حسن عثمان.. سنوات الحب والألم

قبيل أسبوع من رحيله، جمعنى آخر لقاء بالناقد الرياضى الكبير حسن عثمان فى بيته.. أفضى بنا الحوار للسباحة فى مجرى حياته الممتدة لنحو 85 عامًا أمضى خلالها نصف قرن كاتبًا

قبيل أسبوع من رحيله، جمعنى آخر لقاء بالناقد الرياضى الكبير حسن عثمان فى بيته.. أفضى بنا الحوار للسباحة فى مجرى حياته الممتدة لنحو 85 عامًا أمضى خلالها نصف قرن كاتبًا صحفيًا بمجلة الإذاعة والتليفزيون. حكى لنا الأستاذ عن قصته بين السياسة والرياضة، وفيها من الأحداث ما ينبئ عن ملامح جيل كامل دفع ضريبة الاختلاف، وعانى وطأة الألم، لكنه لم يطأطئ الرأس أو ينحنى للعاصفة. تاريخ طويل لواحد من رموز الزمن الجميل، وقصة نرويها من جيل لجيل عن سيرة صحفية ومآثر أخلاقية وقصة عاطفية تليق بزمن الفرسان، وفى القلب منهم حسن عثمان. 

فى تلك الحوارات المسجلة استهل الناقد حسن عثمان قصته قائلًا: كنت أنتمى لأسرة ميسورة الحال بحى بحرى بالإسكندرية، وكان والدى تاجر دخان من كبار تجار الجملة، وحدث أن فقد مبالغ طائلة فى البورصة، فانتقل للعمل بالقاهرة موظفًا فى شركة "بوتاريلى" لتجارة السجائر، وانتقلنا للسكن الجديد فى حى شبرا، وبدأنا حياة أخرى أواخر الأربعينات.

كان أخى محمد عثمان قد أنهى دراسته الثانوية والتحق بكلية التجارة، وكان يكبرنى بثمانى سنوات، فكان لى بمثابة الأب والصديق، كما كان مثقفا من طراز فريد ولديه ميول سياسية يسارية.

أنهيت دراستى بمدرسة رقى المعارف الإعدادية والتحقت بالثانوية، وكنت لاعب كرة فى الفريق الأبيض للنادى الأهلى، وأثناء الدراسة تأثرت بمدرس مادة التاريخ وكان اسمه الدكتور أمين، وضمنى لفريق الجوالة، ونجح فى تجنيدى ضمن طلائع الحركة اليسارية.

 كنا نتلقى مبادئ الحركة وتوجيهاتها من خلال اجتماعات وندوات تثقيفية بشقة فى حى المطرية، وذات مرة دق أحدهم الباب، وحين فتحته وجدت أمامى أخى محمد عثمان، ولم يكن يعلم بأمر تجنيدى فى الحركة، فاعتقدت أنه علم بأمرى وجاء ليأخذنى، لكنى فوجئت به يتجاهل وجودى ويدخل الاجتماع دون أن يتحدث معى، وكانت المفاجأة أنه ألقى علينا محاضرة شرح فيها المقصود بـ "فائض القيمة" كمصطلح اقتصادى، فأدركت أن أخى "محمد" عضو فى نفس التنظيم!

 هذه الواقعة قربتنى من أخى فصرنا أصدقاء رغم فارق السن، وعلمت فيما بعد أنه و"فخرى لبيب" و"عبد الله كامل" والأستاذ أمين مدرس التاريخ هم قادة التنظيم الوليد.. والغريب أن هذه الأسماء لم تكن تعلم وقت تجنيدى أننى الأخ الشقيق للرفيق محمد عثمان.

تخرج أخى محمد فى كلية التجارة، فتوسط له خالنا محمد الشرقاوى - أحد كوادر حزب الوفد - ليلحقه للعمل فى البرلمان، لكن محمد آثر إلا أن يعلن عن ميوله اليسارية، فنقلوه بعد فترة من البرلمان إلى وزارة المالية، ثم احترف العمل السياسى تحت الأرض فتم رصده، وصدرت بحقه مذكرة اعتقال مع زميليه فخرى لبيب وعبد الله كامل عام 1954.

