خبراء: حرب أكتوبر أثبتت أن الأمن القومى المصرى جزء لا يتجزأ من الأمن العربي

زهدى: حرب أكتوبر نموذج لفهم طبيعة العلاقات بين مصر ومحيطها العربى والأفريقى الزهار: حرب أكتوبر أعادت صياغة معادلات القوة.. وفتحت الطريق أمام المسار السياسى

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية، وإنما جسدت مواقف مشتركة أكدت أهمية التلاحم العربي والتكامل السياسي والعسكري والاقتصادي، وهو ما يطرح، وفق رؤية عدد من الخبراء، نموذجًا للتعاون العربي في مواجهة التحديات والأزمات.

وأكد الخبراء أن الأمن القومي المصري يرتبط بصورة وثيقة بالأمن القومي العربي، وأن دروس حرب أكتوبر لا تقتصر على الجانب العسكري، وإنما تمتد إلى أهمية التنسيق السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، وتوظيف الإمكانات المتاحة لدى الدول العربية لخدمة مصالحها المشتركة.

في هذا الإطار قال الدكتور رامي زهدي، خبير الشأن الأفريقي، إن حرب أكتوبر 1973 تظل نموذجًا مهمًا لفهم طبيعة العلاقات بين مصر ومحيطها العربي والأفريقي، موضحًا أن الدعم الذي حصلت عليه مصر آنذاك لم يكن محصورًا في الموقف العربي، وإنما امتد إلى القارة الأفريقية سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا.

وأضاف أن السودان كان من أبرز أمثلة هذا التضامن، حيث شاركت قوات سودانية إلى جانب القوات المصرية خلال الحرب، في تعبير عن أن أمن مصر كان يُنظر إليه في تلك المرحلة باعتباره جزءًا من منظومة أمن أوسع، كما اتخذ عدد من الدول الأفريقية مواقف سياسية ودبلوماسية داعمة للموقف العربي، ووصل الأمر إلى قطع دول أفريقية علاقاتها مع إسرائيل.

وأوضح زهدي أن أهمية استدعاء نموذج 1973 اليوم لا تكمن في محاولة تكراره حرفيًا، وإنما في الاستفادة من الدرس الذي قدمه، والمتمثل في أن العلاقات العربية الأفريقية، عندما تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والسيادة، يمكن أن تنتج تضامنًا حقيقيًا في أوقات الأزمات.

وأشار إلى أن هذا الإطار يساعد في فهم الموقف المصري تجاه السودان وليبيا، حيث تنظر مصر إلى استقرار الدولتين باعتباره جزءًا من أمنها القومي، مع التأكيد في الوقت نفسه على الحفاظ على وحدة الدولة الوطنية وسيادتها وسلامة أراضيها ودعم مؤسساتها، ورفض إنشاء كيانات موازية يمكن أن تؤدي إلى تفكيك الدولة.

دعم الدولة الوطنية

وشدد زهدي على أن القاهرة تؤكد، في ما يتعلق بالسودان، دعم وحدة الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها ومؤسساتها الوطنية، مع التأكيد على أن الحل السياسي يجب أن يكون سودانيًا وبعيدًا عن التدخلات الخارجية، إلى جانب الاستعداد للمساهمة في إعادة الإعمار عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك.

وأضاف أن الموقف المصري تجاه ليبيا يركز على وحدة الأراضي الليبية، ودعم المؤسسات الوطنية، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة، والوصول إلى تسوية سياسية يقودها الليبيون أنفسهم.

وقال زهدي إن هناك امتدادًا مهمًا بين روح تضامن 1973 والموقف المصري اليوم، موضحًا أن التضامن الحقيقي لا يعني التدخل في شؤون الأشقاء أو فرض حلول عليهم، وإنما مساندتهم في الحفاظ على دولهم ومؤسساتهم وقدرتهم على تقرير مستقبلهم بأنفسهم.

وأوضح أن تحديات اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا، فلم تعد التهديدات عسكرية فقط، وإنما تشمل تفكك الدول، والجماعات المسلحة، والتدخلات الخارجية، والإرهاب، والجريمة المنظمة، والنزوح، ولذلك أصبح الدفاع عن الدولة الوطنية أحد أشكال التضامن العربي والأفريقي في المرحلة الراهنة.

