت وطلب مقابلة بابا, ولم يكن بينهم موعد مسبق, فارسل له عمو فوزى لمقابلته فابلغه أن الأمير عبدالله الفيصل ارسل سيارة هدية الى جمال, فقال لهم بابا. اشكروه، واصدر مرسوما رئاسيا بان تؤول السيارة الهدية الى الرئاسة, والحقيقة تم اهداء سيارتين اخرتين لوالدى عندما تم افتتاح توكيل أحد أشهر ماركات السيارات العالمية فى مصر المملوك لأحد الضباط الطيارين حينها, ولكنه لم يسمح باستخدام السيارة الاولى لاسرتنا والاخرى لطنط جيهان ولكن كان قراره باصدار مرسوم رئاسى بأن تؤول السيارتان للرئاسة.
من كان من المقربين لوالدك من الزعماء العرب ولديه معهم علاقات اجتماعية؟
والدى لم تكن لديه وقت للاجتماعيات بسبب الانشغال الدائم بعد الخروج من حرب اكتوبر دخل مباشرة فى مفاوضات السلام ولكن أذكر أن علاقاته كانت قوية ومن أصدقائه الشيخ زايد والملك فيصل وشاه ايران وعبدالله مبارك الصباح كانوا أصدقاء له منذ أيام المؤتمر الإسلامى .
هل كان يتحدث عن الموت أو له وصيه بالدفن فى مكان ما؟
والدى تمنى الاستشهاد اثناء دفن عمى عاطف السادات الذى استشهد اثناء حرب اكتوبر 73 واثناء دفنه قال" ياريت أنا أبقى شهيد "وذلك عندما شاهدنا نرتدى الملابس السوداء, فقال: ليه لابسين اسود المفروض تلبسوا الابيض لانه شهيد , وفى احدى المرات تحدثت معه عند بناء المقبرة الخاصة بنا بميت ابو الكوم والتى دفن بها عمى عاطف, فقلت له هذه المقبرة خاصة بالعائلة فى ميت ابو الكوم, فقال لى يا بنتى انا عاوز ادفن فى وادى الراحة بسيناء، وبنى له مقبرة هناك , لانه كان يحب هذا المكان ويحرص على الاعتكاف فيه فى العشر الاواخر من شهر رمضان من كل عام, ويعتبره من الاماكن المقدسة, ولكن بعد حادث الاغتيال أفتى شيخ الازهر بان الشهيد يدفن فى مكان الاغتيال وتم دفنه فى الموقع الحالى بجوار النصب التذكارى
هل تتذكرين آخر لقاء أو اتصال بينك وبين الرئيس السادات قبل حادث الاغتيال؟
كان آخر اتصال بيننا يوم 5 أكتوبر 1973 قبل الاغتيال بيوم واحد, وتحديدا فى الساعة السادسة مساء كانت هناك مشكلة عائلية فتحدثت معه فقال لى سأرسل لك عمك فوزى لحل المشكله يا راكا يا بنتى علشان مش فاضى, فقلت له يا بابا خليها بعدين انا وعدت اخويا جمال نؤجل حل المشكلة لما يرجع من أمريكا, فقال لى طيب يا راكا يا بنتى خلينا نتقابل بكره بعد العرض العسكرى ونروح نقرا الفاتحة على روح عمك عاطف وبعدها نسافر وادى الراحة فى سيناء, وكان داخل علينا العيد, فقلت له يا بابا ازاى اسافر معاك واسيب ولادى واحنا داخل علينا العيد, فقال لى يا بنتى هم ولادك أغلى عندك منى, فقلت له لا يابابا,, وكان هذا اخر حوار بيننا.
خلال اتصالك به ما الوصيه التى طلبها منك؟
بالنسبة لوصيته اثناء الاتصال طلب منى ان اقوم بتسجيل العرض العسكرى,, فقلت له ليه تطلب منى أن أسجل العرض, لأنه لأول مرة يطلب منى ذلك، فقال لى لانك هتشوفى مفاجآت .
علمت ان أحد احفاده كان من المتواجدين بالمنصة يوم الاغتيال؟
بالفعل كان إبنى أشرف متواجدا فى المنصة وشاهد جده لحظة اغتياله فحصلت له صدمة نفسية ولم يحتمل المشهد المؤلم, وبعدها قرر السفر والإقامة بالخارج فى لندن، ورفض العيش فى مصر بسبب ذلك الحادث الاليم والمؤلم لنا جميعا, وهو يعيش هناك منذ 35 عاما ويأتى لزيارتى سنويا ويحمل الجنسية الانجليزية, وهذا الحادث كان سببا فى تغيير مجرى حياته وحياة الأسرة، وابنى الاخر يعيش فى أمريكا ويعمل هناك بينما تعيش معى بالقاهرة ابنتى الوحيدة سهى.