قبض على أخى محمد فى قرية محلة مرحوم بطنطا، وتم ترحيله لمقر المركز، حيث تعرض لضرب مبرح أفضى إلى الموت، وقام زبانية التعذيب بدفن جثته فى مكان غير معلوم، لكنى بعد سنوات علمت من بعض المخبرين أنه دُفن فى مقابر الشهداء بشارع صلاح سالم.

ألقى موت محمد ظلال الحزن الكثيفة على الأسرة، وضاعف مأساة أمى، أما والدى فقد أصيب بالمرض النفسى جراء ما حدث، لكن رحيل أخى لم يزدنى إلا إصرارا على مواصلة العمل السياسى،  حتى جاء عام 1958، وكنت فى السنة الثانية بكلية التجارة ناشطا ضمن صفوف كوادر اليسار، وكنا نشعل أجواء الجامعة بالمظاهرات، فصدرت بحقى مذكرة اعتقال، هربت واختبأت داخل حجرة بنفس العمارة التى يقع بها محل والدى فى شارع عماد الدين، وحدث أن سأله أحد المخبرين عمن يكون الشاب الغريب الذى يتردد على العمارة، فنصحنى والدى بضرورة الابتعاد نهائيا عن القاهرة، فالتجأت لأحد أصدقائى اليساريين فى مدينة بنها، ومكثت هنالك لشهور طويلة، لكنى قررت أن أكسر هذه العزلة، فعدت إلى القاهرة لمقابلة أحد أصدقائى، وقررنا مشاهدة مباراة مصر والسودان فى أحد مقاهى الفجالة، ولسوء حظى العاثر حدثت "كبسة" من بعض المخبرين وكان بحوزتهم صور فوتوغرافية للمطلوبين الهاربين بينهم صورتى، فألقوا القبض علىّ، لكننى نجحت فى الإفلات من قبضتهم، وأخذت أجرى بأقصى سرعة، يتبعنى صدى نداءات المخبرين: "حرامى.. حرامى"، فقام أحد العابرين بطرحى أرضا فانكسرت ذراعى فيما واصل الجمع الغفير ضربى بكل عنف، حتى خارت قواىَ وأنا أصرخ فى وجوههم: "أنا مش حرامى.. أنا يسارى"، وتم القبض علىَّ فى نفس يوم اعتقال فيليب جلاب رئيس تحرير جريدة الأهالى فيما بعد، وعبد الملك خليل الذى عمل مراسلا للأهرام من موسكو لاحقا.

المهم.. تم ترحيلى إلى قسم مكافحة الشيوعية الذى كان يرأسه فى ذلك الوقت عبد الرحمن عشوب، وما أن قابلته حتى صرخت فى وجهه: أين جثة أخى يا قتلة، فأمر بإخراجى من الغرفة، حيث تم ترحيلى إلى سجن القلعة، وكنت لم أزل أعانى آلام كسر ذراعى، فتم تحويلى إلى قصر العينى لتلقى العلاج، وعدت مرة أخرى لزنزانتى فى سجن القلعة، وظل مصيرى مجهولا عن أسرتى، إلى أن شاهدنى جار لنا وكان يعمل فى سجن القلعة، فأبلغ والدتى بأمر اعتقالى، وبقيت فى زنزانة انفرادية لا يُفتح بابها إلا أثناء فترة التريض فقط.

تم ترحيلى لسجن العزب بصحراء الفيوم،  وكان له من اسمه نصيب، فقد كان معتقل العزب مضرب المثل فى العذاب.. فى تلك الصحراء الشاسعة المحاطة بالأسوار والأسلاك الشائكة، التحقت بعنبر رقم 3 والذى كان يضم نخبة معتقلى البروليتاريا من كوادر العمال الشيوعيين، لكنه لم يخلُ من بعض رموز النخبة الثقافية يتقدمهم المفكر الدكتور لويس عوض.

وصلنا المعتقل فقدمت لنا إدارة السجن واجب الضيافة، وهى عبارة عن حفلة استقبال تعرضنا خلالها لكل صنوف الضرب، حيث اصطف الزبانية فى صفين، وكنا نجتاز الطريق بينهم بسرعة بالغة تلافيا للضرب المبرح، حتى أخذ كل واحد منا "نمرته" وهى عبارة عن بطانية و"بورش" من الليف بداخله بدلة السجن البيضاء و"أروانة" لتناول الطعام، ثم صدر الأمر: كل المساجين تخلع، فأصبحنا عرايا، وقام السجانون بقص شعرنا ع الزيرو وإيداعنا فى العنابر. 