خطر تفكك السودان

ويرى زهدي أن من أخطر التحديات التي تواجه السودان اليوم تحول الصراع العسكري من صراع على السلطة إلى مسار يؤدي تدريجيًا إلى تفكيك الدولة جغرافيًا ومؤسسيًا.

وأشار إلى ضرورة التمييز بين الحديث عن وجود مخطط معلن لتقسيم السودان وبين وجود مسارات ووقائع على الأرض يمكن أن تنتج في النهاية واقعًا تقسيميًا، خصوصًا عندما تظهر محاولات لإنشاء كيانات أو مؤسسات موازية للدولة.

وأضاف أن هذه النقطة تفسر سبب تمسك مصر بصورة متكررة بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ورفض إنشاء أي كيانات موازية، موضحًا أن الخطر لا يقتصر على انقسام السودان على الخريطة، وإنما قد يتمثل أيضًا في وجود سودان متعدد مراكز السلطة والنفوذ، تتقاسم فيه قوى محلية وإقليمية مناطق النفوذ والموارد والموانئ والحدود، وهو ما ستكون له تداعيات تتجاوز السودان إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل.

وأكد أن الموقف المصري من السودان لا يمكن اختزاله في دعم طرف سياسي أو عسكري، وإنما يرتبط بمبدأ الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها ووحدة أراضيها، مع دعم مسار سياسي سوداني يقود إلى إنهاء الحرب وتسوية الأزمة.

وأضاف أن التضامن المصري مع السودان يأخذ شكلاً أكثر تعقيدًا من نموذج 1973، إذ لا يقتصر المطلوب اليوم على الوقوف إلى جانب دولة شقيقة في مواجهة أزمة، وإنما يتضمن منع تحول الأزمة إلى نقطة تفكك للدولة، مؤكدًا أن دعم مصر لوحدة السودان يرتبط أيضًا بأمنها القومي وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والحفاظ على تماسك المنطقة.

التحرك الإسرائيلي في أفريقيا

وقال زهدي إن التحرك الإسرائيلي في أفريقيا لم يعد مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي، وإنما أصبح جزءًا من رؤية أوسع لبناء نفوذ سياسي وأمني واقتصادي في مناطق ذات أهمية استراتيجية، خصوصًا في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وأشار إلى أن دراسات مصرية تتحدث عن إعادة تنشيط إسرائيل منذ عام 2016 لما تسميه «سياسة العودة إلى أفريقيا»، بهدف توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في القارة.

وأضاف أن الاعتراف الإسرائيلي بـ"صوماليلاند" في نهاية عام 2025 يمثل، بحسب رؤيته، تطورًا مهمًا في هذا المسار، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمنطقة على خليج عدن وباب المندب.

وأوضح أن المشكلة بالنسبة لمصر، لا تكمن في مجرد وجود علاقات إسرائيلية مع دول أفريقية، وإنما في احتمال تحول هذا الحضور إلى ترتيبات أمنية أو جيوسياسية تمس توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، أو استغلال أزمات الدول وهشاشة بعض مؤسساتها لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة.

ومن هنا، يرى زهدي إمكانية فهم التحرك المصري المتزايد في أفريقيا، خاصة تجاه السودان وإريتريا والصومال ودول البحر الأحمر، مؤكدًا أن مصر تعلن دعم وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها ورفض أي إجراءات أحادية يمكن أن تضعف استقرارها، كما تعتبر أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه.

وأكد أن جوهر السياسة المصرية، من وجهة نظره، ليس الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل داخل أفريقيا، وإنما منع تحول القارة، وخاصة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، إلى ساحات نفوذ مغلقة تفرض معادلات جديدة على حساب الدول الوطنية ومصالحها.

