حكومة «آبى أحمد» تواجه أزمة حكم.. و «تحالف البقاء» يهددها بالإطاحة اتساع الفجوة بين طموح السياسة الإثيوبية وقدرة الحكومة على إدارة الأزمات
تشهد العلاقات المصرية- الإثيوبية منعطفًا جديدًا من التوتر، بعدما اتخذت أديس أبابا، خطوة دبلوماسية لافتة بإعلان أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية في إثيوبيا «شخصًا غير مرغوب فيه»، ومطالبته بمغادرة الأراضي الإثيوبية خلال 48 ساعة، في خطوة تُعد من أدوات التصعيد الدبلوماسي بين البلدين. ويأتي هذا التصعيد في سياق علاقات شديدة التعقيد، تتداخل فيها أزمة السد الأثيوبي، والتباينات بشأن قضايا الأمن المائي، والتحولات المتسارعة في القرن الأفريقي، بما يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل العلاقات المصرية- الإثيوبية، وحدود التصعيد الدبلوماسي بين البلدين، وما إذا كانت الخطوة تعكس أزمة مؤقتة أم تمثل بداية لمرحلة جديدة من التوتر المتصاعد.
واعتبرت وزارة الخارجية المصرية أن التحرك الإثيوبي غير مبرر ويحمل طابعًا تصعيديًا، مؤكدة أن أديس أبابا تحاول ربط أزماتها الداخلية المتلاحقة بادعاءات عن تدخلات خارجية. ويأتي ذلك على خلفية اتهامات إثيوبية لمصر بدعم جماعات مسلحة داخل البلاد، وهي اتهامات نفتها الدولة المصرية، في ظل تأكيد القاهرة المستمر على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وفي هذا الحوار، تكشف د. نورا على معروف، خبيرة الشأن الأفريقي، أبعاد التصعيد الإثيوبي، وجذور الأزمة الداخلية، وانعكاساتها على العلاقات المصرية- الإثيوبية، ومستقبل الأوضاع في القرن الأفريقي.
كيف تنظرين إلى فكرة التصعيد الدبلوماسي من أديس أبابا ضد مصر؟ لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن السياق الإثيوبي المضطرب؛ فإثيوبيا تواجه في الوقت الراهن تصاعدًا في المواجهات المسلحة بين الحكومة الفيدرالية وعدد من الحركات المسلحة، بالتزامن مع تجدد التوتر في إقليم تيغراي، بما يعيد إلى الواجهة هشاشة الترتيبات الأمنية والسياسية التي أعقبت حرب تيغراي.
وفي مثل هذه البيئات الداخلية المعقدة، يصبح توجيه الاتهامات إلى أطراف خارجية جزءًا من الخطاب السياسي والأمني المستخدم في تفسير مصادر التهديد، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان التصعيد تجاه القاهرة يعكس قناعة إثيوبية بوجود تدخل مصري، أم أنه يأتي في إطار إدارة الضغوط الداخلية والإقليمية المتزايدة.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع تزامن هذا التطور مع تصعيد غير مسبوق في العلاقات الإثيوبية- الإريترية، وصولاً إلى إجراءات دبلوماسية متبادلة واتهامات متعلقة بدعم المعارضة المسلحة، في مشهد يعيد إلى الأذهان طبيعة الصراع التاريخي بين البلدين، ويكشف عن تشابك غير مسبوق بين أزمات إثيوبيا الداخلية وحساباتها الإقليمية.
ومن هنا، يطرح التصعيد الأخير تساؤلات تقتضي النظر إلى حادثة طرد الدبلوماسي المصري باعتبارها مؤشرًا ضمن سياق أوسع، لا باعتبارها واقعة دبلوماسية منفردة؛ إذ إن طبيعة التوقيت، وتزامنها مع تصاعد الصراع الداخلي الإثيوبي والتوتر مع إريتريا، تجعل من الضروري تحليل الرسائل التي تحملها هذه الخطوة، وحدود انعكاساتها على العلاقات المصرية- الإثيوبية وعلى التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي.
طرد الدبلوماسيين أداة للتصعيد.. ماذا تعني خطوة إثيوبيا؟ يُعد إعلان أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية «شخصًا غير مرغوب فيه» من الإجراءات التي تملكها الدولة المضيفة في إدارة علاقاتها مع دولة أخرى، إذ يتيح لها إنهاء وجود دبلوماسي أجنبي على أراضيها، دون أن يعني ذلك، من الناحية القانونية، قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين.