كان مأمور السجن "اسماعيل همت" بالغ القسوة، وكان من ضباط السجن شخص اسمه اسماعيل يونس وكنت أعرفه لأنه كان يلعب للفريق الأبيض بنادى الزمالك وقت أن كنت لاعبا فى النادى الأهلى، والغريب أنه حين التقانى فى حفل الاستقبال قال لى: أهلا يا كابتن، فاعتقدت أنه يرحب بى، ثم فوجئت به يصفعنى أمام الجميع، فأصابنى الذهول.

بعد حفلة الاستقبال دخلنا عنابرنا، ثم تقدم قائد السجن ليتمم على المعتقلين، وأمرنا أن نقف ووجوهنا إلى الحائط، وقال متهكما: المنظر هنا جميل جدا، ثم أشار إلى المفكر الدكتور لويس عوض بأن يتقدم وسأله: إنت بتشتغل إيه بره؟ فأجاب لويس عوض: وكيل وزارة الثقافة، فانخرط "همت" فى نوبة من السخرية، وأعطى أوامره بأن ينظف لويس عوض حمامات السجن، فشعرنا جميعا بالمرارة، والغريب أن الدكتور لويس نفذ ما قاله السجان فى صمت وصبر بالغ.

فى طابور الصباح كنا نصطف ونهتف خلف المنادى: تحيا جمهورية مصر العربية، لكننا كنا نصمت حين يأمروننا نهتف باسم الرئيس عبد الناصر، ولابد أن هذا كان سببا كافيا لعقابنا بالضرب.. كان أقربنا فى تلقى العصىّ واللكمات أولئك الواقفون فى الصف الأول، لذلك اعتدنا - نحن شباب المعتقلين - أن نتصدر الصف الأول لتلقى الضرب نيابة عن كبار السن وعلى رأسهم لويس عوض.

كان المعتقل بالنسبة لى مرآة كاشفة، فلقد هالنى أن يسقط  كثير من الأقنعة، وأن تتهاوى رموز اعتقدت خطأ فى قدرتهم على اجتياز المحنة، ففوجئت بانهيارهم الكامل. وفى المقابل كان السجن فرصة لأعيد اكتشاف المعدن النبيل لصمود عدد من فرسان ذلك الزمان يتقدمهم لويس عوض، واسماعيل صبرى عبد الله وآخرين من دونهم ضربوا المثل فى الصبر والاحتمال.


ولن أنسى صورة المناضل والمفكر الاقتصادى الدكتور اسماعيل صبرى عبد الله المستشار الاقتصادى للرئيس عبد الناصر، كنا قد انتقلنا من سجن العزب بالفيوم إلى سجن أبى زعبل، وصدرت لنا الأوامر بالصعود للجبل لتكسير أحجار البازلت كنوع من التكدير اليوميّ، كانوا يقسموننا إلى مجموعات فى دوائر، كل دائرة تتألف من 15 فردا، وبحوزة كل منا قادوم وغلق، وكان المساجين الجنائيون يرتدون القمصان الزرقاء يعلوها رداء من فرو الخروف وكانوا ينتعلون الأحذية ويلبسون أغطية رأس تحميهم من وهج الشمس، وهى "مزايا" لم تمنح لنا كمساجين سياسيين، فكنا نرتدى القمصان الزرقاء فقط، ونسير حفاة فتتشقق أقدامنا بالحجارة المتكسرة.. وذات صباح فوجئنا بضابط المعتقل يقول للدكتور اسماعيل صبرى عبد الله إن عليه أن يقوم بتكسير ما يوازى 15 غلقا من الحجارة فى يوم واحد، وإلا سيجعل منه عبرة للجبلين الأزرق والأبيض، وهو شرط تعجيزى لمعتقل مستجد، فقد كان هدف السجان إذلال الدكتور اسماعيل الذى فشل فى أداء مهمته المستحيلة، فأمر الضابط بتكتيف يديه ورجليه وتم ربطه ورفعه على عصا خشبية، ليتلقى المفكر الاقتصادى عشرين شومة على رجليه.