التضامن لا ينتهي بانتهاء الأزمة

وحول الموقف الأفريقي خلال حرب أكتوبر، قال زهدي إن التضامن العربي الأفريقي في ذلك الوقت لم يتوقف عند الموقف السياسي أو المشاركة العسكرية، وإنما تحول بعد الحرب إلى محاولة لبناء مصالح ومؤسسات مشتركة.

وأوضح أن السودان لم يكتفِ بالمشاركة في الحرب إلى جانب مصر، وإنما وقعت القاهرة والخرطوم في فبراير 1974 اتفاقًا للتكامل الاقتصادي، كما شهدت تلك المرحلة دفعًا أكبر للتعاون العربي الأفريقي، وصولاً إلى انعقاد أول قمة عربية أفريقية في القاهرة عام 1977.

وأضاف أن هذا يقدم درسًا مهمًا في مفهوم التضامن، مؤداه أن التضامن الناجح لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الأزمة، وإنما يتحول إلى شراكات ومصالح مشتركة تجعل الدول أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المقبلة.

وأكد زهدي أن مواقف مصر اليوم تمثل، من وجهة نظره، امتدادًا لرؤية الأمس، موضحًا أن الوقوف إلى جانب السودان أو دعم وحدة ليبيا وسيادتها ومؤسساتها الوطنية يرتبط بفكرة أوسع تتمثل في الحفاظ على الدولة الوطنية باعتبارها الإطار الذي يمكن من خلاله حماية الشعوب وإعادة بناء الاقتصاد وتحقيق الاستقرار.

من التضامن التقليدي إلى التضامن التنموي

ويرى زهدي أن المطلوب اليوم هو الانتقال من مفهوم التضامن التقليدي إلى التضامن التنموي والاستراتيجي، بحيث تتحول المساندة السياسية إلى مشروعات لإعادة الإعمار، وربط الأسواق، وتطوير البنية الأساسية، وتعزيز التجارة والطاقة والنقل، وبناء القدرات الأفريقية.

وأضاف أن السودان وليبيا يمتلكان موقفًا جغرافيًا وموارد وإمكانات يمكن أن تجعلهما جزءًا من منظومة اقتصادية إقليمية مهمة، وأن استقرارهما لا يخدم مصر وحدها، وإنما يخدم الأمن العربي والأفريقي.

واختتم زهدي حديثه قائلاً: «أفضل استثمار لذكرى أكتوبر 1973 ليس استدعاء الماضي فقط، وإنما بناء نموذج جديد من التضامن يقوم على حماية الدولة الوطنية، واحترام إرادة الشعوب، ثم تحويل التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية وتنموية طويلة المدى، فهذا هو التضامن الذي يمكن أن يستمر بعد انتهاء الأزمات ويصنع استقرارًا حقيقيًا، وليس مجرد مواقف مؤقتة».

استعادة الأرض بالقوة

قال محمد عبد الحميد الزهار، الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، إن استعادة ذكرى حرب أكتوبر المجيدة لا تعني استعادة واحدة من أهم صفحات التاريخ العسكري المصري والعربي فقط، وإنما استعادة مسار طويل من الصراع العربي الإسرائيلي، ظل فيه الأمن المصري مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن المنطقة والقضية الفلسطينية.

وأضاف أن القضية الفلسطينية احتلت منذ عام 1948 موقفًا مركزيًا في السياسة المصرية، مشيرًا إلى أن مصر شاركت في حرب فلسطين، ثم أصبحت غزة تحت الإدارة المصرية بعد حرب 1948، وظلت القاهرة تتعامل مع القطاع باعتباره جزءًا من الأراضي الفلسطينية وليس جزءًا من الأراضي المصرية.

وأوضح أن غزة، بحكم الجغرافيا والتاريخ والأمن، أصبحت جزءًا أساسيًا من المعادلة المصرية الفلسطينية.

وأشار الزهار إلى أن حرب يونيو 1967 غيرت شكل المنطقة بصورة جذرية، بعدما احتلت إسرائيل سيناء المصرية وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، ومن هنا دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة أصبح فيها الاحتلال والأرض والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني عناصر أساسية في أي تصور للتسوية السياسية.

