أول طبيبة من الصم: أسعد لحظات حياتى عندما سمعت زغرودة فى فرح بنتي

الظروف صعبة، ربما، لكن أمامها دائما تقف نماذج من البشر، لا يستسلمون للواقع ولا للظروف، لا ينتظرون نظرة شفقة أو مصمصة شفاه، لأن لديهم حلما مشوا وراءه فأصبحوا شخصيات

الظروف صعبة، ربما، لكن أمامها دائما تقف نماذج من البشر، لا يستسلمون للواقع ولا للظروف، لا ينتظرون نظرة شفقة أو مصمصة شفاه، لأن لديهم حلما مشوا وراءه فأصبحوا شخصيات من فولاذ، مثل الدكتورة فادية عبد الجواد. هل تعرفها؟.

الدكتورة «فادية عبد الجواد» واحدة من هذه الشخصيات الموجودة بيننا، تعمل استشارى الأمراض الجلدية والتجميل، كان عندها حلم منذ طفولتها بأن تصبح "طبيبة" واستيقظت فى يوم وهى فى الصف السادس الابتدائى على كابوس، هى لا تسمع العالم من حولها، فقدت حاسة السمع تماما.

قالت لنا: كنت طفلة متفوقة جدا فى دراستى، نجمة مدرستى فى الإذاعة المدرسية والأنشطة، إلى أن أصيبت يوم 23 مارس سنة 1973 بمرض "الحمى الشوكية " على إثره دخلت فى غيبوبة لمدة أسبوعين، كانت كل حواسى مهددة بالفقدان، وبعد أن أفقت من الغيبوبة وجدت أهلى بجوارى شفاههم تتحرك وعلامات السعادة مرسومة على وجوههم، لكنى لا أسمع شيئا، فى البداية شعرت أنها مزحة منهم، لكن فوجئت بوالدى يحضر لى ورقة وكتب فيها " أنت كان عندك حمى شوكية وفقدت حاسة السمع" لم أصرخ وأبكى ولكنى طلبت كتاب سلاح التلميذ لكى أذاكر ما فاتنى خاصة أن امتحان الشهادة الابتدائية كان على الأبواب، ورفض والدى والأطباء إرهاقى ببذل أى مجهود، خاصة أن حاسة البصر وبقية الحواس الأخرى كانت مهددة هى الأخرى بالفقدان، ولكنى رفضت وصممت على تعويض ما فاتنى، وأمام تصميمى أحضروا لى الكتب، وفشل والدى فى إقناع لجان الامتحان بعقد لجنة خاصة لى فى المستشفى رغم كل الشهادات التى قدمها، وخرجت من المستشفى للمدرسة وأديت امتحان الشهادة الابتدائية وحصلت على مجموع95% وكانت النسبة التى فقدتها بسبب مادة الإملاء، حيث لم أستطع سماع المعلمة وهى تملى علينا قطعة الإملاء، لكنها عندما علمت بظروفى عرضت على أن أنقل الإملاء، ولكنى رفضت لأننى متفوقة وأرى من المهانة أن أغش لأننى تربيت على مبدأ الحديث الشريف"من غشنا فليس منا".

