البعثات الرياضية المصرية.. الطريق السهل للهجرة غير الشرعية (2)

سماسرة السفر والتجنيس يهددون مستقبل المنتخبات الوطنية بلاغات للنيابة العامة.. وتسجيلات كارثية على مكتب الوزير محمد إيهاب: لائحة المكافأت ظالمة وزارة الرياضة ترحب باقتراح «الإذاعة والتليفزيون».. ولكن!! مدير اتحاد المصارعة يتفاوض على خطوات التهريب على «المقهى» تحرك برلمانى لإيقاف النزيف كرم جابر: تستيف الفواتير يهدر أموال الأبطال الونش أشهر الهاربين: هذا هو سر الهروب منيع بطل المصارعة: أرجوكم.. أنقذونا بهذا المقترح

فى كل موسم رياضى.. يهرب بطل..

وفى كل عام.. تتواصل الوقائع والأزمات..

ولا يزال البحث جاريا عن الأسباب والحلول..

لكن البعثات الرياضية المصرية أصبحت محط الأنظار.. ليس بسبب الانتصار أو رفع علم البلاد أو الصعود للتتويج على المنصات، بل بسبب تكرار حالات هروب الرياضيين، للدرجة التى أصبحت معها تلك البعثات منافذا مهما وسهلا ويسيرا للهجرة غير الشرعية.

فى الحلقة الماضية فتحنا الملف الشائك.. واقترحنا حلا يبدو مقنعا للأبطال.. لكن السؤال الذى يفرض نفسه: لماذا تتكرر حوادث الهروب فى ألعاب بعينها.. وما رأى الأبطال.. وما كواليس الهروب وصفات التهريب؟!

بعد نشر الحلقة السابقة، فوجئنا باتصال هاتفى من عبدالرحمن حرب، وهو طبيب مصري، مارس لعبة المصارعة، ومهتم بشئونها، وأراد الحديث عن أسباب تكرار هروب اللاعبين فى اتحاد المصارعة على وجه الخصوص، مؤكدا أن سماسرة التهريب هم "كلمة السر".. وأن الأمر تحول لمصدر دخل مالى لبعض الأشخاص.. وبعد بضعة أيام انتشر فيديو خاص بعبدالرحمن أثناء حديثه مع مدير اتحاد المصارعة على أحد مقاهى القاهرة، وتطرق الحديث "المسجل" بالفيديو إلى رغبة عبدالرحمن حرب فى الحصول على تأشيرة دخول لأى دولة أوروبية، وبدأ فى التفاوض والحديث مع مدير اتحاد المصارعة الذى أكد له قدرته على ضم اسمه للقرار الوزارى الصادر من وزارة الرياضة بشأن سفر بعثة المصارعة فى أى بطولة منتظرة.. وبدأ فى استعراض البطولات المقبلة فى المصارعة المقرر إقامتها فى أى دولة أوروبية.

بينما طالب محمد مصطفى لاعب ومدرب المصارعة السابق وزير الشباب والرياضة بفتح تحقيق عاجل بشأن هذا الفيديو، ووقائع أخرى، وبالفعل تم إرسال تلك الفيديوهات لوزير الرياضة.

وقد تقدم عبدالرحمن حرب ببلاغات رسمية للنيابة العامة ضد مجلس إدارة اتحاد المصارعة والمدير التنفيذي، اتهم فيها الاتحاد الحالى بارتكاب مخالفات مالية وإدارية جسيمة.

هنا أصبح جوهر نبيل، وزير الرياضة، مطالبا أكثر من أى وقت مضى بفتح تحقيق جاد فى هذا الملف، خاصة أن تلك الوقائع تتزايد يوما بعد آخر.. والواقع يشير إلى أن عددا كبيرا من سماسرة السفر والتجنيس أصبحوا على تواصل مباشر مع عدد غير قليل من الأبطال الرياضيين، فهناك من يسعى لتجنيس بعض الأبطال فى الألعاب الفردية، وهناك من يحاول استغلال البعثات الرياضية المصرية الرسمية فى الهروب لأوروبا وأمريكا.. بما يهدد مستقبل المنتخبات الوطنية.. ويضرب الثقة فى عمل بعض الاتحادات التى ارتبط اسمها مؤخرا بعمليات الهروب للخارج مثل اتحاد المصارعة الذى يعد مثالا صارخا فى هذا السلوك.