ومن المثير أن الدكتور اسماعيل وضع كم قميصه فى فمه حتى لا تظهر تأوهاته المكتومة أثناء التعذيب، فضرب لنا المثال فى القدرة على الاحتمال والجَلَد.. لقد كان بحق واحدا من الرعيل المؤسس للفكر اليسارى مع عدد من الفرسان المعتقلين ومنهم أيضا: الدكتور فؤاد مرسى والمفكر محمود أمين العالم وغيرهما.

أثناء الاعتقال عانيت آلام انفجار الزائدة فساءت حالتى الصحية، وكانت إدارة السجن تعلم بأننى أخ لمعتقل سابق مات من وطأة التعذيب، فخافوا أن ألقى نفس مصيره، وبادروا بنقلى إلى قصر العينى بعربة إسعاف بعد أخذ كل الاحتياطات الأمنية المشددة خوفا من هروبى، وأجرى لى العملية الأستاذ الدكتور أحمد أبو ذكرى، وكان جراحا مشهورا ومسئولا عن استقبال وعلاج المرضى من المعتقلين بمستشفى قصر العينى، وكان برفقته مساعده الجراح الشاب وقتها دكتور مجدى يعقوب.. بعدها نقلونى إلى عنبر رعاية المعتقلين، لأفاجأ بوجود أقطاب يساريين داخل العنبر ومنهم: الكاتب الصحفى لطفى الخولى، ومحمد فهيم المحامى، ويوسف حلمى.

أثناء مرضى زارتنى خطيبتى برفقة أمى فى المستشفى، وقالت إنها ستنتظرنى لحين خروجى من السجن شريطة أن أنهى علاقتى بالسياسة، فأعطيتها دبلة الخطوبة وانتهت علاقتى بها عند هذا الحد.

فى الجوار كان يوجد مبنى ملحق لمعتقلات سجن النساء، كنت مازلت أعانى وقتها وطأة انفصالى عن خطيبتى، لكن "صفية" المسئولة عن قسم التمريض فى جناح السيدات لفتت انتباهى، وكانت إحدى قريبات زميلنا محمد حجازى المعتقل فى سجن الواحات. نجحت "صفية" فى التخفيف من معاناتى الصحية، حتى أنها أنقذت حياتى من موتٍ محقق حين تولت رعايتى إثر إصابتنى بنوبة حمى قاسية، فأقسمت إن نجوت من محنة المرض أن أتقدم لخطبتها فور خروجى من المعتقل.

خرجت من عنبر نزلاء قصر العينى إلى السجن الحربى بدلا من سجن أبى زعبل، فأدركت أن السلطات بدأت تخفف من قبضتها على المعتقلين اليساريين، وبدا الأمر مختلفا، حيث اختفت الإجراءات العقابية المشددة، وكنا نتلقى محاضرات عن الموقف السياسى والاقتصادى، يلقيها علينا الدكتور طعيمة الجرف والدكتور الخفيف ولبيب شقير والشيخ أبو زهرة وآخرون كانت مهمتهم إعادة برمجة أفكارنا بما يتماشى مع نهج الحقبة الناصرية.. كانت تلك الفترة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التأمل وأحيانا للعب الشطرنج الذى كنا نصنع قطعه من لباب الخبز، وكنا لا نعير هذه المحاضرات اهتماما كبيرا لما تحتويه من محاولة لإعادة صياغة توجهاتنا السياسية، ومكثت فى السجن لنحو تسعة أشهر وبدأت تلوح بشائر الأمل.

أثناء زيارة عبد الناصر ليوغوسلافيا أثيرت قضية مقتل المناضل شهدى عطية الشافعى ورفيقيه رشدى خليل وفريد حداد، حيث تعرض "ناصر" للانتقاد، وكانت زوجة شهدى عطية - وهى يوغوسلافية الجنسية - قد تقدمت بمذكرة لسلطات بلدها للتحقيق فى واقعة مقتله، حتى أن أحد المؤتمراتالتى حضرها "ناصر"  استهل جدول أعماله بالوقوف دقيقة حدادا على روح شهدى ورفاقه، فأصدر الرئيس عبد الناصر توجيهاته أثناء زيارة يوغوسلافيا بإيقاف العنف والتعذيب ضد الشيوعيين.

كان مقررا أن يأتى الزعيم السوفييتى "خوروشوف" فى زيارة رسمية لمصر، فأراد الرئيس عبد الناصر الإفراج عن الشيوعيين على دفعات قبل حلول الزيارة.. وخرجت من السجن ضمن دفعة منهم حسن فؤاد رئيس تحرير مجلة صباح الخير فيما بعد، وزهدى رسام الكاريكاتير الشهير الذى رسم لى بورتريهات للذكرى أثناء الاعتقال.