وقد نظمت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 هذا الإجراء بوضوح، حيث تنص المادة التاسعة على أن للدولة المعتمد لديها، في أي وقت ودون الحاجة إلى بيان أسباب قرارها، أن تخطر الدولة الموفدة بأن رئيس البعثة أو أي عضو من طاقمها الدبلوماسي شخص غير مرغوب فيه.
ومن هذه الزاوية، فإن القرار الإثيوبي، من حيث الشكل القانوني، يقع ضمن الأدوات التي يقرها القانون الدولي للعلاقات الدبلوماسية. غير أن المشروعية القانونية للإجراء لا تعني بالضرورة أن دلالته السياسية محدودة؛ فهو يمثل رسالة سياسية واضحة إلى القاهرة، حتى في ظل عدم إعلان أديس أبابا رسميًا الأسباب المباشرة التي دفعتها إلى اتخاذ القرار. وتزداد أهمية هذه الرسالة السياسية بالنظر إلى توقيت القرار والسياق الإقليمي والداخلي الذي جاءت فيه الخطوة.
لماذا تتهم وسائل الإعلام الموالية للحكومة الإثيوبية مصر؟ يأتي القرار الإثيوبي في ظل تصاعد الخطاب بشأن ما تعتبره أديس أبابا تدخلات خارجية في أزمتها الداخلية، خصوصًا التصعيد تجاه مصر، الذي اتخذ منحى أكثر حدة، وبدأ بحملات إعلامية متكررة في وسائل الإعلام الإثيوبية، إلى جانب تصريحات لخبراء وبرلمانيين وسياسيين إثيوبيين تناولت السياسة المصرية باعتبارها تعارض وتقف في وجه التنمية الإثيوبية، لا سيما فيما يتعلق بسد النهضة وقضية الوصول إلى البحر الأحمر. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي بشأن قضية مياه النيل، والتي شكلت جانبًا آخر من التصعيد، إلى جانب إعلان أديس أبابا، قبل قرار طرد الدبلوماسي المصري، تشكيل لجنة لبحث مطالبات إثيوبية بتعويضات من مصر عن المشروعات المائية.
وهنا تبرز نقطة مهمة في قراءة أدوات التصعيد الدبلوماسي؛ فالدولة لا تلجأ بالضرورة إلى طرد دبلوماسي أجنبي باعتباره مقدمة مباشرة لقطع العلاقات، وإنما قد تستخدمه لإرسال رسالة احتجاج قوية، أو للضغط السياسي، أو لإظهار أن سلوك الدولة الأخرى قد تجاوز، من وجهة نظرها، الحدود التي تراها مقبولة.
كما أن طرد الدبلوماسي يمثل مستوى من مستويات التصعيد أقل من قطع العلاقات الدبلوماسية الكاملة، ولذلك فإن فهم الخطوة الإثيوبية يتطلب وضعها في سياق الأزمة الداخلية، والتوتر مع إريتريا، والملفات العالقة بين القاهرة وأديس أبابا.
هل ما يحدث داخل إثيوبيا مرتبط بالصراع الداخلي على السلطة؟ تشهد إثيوبيا منذ سنوات توترات سياسية وأمنية عميقة، تتداخل فيها الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وعدد من القوى والجبهات المحلية مع قضايا الهوية والتمثيل السياسي وتوزيع السلطة. وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول حقيقة ما يجري داخل إثيوبيا، ومدى ارتباطه بالصراع الداخلي على السلطة، وما إذا كانت الاتهامات الموجهة إلى مصر بشأن دعم أطراف إثيوبية أو السعي إلى زعزعة الاستقرار تستند إلى أدلة فعلية، أم أنها جزء من خطاب سياسي وإعلامي يستغل لتحويل الأزمات الداخلية إلى أطراف خارجية.
آبي أحمد يعلق أزماته الداخلية على «شماعة التآمر».. كيف ترين ذلك؟ تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والأمني، في ظل استمرار التوترات بين الحكومة الفيدرالية وعدد من القوى والجبهات الإثنية والسياسية المسلحة، بما يعكس عمق الأزمة التي تواجه نموذج الدولة الإثيوبية ذاته.
وترتبط الأزمة الراهنة بتراكمات تاريخية تتصل بطبيعة النظام الفيدرالي الإثني، وتوزيع السلطة والثروة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، فضلاً عن الصراع على تعريف الدولة الإثيوبية وحدود بناء السلطة المركزية.