ماذا ترك لكم الرئيس السادات بعد رحيله؟
ترك لنا العزة والكرامة والشموخ والمجد والبطولة, ومهما قلت لن أستطيع ان أوفيه حقه, وأؤكد أن الكثيرين تصنعهم المناصب, ولكن السادات هو من صنع المنصب.
وما الذى تركه لكم من ثروته المادية؟
بابا عندما استشهد كان مدينا بمبلغ ألف جنيه للبنك الأهلى، كان واخدهم سلفة, و كان عايش بمرتبه فقط, لم يترك لنا سوى بيت العائلة بميت ابو الكوم والذى اشترى معظم أرضه من أخوالى قيراط أرض ورا قيراط, حتى وصلت مساحته إلى 8 افدنة, ولما بابا جت له ذبحة صدرية مرتين فى عامى 1961 و1967 فى بيته بالهرم, خاف على نفسه وخاف على اخواتى أولاد طنط جيهان لانهم كانو صغيرين وقال مش هتحاسب بيهم, واحنا الثلاثة من والدتى إقبال كنا كلنا متجوزين, فكتب الـ 3 فدادين التى اشتراها من أخوالى فى البلد و قال إنه يكتب الارض والمضيفة لطنط جيهان واخويا جمال، للإنفاق منها على اخواتى الولاد الصغيرين. وقال وكلكم تاخدوا نصيبكم من الأرض بما فيكم أمكم، هذا كان عام 1966، وكنت حينها راجعة من انجلترا وحامل فى بنتى سهى, هذه انسانيات السادات الذى قال لى : والدتكم ليها حق فى الارث زيكم, وهذا سمو فى الإخلاق وأعتبره درس أخلاقى لكل شخص يطلق زوجته, يجب عليه ان يحافظ على أم أولاده وان تكون العلاقة مبنية على المودة وصون العشرة، وليس كما يحدث من البعض فى المجتمع من عداوة وتصعيد أمام المحاكم الشخصية , والدى كان عنده بعد نظر حتى فى علاقته مع أسرته بان يمنح لكل ذى حق حقه.
فكيف تعيشين أنت وشقيقاتك الأخريات؟
أعيش وأسكن فى شقتى الحالية بالإيجار القديم منذ عام 1976, أى منذ اكثر من 40 سنة, وكذلك تسكن أختى راوية فى شقة ايجار قديم بحى جاردن سيتى, وأختى كاميليا تسكن فى حى المعادى فى شقة إيجار قديم أيضا, وعلمت أن هناك قانون جديد يجرى إعداده فى مجلس النواب, أتمنى من المشرعين أن يحافظوا على كرامتنا فى القانون الجديد ولا يطردوا سكان الإيجار القديم من شققهم.
هل أنت قلقة من أن يتم زيادة الايجار؟
ممكن يغلوا الإيجار شوية، لكن ياريت لا يطردونا من الشقة، لأنى عايشه فيها ومستقرة من أكثر من 40 سنة ولا أستطيع دفع الآف الجنيهات كإيجار لو مشونا من الشقة.
هذا بالنسبة للسكن.. فماذا عن مصروفات المعيشة؟
انا أحصل على جزء من معاش بابا الله يرحمه, لأن المعاش يُتقسم علينا نحن الأربعة أنا وشقيقتاى راوية وكاميليا بالإضافة إلى طنط جيهان, جزء منه أدفعه لإيجار الشقة، والباقى لمصروف البيت.
وهل الجزء الذى تحصلين عليه من معاش والدك يكفى لمتطلباتك المعيشية أم أن أبنائك يساعدونك؟
أنا لا أقبل المساعدة من أحد حتى من أولادى, وأقوم بتدبير أمورى الحياتيه فى إطار هذا المعاش من والدى, ولست مديونة ولا أمد يدى لأحد, وهذا منتهى الغنى, والدى السادات ربانى منذ أن كنت طفلة، وكان ينادينى بلقب " هانم ركا بنتى", لدرجة إن البعض كان يظن أن إسمى "هانم" وليس "رقية", ونشأت على العزة والكرامة، وأعلم أن الإرث المادى يزول, أما الإرث التاريخى فيعيش إلى الأبد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تذبذب المناخ وارتفاع الرطوبة من أسباب الارتباك الفسيولوجى
3 أهداف وراء التوسع فى الجامعات الأهلية.. وفتح ملف المعاهد المتوسطة بتعليمات عليا
لا أخشى المنافسة.. وأسعى إلى التطور والتنوع سعيد بالمشاركة مع النجوم الشباب
دورى فى «أب ولكن» جرىء