ما أن تحررت من أسر الاعتقال حتى أوفيت بالنذر الذى قطعته على نفسى بأن أتزوج "صفية" فبادرت بالاتصال بها فور خروجى، وكانت فرحتها لا توصف، حيث التقينا فى ذات اليوم على كورنيش النيل، وعرضت عليها الزواج فوافقت، وهى الآن زوجتى وأم ابنى التى آنست بصحبتها لأكثر من نصف قرن، وسهرت على رعايتها الصحية وفاء لحب مقيم وعرفانا بدينٍ قديم.

خرجت من المعتقل فى سبتمبر عام 1962، ولم أعد لكلية التجارة، فقررت البحث عن عمل، وكان قد أُفرج عن صديقى إلهام سيف النصر قبل فترة، فقدمنى للكاتب حسن فؤاد كى أعمل فى مجلة صباح الخير، وأبديت رغبتى فى العمل بالقسم الرياضى، لكنه أشار لعدم وجود قسم للرياضة فى المجلة، لكنه ألمح إلى إمكانية حجز مساحة لموضوع رياضى أكتبه فى أقرب فرصة، فذهبت للنادى الأهلى الذى كنت ألعب ضمن فريقه الأزرق والأبيض قبل سنوات من احترافى السياسة، حيث كنت أمارس كرة القدم مع نخبة ضمت وقتها أسماء لامعة منهم كمثال طارق سليم.

التقيت الكابتن صالح سليم، وعرضت عليه إجراء حوار لمجلة صباح الخير فوافق وذهبت بالحوار للأستاذ حسن فؤاد الذى نشر الموضوع كاملا فى ملحق تذكارى صغير صدر بغلاف يحمل صورة كاريكاتيرية لصالح سليم الذى فرح بهذا الكتيب وأثنى عليه، فصرنا منذ ذلك الوقت أصدقاء.

بعد فترة رشحنى صديقى شوقى السيد للكاتب الصحفى محمود سالم رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون، ومن ضمن الذكريات التى لا أنساها فى هذه الأثناء لقاء جمعنى بالمشير عبدالحكيم عامر، حيث قمت بتغطية الاستعدادات لأحد مهرجانات الفروسية، وتصادف أن كان ابن المشير واحدا من المتسابقين، فقام مصور المجلة بتصويره، ونزلت الصورة غلافا للمجلة، فطلب مكتب المشير عامر نسخة من الصور، واستقبلنى فى منزله وشكرنى.

من الذكريات التى لا تنمحى من ذاكرتى يوم خطاب تنحى الزعيم جمال عبد الناصر.. وقتها كنت أقوم بتغطية إحدى المباريات فى مدينة المنصورة، وكان أمر المعركة مازال غائما، وحين سمعت الخطاب عدت إلى القاهرة لأشاهد الجموع الغفيرة وقد تحركت من تلقاء نفسها رافضة تنحى الزعيم.. كنت أرى فيه زعيما وطنيا منحازا للفقراء، وفى هذا نقطة التقاء جمعته بالحركات اليسارية، حتى أولئك الذين أودى بهم فى غياهب السجون كانوا يرون فيه تجسيدا لصورة الزعيم القومى.. أنا لا أضمر له كراهية وإن كنت قد تمنيت أن ألتقيه لأساله: بأى ذنب قٌتل أخى محمد عثمان!

لاحقا وخلال عام 1968 قدم عبد الناصر بيانه الإصلاحى الشهير "بيان 30 مارس" والذى يكفل فيه ضمانات للحريات العامة ليرسم مرحلة ما بعد الهزيمة، فيما كان يقود ببسالة مراحل حرب الاستنزاف، ومما أذكر فى تلك الفترة أننى قمت باستطلاع رأى المواطنين حول هذا البيان الشهير، وعقب نشر الاستطلاع مع المواطنين، دعانى محمد حافظ مدير مكتب وزير الإعلام وقتها محمد فايق، وأبلغنى بأن الوزير أثنى على هذا الجهد الصحفى، ودعانى "حافظ" صراحة للتخصص فى كتابة الموضوعات السياسية، وأردف الدعوة بالإشارة إلى أن عددا من الشيوعيين قد انضموا للتنظيم الطليعى التابع للاتحاد الاشتراكى كإحدى الأذرع السياسية إبان الحقبة الناصرية.. لكنى أشرت إلى أنى طلقت العمل السياسى للأبد.