وتتزامن هذه التطورات مع عودة الاشتباكات العنيفة بين قوات الحكومة الفيدرالية وسبع حرصات مسلحة شكلت تحالفًا باسم «تحالف البقاء»، من بينها جبهة تيغراي وحركة فانو في أمهرة وجبهة تحرير أوروميا في إقليم أوروميا.
وتستهدف هذه الحركات، بحسب المعطيات المطروحة، الإطاحة بنظام آبي أحمد، بدعوى فشله في إدارة البلاد وإغراقها في أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، بما يدفع البلاد نحو التفكك.
ومن ثم، فإن اختزال المشهد في وجود «مؤامرة خارجية» أو تدخل دولة بعينها لا يساعد على فهم الأسباب الحقيقية للصراع، بقدر ما قد يمثل محاولة لنقل النقاش من أزمة الحكم وإدارة الأسباب الداخلية إلى البحث عن خصم خارجي يمكن تحميله مسؤولية الأزمة.
كيف تنظرين إلى إخفاقات آبي أحمد؟
يبرز اسم رئيس الوزراء آبي أحمد بوصفه أحد الفاعلين المركزيين في التحولات السياسية التي شهدتها إثيوبيا منذ وصوله إلى السلطة عام 2018، ويمثل أحد المحاور الرئيسية في تفاقم أزمات المشهد السياسي والأمني في إثيوبيا.
وتأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه آبي أحمد لتشكيل حكومة جديدة عقب فوز حزب الازدهار في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في يونيو 2021، ليبدأ ولاية جديدة في ظل إرث ثقيل من الصراعات السياسية والعسكرية والاضطرابات الأمنية. وعلى الرغم من حالة التفاؤل التي صاحبت وصوله إلى السلطة، ارتبط عهده، منذ عام 2020، باندلاع حربين أهليتين داخل البلاد، الأمر الذي جعله في قلب الأزمة الإثيوبية الراهنة.
ويبرز ذلك بوضوح في موقف الحركات السبع المنضوية تحت «تحالف البقاء»، إذ يجمع بينها العداء لآبي أحمد والسعي إلى الإطاحة به، بدعوى أنه قاد البلاد إلى مزيد من الفقر، وأدخلها في دوامة من النزاعات المسلحة والصراعات السياسية، بما زاد من مخاطر تفكك الدولة.
وفي مواجهة هذه الضغوط، اتجه آبي أحمد، خلال الفترة الأخيرة، إلى توظيف التناقضات القائمة بين القوى السياسية والقوميات الإثيوبية، بما أسهم في تعميق حالة الاستقطاب الداخلي. وتبرز في هذا السياق محاولات تأجيج التوتر بين منطقتي الشمال والجنوب الإثيوبي، مع تركيز الخطاب الإعلامي الموالي للحكومة على اتهام قوى الشمال، ولا سيما قوميتي تيغراي وأمهرة، بالسعي إلى إشعال الحرب مجددًا بهدف السيطرة على العاصمة أديس أبابا.
ومن شأن هذا الخطاب أن يعزز الانقسامات العرقية القائمة ويزيد من حدة التوتر بين المكونات الرئيسية للمجتمع الإثيوبي. ويتصل بذلك ما ظهر في لقاء لآبي أحمد عبر تلفزيون أمهرة، دعا خلاله شعب أمهرة إلى عدم الاصطفاف إلى جانب إقليم تيغراي، مستحضرًا الخلافات التاريخية بين القوميتين.
ويعكس هذا الخطاب، وفق هذا الطرح، توظيف الانقسامات التاريخية والعرقية في إدارة الصراع السياسي والأمني، بما يحول التباينات بين القوميات إلى أدوات للصراع على السلطة والنفوذ. ولا يقتصر هذا النهج على المجال السياسي والإعلامي، وإنما يمتد إلى البنية الأمنية والعسكرية؛ إذ يسعى آبي أحمد، إلى تعزيز وجود قوات شبه عسكرية يمكن أن تعمل إلى جانب القوات المسلحة النظامية، بما يتيح للحكومة الفيدرالية هامشًا أوسع في التعامل مع الاضطرابات داخل الأقاليم.