وأضاف أن حرب أكتوبر 1973 أكدت أن استعادة الأرض بالقوة يمكن أن تفتح الطريق أمام المسار السياسي، وبعدها دخلت مصر مرحلة جديدة من إدارة الصراع من خلال عملية السلام التي انتهت بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

وأكد أن مصر لم تعتبر السلام المصري الإسرائيلي نهاية للقضية الفلسطينية، وإنما واصلت التأكيد على أن السلام الشامل في المنطقة لا يمكن أن يتحقق من دون تسوية للقضية الفلسطينية.

وأوضح أن الدور المصري انتقل تدريجيًا من دور الدولة المواجهة عسكريًا إلى دور الدولة التي تمتلك القدرة على التفاوض والوساطة وفتح قنوات الاتصال بين الأطراف المتعارضة.

من أوسلو إلى غزة وأريحا

وأوضح الزهار أن أهمية هذا الدور ظهرت بوضوح في اتفاقات أوسلو وما تلاها من ترتيبات خاصة بغزة، مشيرًا إلى أن القاهرة كانت طرفًا أساسيًا في الترتيبات التي صاحبت اتفاق غزة وأريحا عام 1994، وهو ما أكد، بحسب رؤيته، أن مصر لم تكن تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا سياسيًا فقط، وإنما باعتبارها قضية لها أبعاد أمنية وإنسانية وإقليمية متشابكة.

وأضاف أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005 فتح أسئلة جديدة حول مستقبل القطاع ومن يديره، وكيف يمكن الحفاظ على أمنه ومنع تحوله إلى بؤرة دائمة للصراع.

وأوضح أنه بعد الانتخابات الفلسطينية عام 2006، ثم الانقسام الفلسطيني وسيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، أصبحت القضية أكثر تعقيدًا، فلم يعد الصراع قائمًا فقط بين إسرائيل والفلسطينيين، وإنما أصبح الانقسام الفلسطيني الداخلي نفسه أحد العقبات أمام الوصول إلى تسوية شاملة.

 

وأشار إلى أن الدور المصري برز بصورة أكبر، من خلال مسارين متوازيين: الأول يتعلق بالتهدئة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، والثاني بمحاولات المصالحة بين الفصائل الفلسطينية وإناء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأضاف أن السنوات التالية شهدت جولات متعددة من التصعيد العسكري والتهدئة، وكان الدور المصري حاضرًا في محطات أساسية خلال حروب غزة أعوام 2012 و2014 و2021، حيث استطاعت القاهرة القيام بدور الوسيط القادر على التواصل مع الأطراف المختلفة وفتح قنوات تفاوضية عندما كانت الاتصالات المباشرة شديدة الصعوبة.

طبيعة الدور المصري

وشدد الزهار على أن فهم طبيعة الدور المصري يتطلب النظر إلى موقع مصر باعتبارها دولة جوار لها حدود مباشرة مع قطاع غزة، ولديها مسؤولية أساسية عن أمن سيناء، إلى جانب علاقاتها واتصالاتها مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية والولايات المتحدة والدول العربية.  

وأضاف أن الوساطة المصرية تقوم على مزيج من المصالح الوطنية والقدرة على التواصل والخبرة السياسية والأمنية والجغرافيا، وهو ما يمنح القاهرة موقعًا مهمًا في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة.  

تغير طبيعة الأزمة

وقال الزهار إن أحداث السابع من أكتوبر 2023 فتحت واحدة من أكثر مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تعقيدًا خلال العقود الأخيرة، مع اتساع الحرب وارتفاع أعداد الضحايا والنازحين وتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، بالتزامن مع مخاوف من اتساع دائرة الصراع إقليميًا.  

وأشار إلى أن مصر تحركت على عدة مسارات في الوقت نفسه، من بينها الحفاظ على أمن الحدود ومنع امتداد الحرب إلى سيناء، ورفض أي محاولة لفرض واقع يؤدي إلى تهجير الفلسطينيين خارج قطاع غزة، إلى جانب التحرك سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا من أجل وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات والإفراج عن المحتجزين وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.  