كنت أنتمى لجيل مميز من المبدعين الكبار فى مجلة الإذاعة والتليفزيون منهم كمثال خيرى شلبى وسامح كريم وسامى السلامونى وسكينة فؤاد.. وكانت الفترة مليئة بالأحداث ومن بينها: زياراتنا المتكررة للجبهة أثناء حرب الاستنزاف.. كان مسئول التوجيه المعنوى فى تلك الفترة هو اللواء محمد عبد الله، وكان ينظم للمحررين الرياضيين زيارات للخطوط الأمامية، حيث كانت تقام المباريات والمسابقات الرياضية، فكنت أذهب للجبهة برفقة نجوم النقد الرياضى من كافة الأجيال ومنهم: عبد المجيد نعمان ونجيب المستكاوى وأسامة صبرى وشوقى السيد الذى أضاف لتخصصه الرياضى دورا آخر كمحرر عسكرى.. واستمرت تلك الزيارات حتى قبيل اندلاع حرب أكتوبر كجزء من خطة الخداع التى شاركت فيها كل مؤسسات الدولة.

فى هذه الأثناء كنت أعيش وزجتى "صفية" حياة هنيئة بسيطة، كنا نسكن فى بيت أسرتى، ونكتفى بالقليل، وكان يداوم على زيارتنا أصدقاء العمر الجميل من الكتاب والصحفيين ومنهم: جلال عارف وعبدالوهاب مطاوع ولاحقا قمت بالإعداد للبرامج الإذاعية ومنها: فنجان شاى مع سامية صادق، كذلك كنت أكتب بعض الأعمال الدرامية للمخرج الإذاعى الشهير يوسف الحطاب، وكان هو الآخر يسارى النزعة.. كنت أتقاضى ما يوازى 8 جنيهات عن كل نص إذاعى أكتبه، وكان هذا المبلغ - مع راتب المجلة المحدود - يكفى لإقامة حياة أسرية مستقرة.. لكن فى أوائل عام 1975 قمت بالسفر للبحرين وعملت محررا رياضيا، وأمضيت سنوات أخرى فى قطر، وأمكننى بذلك أن أغطى فعاليات كأس العالم فى الأرجنتين وفرنسا وأن أزور عشرات الدول.

من أهم محطات حياتى اشرافى على القسم الرياضى بصحيفة الأهالى، بترشيح من الناقد الكبير عبد المجيد نعمان الذى طرح اسمى على خالد محيى الدين رئيس حزب التجمع فور عودتى من دورة الألعاب الأوليمبية فى لوس أنجلوس سنة 1984، وقد نجحت بكوكبة من المحررين الرياضيين البارزين أن نحرر واحدة من أهم الصفحات الرياضية بمصر.. وإن ظلت مجلتى الحبيبة الإذاعة والتليفزيون هى البيت الكبير الذى ظل بابه مفتوحا لأواصل فيه نشر مقالاتى لسنوات طوال امتدت بعد خروجى على المعاش.. رحم الله الناقد الرياضى الكبير حسن عثمان.


 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من رياضة

خالد جلال: الإسماعيلى فريق كبير وجماهيره سلاح قوى

الظروف الآن ليست فى صالحنا.. لكننا سنقاتل لآخر مباراة فى الدورى أحلـم بإعـــادة السمســـمية إلـــــى سابق عهدها.. لكن المهمة صعبة...

حمزة الجمل: إنبى قادر على المنافسة والتتويج بالبطولات

هو أحد الأسماء البارزة التى صنعت المجد فى كرة القدم المصرية كلاعب ومدرب.. صخرة دفاع تحولت إلى عقل مدبر فى...

دمج الأندية الجماهيرية مع الشــركات لعودة «أيـام زمـان»

مشروع ضخم لإنقاذ الأندية الشعبية أندية الأقاليم تطالب جوهر نبيل بسرعة التنفيذ قبل فوات الأوان

محمد صلاح.. أسطورة أنفيلد يواجه تقلبات الزمان

أداء متذبذب وانتقادات الصحافة إغراءات الدورى السعودي.. هل تقترب النهاية؟