وقد برزت في هذا السياق تشكيلات مسلحة غير نظامية، رغم قرار الحكومة الإثيوبية تفكيك القوات العسكرية التابعة للأقاليم في إطار تنفيذ بنود اتفاق بريتوريا، وتتهم هذه التشكيلات، التي يُقال إنها تحظى بدعم الحكومة الفيدرالية، بالتورط في هجمات ذات طابع عرقي في عدد من المناطق، ولا سيما إقليم أوروميا. إن سياسة آبي أحمد واجهت إخفاقًا في إدارة الأزمات أكثر من كونها أصلحت في تحقيق كل أهدافها، وتبرز المشكلة الأساسية في اتساع الفجوة بين طموح السياسة الإثيوبية وبين قدرتها على إدارة التناقضات الداخلية والإقليمية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة.
من أصحاب المصلحة الحقيقيين في استمرار الصراعات الإثيوبية؟
من الخطأ اختزال الصراع الإثيوبي في وجود طرف خارجي واحد؛ فهناك شبكة معقدة من المصالح الداخلية والإقليمية والدولية.
فعلى المستوى الداخلي، تستفيد بعض القوى السياسية والإثنية من استمرار الاستقطاب عندما يتحول الصراع إلى وسيلة لتعزيز النفوذ والتعبئة السياسية، كما أن ضعف مؤسسات الدولة ووجود تشكيلات مسلحة متعددة يجعل التسوية أكثر صعوبة. وعلى المستوى الإقليمي، تتقاطع في القرن الأفريقي مصالح متعددة ترتبط بالموانئ والبحر الأحمر والمعابر التجارية والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والنفوذ السياسي. أما القوى الدولية، فلها بدورها مصالح تتعلق بالموقع الجغرافي لإثيوبيا، وحجم سوقها، ومكانتها في القرن الأفريقي، وصلتها بأمن البحر الأحمر والهجرة والإرهاب والاستقرار الإقليمي.
هل من مصلحة مصر إشعال الحرب الأهلية في إثيوبيا؟
يصعب، من منظور حسابات المصالح الاستراتيجية، تفسير الاتهامات الموجهة إلى مصر بالسعي إلى إشعال حرب أهلية داخل إثيوبيا باعتبارها خيارًا يخدم المصالح المصرية. فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وارتباط أمنها المائي والأمني باستقرار حوض النيل والقرن الأفريقي، تبدو أكثر ارتباطًا بمصلحة الحفاظ على استقرار الدولة الإثيوبية ووحدتها، من الانخراط في تفجير صراعات داخلية يمكن أن تمتد تداعياتها إلى الإقليم بأكمله. ومن ثم، فإن تصوير القاهرة باعتبارها طرفًا يسعى إلى دفع إثيوبيا نحو الفوضى الداخلية ليس مقبولاً لمجرد وجود خلافات سياسية بين البلدين. وقد ارتبط الموقف المصري المعلن في ملف الخلافات مع إثيوبيا، وخاصة قضية السد، بصورة أساسية بمسألة حماية الأمن المائي المصري والتمسك بالتفاوض والقانون الدولي. وبالتالي، فإن وجود خلاف حاد بين القاهرة وأديس أبابا حول ملف السد لا يعني تلقائيًا أن مصر تسعى إلى تفكيك الدولة الإثيوبية أو إشعال حرب أهلية فيها. بل على العكس، فإن مصر استنفدت السبل الدبلوماسية لحل قضية سد النهضة، باعتبار أن قضية المياه قضية وجودية لا يمكن المساس بها. ويشكل نهر النيل أحد أبرز عناصر الترابط بين البلدين، كما أن مصر لم تتبنَّ في خطابها الرسمي، موقفًا يقوم على رفض التنمية الإثيوبية أو معارضة حق إثيوبيا في تحقيق مصالحها الاقتصادية، وإنما يتركز خلافها الرئيسي مع أديس أبابا على كيفية إدارة الموارد المائية المشتركة والسياسة الأحادية الجانب، وبصفة خاصة فيما يتعلق بسد النهضة، وضرورة التوصل إلى ترتيبات تراعي مصالح الدول الثلاث: مصر والسودان وإثيوبيا.
ومن هذه الزاوية، فإن الموقف المصري من سد النهضة لا ينبغي الخلط بينه وبين موقف معادٍ لإثيوبيا كدولة أو للشعب الإثيوبي، فالخلاف يتعلق أساسًا بقواعد ملء وتشغيل السد وآثاره المحتملة على دولتي المصب، وهي قضية ذات طبيعة قانونية وفنية وسياسية معقدة. كما أن اندلاع حرب أهلية واسعة النطاق داخل إثيوبيا لا يمثل، من الناحية الاستراتيجية، تطورًا يمكن فصل تداعياته عن الأمن المصري والإقليمي.