وحماية الأمن القومي المصري

وأكد الزهار أن رفض التهجير إلى سيناء بالنسبة لمصر يتجاوزكونه موقفًا سياسيًا، ويرتبط بالأمن القومي المصري وبالحفاظ على طبيعة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب وأرض وحقوق سياسية.  

وأضاف أن حل القضية الفلسطينية، وفق رؤيته، لا يكون بنقل الشعب الفلسطيني من أرضه، وإنما بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق المرجعيات الدولية، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب يحمل تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي وأمن الحدود والملاحة والتجارة والاستقرار في المنطقة.  

وقال إن اتفاق وقف إطلاق النار في يناير 2025 بوساطة مصرية قطرية أمريكية أكد مرة أخرى أهمية الدور المصري في إدارة الأزمات المتعلقة بقطاع غزة، إلا أن تجربة وقف إطلاق النار أظهرت أيضًا صعوبة الانتقال من التهدئة إلى سلام مستدام.  

وأوضح أن المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار أسهمت في تخفيف حدة القتال وزيادة تدفق المساعدات وإطلاق عدد من المحتجزين والمعتقلين، لكنها لم تنتقل بصورة كاملة إلى المرحلة التالية التي كان يفترض أن تقود إلى ترتيبات أكثر.  

وأضاف أن مصر أكدت أهمية التنفيذ الكامل للمرحلة الثانية، وضرورة التوصل إلى خارطة طريق واضحة لتنفيذها، إلى جانب حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة كافية ومستدامة وتهيئة الظروف للعودة إلى المسار السياسي.  

وأشار إلى أن مصر تسعى، وفق رؤيته، إلى نقل القضية من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة ما بعد الحرب، موضحًا أن وقف إطلاق النار وحده لا يعني انتهاء الأزمة، وإنما ينبغي أن يتحول إلى استقرار دائم، ثم إلى إعادة إعمار واستعادة المؤسسات الفلسطينية، ومسار سياسي يعالج جذور القضية.  

وأكد أهمية أن تظل غزة جزءًا من الأراضي الفلسطينية وألا تتحول إلى كيان منفصل سياسيًا عن الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن الفصل بين غزة والضفة لا يؤدي إلى حل القضية، وإنما قد يؤدي إلى إدارة الأزمة بصورة مختلفة.  

وأوضح أن الدولة الفلسطينية التي تتحدث عنها مصر تقوم على وحدة الأراضي الفلسطينية وإقامة دولة مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفق المرجعيات الدولية.  

وأضاف أن إعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، كما أن الحفاظ على الاستقرار يحتاج إلى إدارة فلسطينية قابلة، واستدامة السلام تحتاج إلى أفق سياسي واضح.  

وأكد أن مصر تنظر إلى الإعمار والتعافي المبكر باعتبارهما جزءًا من عملية تثبيت السلام، وليس مجرد استجابة إنسانية مؤقتة.  

من إدارة الأزمة إلى معالجة جذور الصراع

وقال الزهار إن ما يجري في غزة يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره جولة جديدة من جولات الصراع، وإنما باعتباره اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذور الصراع.  

وأوضح أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بإمكانية الحفاظ على وقف إطلاق النار، وإنما بمدى القدرة على تحويله إلى سلام مستدام.  

وأشار إلى مجموعة من الشروط، في مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات، وبناء إدارة فلسطينية قادرة على إدارة القطاع، ووضع ترتيبات أمنية، وتنفيد انسحاب إسرائيلي متفق عليه، والبدء في إعادة الإعمار والتعافي المبكر، وإعادة توحيد غزة والضفة، والعودة إلى مسار سياسي يقود إلى حل الدولتين.  

الدرس السياسي من حرب أكتوبر  

وأضاف أن حرب أكتوبر كانت نقطة تحول لأنها أعادت صياغة معادلات القوة وفتحت الطريق أمام المسار السياسي.  

وأشار إلى أن وقف إطلاق النار في غزة يمكن أن يمثل نقطة تحول جديدة إذا نجح المجتمع الدولي في تحويله من مجرد توقف للقتال إلى عملية سياسية متكاملة، محذرًا من أن بقاء وقف إطلاق النار منفصلاً عن الحل السياسي قد يؤدي إلى فترة هدوء تسبق جولة أخرى من الصراع.  