وقائع الهروب تعيد إلى الأذهان تلك الواقعة التاريخية المخجلة التى شهدتها مصر فى ٢٠١٦، عندما هرب عدد من الشباب المصريين إلى أوروبا بأوراق لاعبين مكفوفين، وهي القضية الكبرى التى فجرتها مجلة الإذاعة والتليفزيون، وتسببت فى حبس العديد من الأشخاص وهروب آخرين من العمل.. لكن سماسرة التهريب لم يتوقفوا عن العمل.. ويبدو أن المسلسل له حلقات وأجزاء أخرى.

ومع هروب لاعبى المصارعة مؤخرا.. تحرك عدد من الأعضاء بمجلس النواب والشيوخ مطالبين وزير الشباب والرياضة بحلول جذرية فى هذا الملف.. حيث تقدمت مها عبدالناصر عضو مجلس النواب بسؤال للحكومة عن أسباب ظاهرة هروب الأبطال، وتكرار المشهد فى بعض الألعاب الفردية، خاصة أن تلك الظاهرة قد بدأت منذ سنوات من دون حلول حقيقية. وأشارت النائبة إلى أن أهم أسباب تلك الظاهرة ضعف الدعم المالى المقدم للأبطال والموهوبين والأزمات المعيشية والعلاج والتأمين وعدم ضمان المستقبل.

بينما وصف باسل عادل عضو مجلس الشيوخ تلك الظاهرة بالفيلم المتكرر، مؤكدا أن هروب اللاعبين لا يجب اعتباره واقعة فردية، بل هو مؤشر خطير لأزمة كبرى تستدعى التحقيق ووضع حلول جذرية، مشددا على أن مصر تمتلك المواهب والأبطال، لكنها تحتاج إلى منظومة تحافظ عليهم وتحفزهم، محذرا من خسارة أبطال حقيقيين بسبب ضعف الدعم المالى بما يؤثر على المنتخبات الوطنية فى المستقبل.

وطالب عادل بضرورة إعادة النظر فى رواتب لاعبى المصارعة وبعض الألعاب الشهيدة مثل الملاكمة ورفع الأثقال والجودو وزيادة المكافآت والحوافز بما يتناسب مع جهودهم وتضحياتهم.

وانتقد عادل تكرار الإجراءات المؤقتة عقب كل واقعة، مؤكدا على ضرورة تحسين ظروف هؤلاء الأبطال وتوفير منظومة احترافية تمنح اللاعبين الدافع للاستمرار وتمثيل مصر خاصة فى الألعاب الفردية التي تحقق إنجازات رغم محدودية الإمكانيات.

فى العدد الماضى.. اقترحت "الإذاعة والتليفزيون" فكرة للحفاظ على الأبطال فى الألعاب الفردية، بما يسهم فى التصدى لظاهرة الهروب، حيث اقترحت وضع برنامج حكومى رسمى لتعيين الأبطال والمواهب الفذة فى وظائف حكومية أو فى شركات كبرى، ولم تكن تلك الفكرة وليدة اللحظة أو التفكير العابر، إنما عبرت عن أحلام بعض الأبطال. ولاقت الفكرة استحسان الدكتور محمد الشاذلى، المتحدث الرسمى لوزارة الشباب والرياضة، الذى أشاد بالمقترح وأهميته وإمكانية تأثيره على نفوس الأبطال وقدرته على التصدى لمخططات الهروب.