فإثيوبيا دولة محورية في منطقة القرن الأفريقي، وأي انهيار أمني واسع داخلها يمكن أن يؤدي إلى موجات نزوح كبيرة، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، واتساع نطاق التوترات العرقية، واضطراب حركة التجارة، وزيادة الضغوط على دول الجوار.
كما أن امتداد عدم الاستقرار إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي من شأنه أن يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيدًا بالنسبة لمصر، التي ترتبط مصالحها بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر واستقرار الملاحة الدولية.
ومن ثم، فإن تحول إثيوبيا إلى ساحة صراع مفتوح لا يعني بالضرورة تحقيق أي مكاسب مصرية، بل قد ينتج عنه واقع إقليمي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الملفات الإثيوبية مع قضايا السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومن المهم كذلك التمييز بين ممارسة الضغط الدبلوماسي وبين دعم الحرب الأهلية، فوجود خلافات حادة بين القاهرة وأديس أبابا، أو لجوء مصر إلى أدوات دبلوماسية وقانونية وسياسية للدفاع عن مصالحها، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على دعمها لجماعات مسلحة أو رغبتها في إسقاط الحكومة الإثيوبية. كما أن الاتهام بمساندة أطراف مسلحة داخل دولة أخرى يظل ادعاء، ولا يمكن إثباته بمجرد الاستناد إلى طبيعة التوتر القائم بين الحكومتين.
هل الخلافات الحالية تزيد من عزلة أديس أبابا؟
تبدو إثيوبيا أمام اختبار يتجاوز حدود أزماتها الداخلية؛ فهي أمام مأزق سياسي وأمني يتسع نطاقه ليشمل علاقاتها الإقليمية. فاستمرار القتال في تيغراي، وتصاعد التوتر مع مصر، وتدهور العلاقات مع إريتريا، يعكس نهجًا تصعيديًا قد يفاقم عزلة أديس أبابا ويضعف قدرتها على إدارة ملفاتها الداخلية والإقليمية. فالأزمات الداخلية لا تبقى حبيسة الداخل، وإنما قد تتحول تدريجيًا إلى مصادر توتر تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله.
ومن شأن استمرار التصعيد بين مصر وإثيوبيا أن يعقد مسار العلاقات بين البلدين، ويؤثر سلبًا في الملفات المشتركة المرتبطة بمياه النيل وأمن البحر الأحمر والاستقرار في القرن الأفريقي، كما قد يدفع القاهرة إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية والإقليمية دفاعًا عن مصالحها، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام المسار السياسي والتفاوضي باعتباره الطريق الأكثر اتساقًا مع الحفاظ على استقرار المنطقة وتجنب توسيع نطاق المواجهة.
وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي أمام أديس أبابا لا يكمن في إدارة خلاف واحد، وإنما في قدرتها على منع تعدد الأزمات من التحول إلى مسار متزامن يستنزف قدرتها على المناورة داخليًا وإقليميًا. فاستقرار إثيوبيا لا ينفصل عن استقرار محيطها، كما أن أمن القرن الأفريقي ومصالح دوله لا يمكن أن تُدار بمنطق التصعيد المتبادل، وإنما تحتاج إلى الحوار واحترام قواعد القانون الدولي وبناء تفاهمات تحفظ مصالح الأطراف المختلفة.
كيف تنظرين إلى دول القرن الأفريقي وارتباطها بمصر؟ تأتي دراسة إفريقيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل الأفريقي في مقدمة القضايا الاستراتيجية ذات الأهمية المتزايدة لمصر في ظل ما تشهده القارة من تحولات سياسية وأمنية عميقة أعادت تشكيل موازين القوى ومصادر التهديد فيها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الحرب لم تكن مجرد مواجهة وانما اختبار شامل للقدرة على التخطيط والتنفيذ عبقرية تحويل قناة السويس من مانع مائى صعب...
ست سنوات كاملة عاشها المصريون فى انتظار النصر، ولم يفقدوا الأمل؛ فقواميسهم لا تعرف كلمة اليأس.
زهدى: حرب أكتوبر نموذج لفهم طبيعة العلاقات بين مصر ومحيطها العربى والأفريقى الزهار: حرب أكتوبر أعادت صياغة معادلات القوة.. وفتحت...
التصالح فى مخالفات البناء والأحوال الشخصية على رأس الأولويات