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب تثبيت السلام ومنع العودة إلى الحرب، وإعادة إعمار غزة، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وإعادة بناء المؤسسات، وفتح الطريق أمام الدولة الفلسطينية.  

من ناحيته قال الدكتور محمد الطماوي، خبير العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، إن حرب أكتوبر 1973 لم تكن مجرد انتصار عسكري مصري وعربي، وإنما كانت أيضًا نموذجًا مهمًا لما يمكن أن يحققه التضامن العربي عندما تتحول الإرادة السياسية إلى أدوات فعلية على الأرض.  

وأضاف أن أحد أهم دروس أكتوبر تتمثل في أن الدول العربية، رغم اختلاف قدراتها وأدوارها ومصالحها، استطاعت في لحظة تاريخية مهمة أن تنسق مواقفها وتوظف أدواتها المختلفة لخدمة هدف مشترك.  

وأوضح أن مصر خاضت المواجهة العسكرية، وسوريا شاركت في الحرب، بينما قدمت دول عربية أخرى دعمًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، كما استخدمت الدول النفطية ثقلها الاقتصادي في التأثير على البيئة الدولية المحيطة بالصراع.  

وأكد الطماوي أن التضامن العربي في أكتوبر لم يكن يعني تطابق مواقف جميع الدول، وإنما القدرة على إدارة الاختلافات عندما يتعلق الأمر بمصالح استراتيجية مشتركة، معتبرًا أن هذه نقطة مهمة عند التفكير في مستقبل العمل العربي المشترك.  

وأشار إلى أن طبيعة التحديات التي تواجه العالم العربي تغيرت بصورة كبيرة منذ عام 1973، ففي أكتوبر كانت أدوات القوة الأساسية تتمثل في القوة العسكرية والقدرة على استخدام النفط والتأثير السياسي، بينما أصبحت أدوات القوة اليوم أكثر اتساعًا، وتشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والتجارة والممرات البحرية والدبلوماسية.  

وأضاف أن فرص التضامن العربي لم تنته، وإنما تغيرت طبيعتها، بحيث يمكن أن يتحول التضامن من مواجهة الحرب إلى حماية المصالح العربية وبناء القدرة الاقتصادية والسياسية للدول العربية.  

مجالات جديدة للتعاون العربي

وأشار الطماوي إلى أن هناك مجالات عديدة يمكن أن تشكل أساسًا عمليًا لتعزيز العمل العربي المشترك، وفي مقدمتها التكامل الاقتصادي والاستثماري، وربط الأسوق، وتعزيز التعاون في الطاقة، وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي، والتعاون في التكنولوجيا والتحول الرقمي، إلى جانب التنسيق السياسي والدبلوماسي في الأزمات الإقليمية.  

وأكد أن العالم العربي يمتلك عناصر قوة كبيرة، لكن التحدي الأساسي يكمن في تحويل هذه العناصر المتفرقة إلى شبكة من المصالح المشتركة.  

وأوضح: «إذا كانت حرب أكتوبر قد أظهرت كيف يمكن توظيف الأدوات العربية المختلفة في لحظة مواجهة، فإن المرحلة الحالية تفرض علينا التفكير في كيفية توظيف هذه الأدوات نفسها في بناء التنمية والاستقرار وحماية المصالح العربية».  

أحد اختبارات التضامن العربي

ويرى الطماوي أن القضية الفلسطينية تظل أحد أبرز الاختبارات لفكرة التضامن العربي، خصوصًا في ظل تداعيات الحرب على غزة، مشيرًا إلى أن التحرك العربي في هذا الملف لا ينبغي أن يقتصر على المواقف السياسية، وإنما يجب أن يشمل الدعم الإنساني والتحرك الدبلوماسي والعمل داخل المؤسسات الدولية، والدفع نحو تسوية سياسية تضم حقوق الفلسطينية وتحافظ على الأمن والاستقرار الإقليمي.  