وقال الشاذلى: "هذا اقترح رائع يجب العمل عليه.. ومن الضرورى إشراك الشركات الخاصة الكبرى فى هذا الملف"، مؤكدا أن وزارة الشباب والرياضة لن تدخر جهدا سواء فى ملف رعاية الأبطال أو تعيين بعضهم فى وظائف ثابته بمؤسسات خاصة، لكن التعيين بالحكومة يحتاج إلى تشريع وقرارات.. وأضاف الشاذلى اقترحا آخر بالمطالبة بوجود تسهيلات لأبطال الألعاب الفردية للحصول على شقق بمشروعات الإسكان الاجتماعى فى ظل تكرار الشكوى من أبطال كثر بعدم امتلاكهم شقة للزواج.. ومن ثم التفكير فى الابتعاد عن الرياضة أو الهروب للخارج.

من جانبه، أبدى بطل المصارعة عبداللطيف منيع، أحد أهم المصنفين فى اللعبة حاليا، سعادته بمقترح تعيين الأبطال فى مؤسسات أو شركات كبرى.. قائلا: "أرجوكم.. أنقذونا ونفذوا هذا المقترح".

وأضاف منيع فى تصريحات خاصة لـ"الإذاعة والتليفزيون": "كل لاعب شاب فى المصارعة والملاكمة والجودو ورفع الأثقال وألعاب القوى ينظر للمستقبل نظرة سوداء ويخشى من (بكرة)، وفى حالة حصول البطل الشاب على فرصة للتعيين فسوف يشعر باستقرار حقيقى ولن يفكر فى الهروب، ولن يفكر سوى فى النجاح وتحقيق البطولات والميداليات ورفع علم مصر فى المحافل الدولية".

وهذا نفسه ما طالب به بطل المصارعة محمد على جبر خامس أوليمبياد باريس ٢٠٢٤، والذي لا يزال يحلم بوظيفة ثابته حتى يشعر باستقرار أكبر.

محمد جبر يحلم بميدالية أوليمبية فى الدورة المقبلة، لكن شقيقه الأصغر مصطفى هاجر إلى أمريكا وترك لعبة المصارعة تماما، رغم مشاركته فى دورة الألعاب الأوليمبية السابقة.

وفى حالة حصول الأبطال الشباب على فرص بالتعيين فسوف يفكرون عشرات المرات قبل الإقدام فى الهروب للخارج.. ولذلك أصبح من الضرورى تحرك وزير الشباب والرياضة برفقة بعض كبار رجال الأعمال مثل نجيب ساويرس وهشام طلعت مصطفى ومحمد منصور ومحمد أبو العينين وغيرهم لاختيار أول مائة بطل مصرى شاب للتعيين فى تلك المؤسسات الكبرى التابعة لهم.

وربما تكون تلك الخطوة دافعا لشباب آخرين يبدأون مشوار الرياضة قريبا ويحلمون بتأمين المستقبل لتكون الملاعب الرياضية وسيلة لذلك، بدلا من أن تصبح وسيلة للهروب وتدمير مستقبل المنتخبات.

كرم جابر بطل المصارعة الشهير لم يتوقف عن الحديث بشأن كارتة هروب الأبطال، مؤكدا أن الاتحادات الرياضية هى السبب الأول، خاصة مع منح لاعب ما مليون جنيه لكنه يفاجأ بحصوله على ١٥٠ ألفا فقط، والسبب تستيف فواتير على حد وصفه.. وبالتالي لا يحصل البطل على الدعم المالى الكافى وهو ما يجبر بعض المواهب على الهروب أحيانا.

أما محمد إيهاب، بطل مصر فى رفع الأثقال والحاصل على فضية أوليمبياد ريو دى جانيرو ٢٠١٦، فيرى أن البطل الرياضى المصرى لا يجد الاهتمام المالى المطلوب، ولذلك يفكر البعض فى الهروب للعمل فى الخارج أو التجنيس فى دولة أخرى.

وانتقد إيهاب لائحة المكافآت الصادرة عن وزارة الشباب والرياضة التى تحرم اللاعب من الحصول على مكافأة الميدالية الثانية كاملة، بل يحصل على ٥٠٪ من قيمة الميدالية الثانية ولا يحصل على مكافأة للميدالية الثالثة فى بطولة واحدة.. وبالتالي فهي لائحة ظالمة لأى بطل مجتهد.