 تواصل د. فادية : كان عندى مشكلة أخرى وهى أن الحمى الشوكية أثرت على بعض مراكز الأعصاب، مما أثر على اتزان الجسم، إذ كنت لا أستطيع السير، أو الحركة بدون أن يسندنى أحد، ثم قررت أن أذهب للمرحلة الإعدادية دون الاستعانة بأحد، لذا قمت بتدريب نفسى لمدة أسبوعين على المشى وحدى داخل حجرتى، بعد هذه المدة فوجئ أهلى بأننى قادرة على الاعتماد على نفسى بدون مساعدة، لكن والدى كان قد عقد العزم على إلحاقى بمدرسة متخصصة تناسب حالتى وهى مدارس "الصم"، ولكن بعض المدرسين نصحوه بدمجى بين زملائى الأسوياء، لأن ذلك من شأنه تحسين حالتى المزاجية ومن ثم الاندماج بينهم خاصة وأننى كنت من المتفوقات، فقررت أن أتقن لغة "الشفاه"، وبدأت أراقب حركة شفاه كل من حولى، وأشاهد أفلاما كثيرة، وتغلبت على هذه المشكلة فى الدراسة ماعدا طبعا اللغتين الإنجليزية والفرنسية لأن كل المحيطين بى من زملاء وأصدقاء يتحدثون باللغة العربية فقط، لكن إخوتى ساعدونى على التغلب على هذه العقبة، لا أخفى أن شعورى بالاغتراب عن العالم بل عن نفسى قد أصابنى لفترة طويلة بالاكتئاب، إذ كنت أبكى بين نفسى، خاصة أننى كنت طفلة متألقة مقبلة على الحياة وكنت أمارس رياضة "الجمباز"، وأسمع الأغانى، لكن كان عندى شعور بأن الله ما أخذ إلا ليعطى، نجحت فى الثانوية العامة بمجموع 97% والتحقت بكلية الطب جامعة عين شمس، وهو كان حلم حياتى، فى الجامعة كان عندى ثقة شديدة فى نفسى بأننى لست أقل من أحد، بل تملكنى شعور بأننى متميزة عن الآخرين، ألغيت من قاموس حياتى كلمة "معاقة" التى تدعو للإحباط، وتأقلمت مع المحيطين بى، وكانت كل محاضرة وكل سكشن فى كلية الطب بمثابة تحد، وكنت أقول لنفسى أنا لست أقل من "طه حسين" أو "هيلين كيلر" الأديبة العالمية التى فقدت كل الحواس، وكانت أسرتى تدعمنى بكل طاقتها، ولم يتعاملوا معى بمنطق الشفقة أو العطف، فى هذه المرحلة من الجامعة كان والدى يلبى لى كل احتياجاتى من الكتب، وكنت لا أعتمد على كتب الأساتذة فى الكلية فقط ولكن كنت أقرأ كل كتب الطب، وأدخل المشرحة أتابع ما يحدث، وكنت أصل الليل بالنهار، خاصة أن المحاضرات كانت كلها باللغة الإنجليزية لذا لم أستفد منها شيئا، وكان اعتمادى على نفسى بدرجة مائة بالمائة، وكانت مشكلتى فى امتحان الشفوى ليس فى الإجابة ولكن فى فهم السؤال، حيث ظهر بعض التعنت من بعض الأساتذة كونهم مطالبين بكتابة السؤال على ورقة حتى يتسنى لى الإجابة عليه، فى أثناء دراستى تزوجت من مهندس فى الطيران المدنى، وبعدها تخرجت فى كلية الطب وأنا أم وزوجة، وبعد مرحلة الامتياز عملت استشارى أمراض جلدية وتجميل فى مستشفى "الدمرداش" وسافرت فى عدة مهام علمية للدول العربية والإفريقية، وعندما عدت إلى مصر فضلت العمل فى عيادتى الخاصة، ولم أجد صعوبة فى التعامل مع المرضى سواء فى مصر أو خارجها عن طريق حركة الشفاه لأننى كنت أنوى التخصص فى أمراض النساء والتوليد، ولكن ظروفى أجبرتنى على التخصص فى مجال طب الأمراض الجلدية والتجميل لأن فحص المرضى لا يحتاج إلى سماعة، ولكن يعتمد على اللمس والعدسة، فى هذه الفترة فكرت فى عملية زرع قوقعة بعد 33 سنة من الصمم، والسبب فى هذا القرار ابنتى جهاد التى بدأت تعد لحفل عرسها، هى التى قالت لى لابد أن تسمعى الزغاريد والتهليل لى فى الفرح،  وبعد إلحاح منها على حتمية زرع قوقعة وافقت، وكان أجمل يوم فى حياتى عندما أفقت على صوتها وهى تغنى لى "من الحلم ده ما تصحنيش"، وهى اللحظة التى توقف عندها الزمن فى حياتى، تلك اللحظة التى اخترق قلبى صوت ابنتى فلذة كبدى وكيانى، ساعتها لم أصدق نفسى وأنا أسمع صوت ابنتى، حيث اهتزت كل ذرة فى جسدى، وتمنيت فعلا ألا أستيقظ من هذا الحلم ، لأننى لم أستعد "السمع" فقط ولكنى استعدت الحياة أيضا ، وفى سنة 2014 أكرمنى الله بزرع قوقعة فى الأذن الثانية بعد 44 سنة من "الصمم" خرجت من هذه العملية وقد استعدت الحياة بالكامل خرجت من عالم الصمت الكئيب إلى عالم الضوضاء المبهج والممتع، خرجت لأقول لكل أم وكل أب لو عندك طفل من أصحاب القدرات الخاصة، لا تشعره بأنه لا يوجد مستحيل"....الآن قامت د. فادية بتأسيس جمعية "السمع حياة فلنحيا" لمساعدة فاقدى حاسة السمع، وزارعى القوقعة وضعاف السمع، وأطلقت حملة للقضاء على "الصمم" فى مصر تتمنى أن تكون حملة قومية مثل حملة "فيروس سى".


تم تكريم د.فادية عبد الجواد فى اليوم العالمى للمرأة، حيث كانت ممثلة لمصر فى هذا المحفل الكبير، وتم تكريمها من مجلس الأمة الكويتى الذى جلست على منصته كما قالت لى، كما كرمت من صالون الراحل الكبير فاروق شوشة، ومن الدكتورة غادة والى وزير الشئون الاجتماعية، ومع كل هذا  النجاح ترى أنها لم تحقق باقى أحلامها من التدريس بالجامعة ومواصلة الأبحاث  العلمية فى مجال طب الأمراض الجلدية والتجميل... يذكر أنه تم عمل فيلم تسجيلى عن حياة د.فادية كان عبارة عن مشروع تخرج لطلبة كلية الإعلام بعنوان "اتكلم"، وفادية التى تقترب من "الستين" حاليا وهو سن المعاش كما يسمونه وينتظره الكثيرون للراحة، مازالت تحلم فهى فى حلم طويل تستيقظ منه لتحقق ما حلمت به ثم تواصل حلمها "م الحلم ده ما تصحنيش" عندما استيقظت من عزلتها على صوت ابنتها.


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

يحيى حمزة: عايشت أحداث «المصيدة» ورصدت ظاهرة النصب الالكترونى

في موسم رمضاني تتزاحم فيه الأعمال بحثاً عن لفت الانتباه يطل مسلسل «المصيدة» باعتباره مشروعاً درامياً يراهن على ملف معاصر...

حنان مطاوع: أنا وقعت فى «المصيدة»

دائماً ما يمثل شهر رمضان مناسبة جيدة لظهورها، وكأنها تنتظره كل عام لتظهر لنا تألقها وتميزها الشديد، وتواصل هذا العام...

استيراد الدواجن المجمدة يعيد الاستقرار للأسواق ويخفض الأسعار

أكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية أن أسعار الدواجن من المتوقع انخفاضها خلال الأسبوع الأول...