وأشار إلى أن مصر تمتلك خصوصية واضحة في هذا الملف بحكم موقعها الجغرافي ودورها التاريخي واتصالاتها مع مختلف الأطراف، وهو ما يجعل الدبلوماسية المصرية إحدى الأدوات الرئيسية في إدارة الأزمات الإقليمية ومحاولة الوصول إلى حلول سياسية.  

وعن الدور المصري، قال الطماوي إن مصر تتحرك في محيطها العربي وفق معادلة تقوم على الدفاع عن المصالح الوطنية المصرية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الأمن القومي العربي ودعم استقرار الدول العربية.  

وأضاف أن السياسة المصرية لا تقوم على الدخول في صدامات غير محسوبة مع القوى الدولية، وإنما على الحفاظ على مساحة واسعة للحركة وفتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، مع التمسك بالمبادئ المتعلقة باحترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها واللجوء إلى الحلول السياسية والدبلوماسية في معالجة الأزمات.  

وأكد أن «التوازن في السياسة الخارجية لا يعني الحياد تجاه القضايا العربية، وإنما يعني امتلاك القدرة على التحرك مع مختلف الأطراف بما يحافظ على المصالح المصرية والعربية في الوقت نفسه».   

استلهام تجربة أكتوبر

واختتم الطماوي بالتأكيد على أن الدرس الحقيقي لحرب أكتوبر لا يقتصر على كيفية انتصار الجيوش، وإنما يشمل كيفية استطاعة الدول العربية، في لحظة تاريخية، تنسيق قدراتها المختلفة.  

وقال: «نحن لا نحتاج اليوم إلى استنساخ تجربة أكتوبر، وإنما إلى استلهام جوهرها. فإذا كان التضامن العربي عام 1973 قد ارتبط بالمواجهة العسكرية واستخدام أدوات سياسية واقتصادية، فإن تضامن اليوم يجب أن يرتبط بالتنمية والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي وحماية التجارة والملاحة والتنسيق الدبلوماسي».  

وأضاف: «القوة العربية في القرن الحادي والعشرين لن تقاس فقط بما تمتلكه الدول من قدرات عسكرية، وإنما أيضًا بحجم اقتصاداتها، وقدرتها على تحقيق التكامل، وتأمين احتياجاتها الأساسية، وحماية مصالحها، والتأثير في النظام الدولي».  

وخلص إلى أن أكتوبر 1973 يظل درسًا تاريخيًا في أن الاختلاف بين الدول العربية لا يلغي إمكانية التعاون، وأن المصالح المشتركة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لبناء تضامن عربي جديد يتناسب مع طبيعة التحديات التي يواجهها العالم العربي.  

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ثثثثثثثثثث
الرئيس «السيسى»: النيل شريان الحياة.. ولن نسمح بأى إجراء يمس أمننا الم
سبل
بايتي
الرئيس السيسى يحذر المتآمريـن على الأمن القومى المصرى
كواليس ما جرى فى الغرف المغلقة قبل خلع «مرسي» من حكم البلاد بفضل تحركا

المزيد من سياسة

عمليات سرية مهّدت الطريق للعبور رجال الظل.. مفتاح النصر

الحرب لم تكن مجرد مواجهة وانما اختبار شامل للقدرة على التخطيط والتنفيذ عبقرية تحويل قناة السويس من مانع مائى صعب...

قراءة الصحف المصرية قبل وأثناء حرب أكتوبر 1973 مانشيتات قبل الحرب

ست سنوات كاملة عاشها المصريون فى انتظار النصر، ولم يفقدوا الأمل؛ فقواميسهم لا تعرف كلمة اليأس.

خبراء: حرب أكتوبر أثبتت أن الأمن القومى المصرى جزء لا يتجزأ من الأمن العربي

زهدى: حرب أكتوبر نموذج لفهم طبيعة العلاقات بين مصر ومحيطها العربى والأفريقى الزهار: حرب أكتوبر أعادت صياغة معادلات القوة.. وفتحت...

مجلس النواب يبدأ دور الانعقاد الثانى بأجندة تشريعية حافلة

التصالح فى مخالفات البناء والأحوال الشخصية على رأس الأولويات