كما طالب كل الأبطال فى الألعاب المختلفة بإعفائهم من الضرائب على مكافآت البطولات والميداليات، وهو ما يحتاج لقرار حكومى أو تشريع من البرلمان.

تواصلنا مع إبراهيم غانم، الشهير بالونش، لاعب منتخب مصر السابق والذي يمثل منتخب فرنسا حاليا، ويعد من أشهر اللاعبين الهاربين للخارج، وسألناه عن سر الهروب وتكرار عدد من الموهوبين لما فعله منذ سنوات، فقال: "السر فى عدم الأمان.. اللاعب المصرى فى المصارعة وغيرها من الألعاب الشهيدة لا يشعر بالاستقرار ولا التقدير.. ويخشى على نفسه دائما من الإصابة، ويفكر باستمرار فى حاله وحال أسرته بعد اعتزال اللعبة".

ويضيف الونش: "كلما فکر البطل الشاب فى كل تلك النقاط يجد نفسه فى ورطة كبرى".

الواقع يشير إلى أن بعض سماسرة الهجرة غير الشرعية يحصلون على مقابل مادى يتعدى مليون جنيه للمساهمة فى هروب أحد الشباب لأوروبا، ولذلك يرى اللاعب الذى يفكر فى السفر للخارج أن الهروب عن طريق بعثة رياضية رسمية سيكون أسهل وأوفر من الناحية المالية.

وقائع الهروب تتكرر فى المصارعة والملاكمة ورفع الأثقال.. وكذلك الجودو.. ولذلك كان من المفاجئ هروب محمود العزازى فى ٢٠١٨ إلى أمريكا، مؤكدا وقتها أنه تعرض للظلم وعانى من ظروف صعبة، وعاش أزمة نفسية عنيفة، لذلك قرر الرحيل وتمثيل المنتخب الأمريكى بعد ذلك.. ورغم ذلك قال إنه لم يشعر بالسعادة أثناء تمثيل منتخب آخر غير منتخب بلاده مصر، لكنه كان مجبرا على الهروب لتأمين مستقبله.

ومؤخرا، هرب ثنائى الجودو يسري سامى وعمر محمود منذ بضعة أشهر فى فرنسا، من أجل المشاركة باسم دول أخرى.. وفى ٢٠٢٢ هرب عبدالرحمن الصيفى وجميعهم يبررون الهروب لعدم وجود الدعم المالى المناسب.

تبدو القضية معقدة.. لكن من الضرورى واللازم البحث عن حلول وبدء التطبيق.. قبل أن نصحو يوما ولا نجد بطلا واحدا فى المصارعة والجودو والملاكمة ورفع الأثقال وألعاب أخرى.

محمود شوقي

محمود شوقي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

بعثة المصارعة فى دورة البحر المتوسط

المزيد من رياضة

اقترب بقوة.. جلسة الحسم بين لبيب والزناتى

كشف مصدر مطلع داخل نادي الزمالك عن تفاصيل الجلسة المرتقبة من أجل حسم منصب المدير الرياضي الجديد للنادي والذي سيتولى...

عواد قنبلة موقوتة فى القلعة البيضاء

أصبح محمد عواد حارس مرمى الفريق الكروى الأول بنادى الزمالك بمثابة صداع مزمن فى رأس الجهاز الفنى بقيادة معتمد جمال،...

الأبيض يدرس بيع بيزيرا بـ 7 ملايين دولار

يفكر جديًا مسئولو نادي الزمالك في بيع البرازيلي خوان بيزيرا لاعب الفريق الكروي الأول بالنادي المنقطع عن التدريبات حتى الآن...

المنتخب الأوليمبى يخطط لضم حمزة فى بطولة أفريقيا تحت 23 سنة

يخطط اتحاد الكرة من الآن من أجل ضم حمزة عبدالكريم، مهاجم نادي برشلونة الإسبانى، إلى المنتخب الأوليمبى الذى سوف يخوض...