د. محمد عثمان: العدوان على لبنان يمثل تهديدًا كبيرًا للتهدئة الإقليمية الأوسع تمارا حداد: الاحتلال يرى أن أى وقف للحرب دون إضعاف حلفاء إيران فى المنطقة سيُفسر كخسارة استراتيجية
فى اللحظة التى تنفس فيها العالم الصعداء عقب إعلان هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، انفجرت جبهة أخرى على نحو مفاجئ وهى لبنان، فبدلاً من انحسار التصعيد الإقليمي، شهدت الأراضى اللبنانية واحدة من أعنف موجات القصف الإسرائيلى منذ بداية الحرب، ما أثار تساؤلات عميقة حول أهداف هذا التصعيد وتوقيته ودلالاته السياسية والاستراتيجية.
فى هذا السياق، قال الدكتور محمد عثمان الباحث فى العلاقات الدولية، إن الكثير من الغموض وعدم اليقين يحيط ببعض تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، حيث من غير الواضح ما إذا كان تعليق العمليات العسكرية الإسرائيلية فى لبنان مدرجًا ضمن بنود الهدنة. طهران والوسيط الباكستانى مصرّان على شمول الاتفاق للبنان، أما واشنطن وتل أبيب فقد ادعتا أن الاتفاق يخص العمليات ضد إيران فقط، وأن حزب الله والجبهة اللبنانية مستثنيان منه ويضيف عثمان: بغض النظر عن صحة رواية كل طرف، يمثل العدوان الإسرائيلى على لبنان تهديدًا كبيرًا للتهدئة الإقليمية الأوسع. فاستمرار الضربات والتوغلات الإسرائيلية، بل وتصاعدها على نحو أكثر فتكًا ودموية خلال الأيام الماضية، يلقى بظلاله على المفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة فى إسلام آباد. وبالفعل، تهدد إيران بالانسحاب من المفاوضات، ولا تزال تعيق أغلب الملاحة فى مضيق هرمز بسبب استمرار الحرب فى لبنان.
يشير عثمان على خيار المفاوضات بعد الحرب الايرانية فيقول: تعليق الحرب على إيران وعودة المسار التفاوضى يعد انتكاسة كبيرة لنتنياهو، حيث لم تحقق إسرائيل نتائج حقيقية على الجبهة الإيرانية. وبالتالي، يتمسك الجانب الإسرائيلى باستمرار العمليات فى لبنان لتحقيق نصر بديل، بل ويأمل أن يؤدى التصعيد المستمر هناك إلى إسقاط الهدنة مع إيران واستئناف المواجهة معها.
يؤكد عثمان أن إسرائيل عازمة على مواصلة عملياتها فى لبنان فيقول: تتقدم عمليتها البرية فى الجنوب بوتيرة متسارعة، مع سيطرة على أغلب القرى والبلدات الحدودية، والانتقال نحو محاصرة مدينة بنت جبيل، إحدى أكبر البلدات جنوب نهر الليطاني. وتسعى إسرائيل إلى إنشاء منطقة عازلة تمتد فى عمق الأراضى اللبنانية وصولًا إلى الضفاف الجنوبية لنهر الليطاني، وفى حال تم تحقيق هذا الأمر، ستكون نحو ١٠% من مساحة لبنان خاضعة للاحتلال الإسرائيلي.
أما عن الوسطاء فيشدد عثمان على أن مصر وباكستان وتركيا، إلى جانب أطراف إقليمية ودولية أخرى، يصرّون على إدراج لبنان ضمن اتفاق الهدنة، ويعملون على الدفع فى هذا الاتجاه. وربما تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا لاحقًا على إسرائيل لخفض التصعيد فى لبنان حتى تمضى مفاوضات إسلام آباد قدمًا، لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كانت إدارة ترامب عازمة على فرض ضغوط حقيقية تجبر إسرائيل على التراجع عن هذا النهج التصعيدي.
تمارا حداد الباحثة السياسية تقول: الضربات لم تبدُ حدثا عسكريا عابرا، بل بدت محاولة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك الإقليمى وإعادة توجيه مسار الهدنة نفسها، إسرائيل اعتبرت الهدنة الأمريكية -الإيرانية اتفاقًا لا يشمل لبنان، حيث ان استمرار العمليات ضد ما تصفه تل أبيب بتهديدات مرتبطة بحزب الله.
وحول توقيت التصعيد تشير تمارا قائلة: يحمل دلالات أعمق منها رفض تثبيت معادلة تهدئة إقليمية شاملة فالهدنة بين واشنطن وطهران قد تؤدى إلى خفض نفوذ الخيار العسكري، وهو ما قد يقيد حرية الحركة الإسرائيلية مستقبلاً، مشيرة إلى أن إسرائيل ترى أن أى وقف للحرب دون إضعاف حلفاء إيران فى المنطقة سيُفسر كخسارة استراتيجية، ايضا فرض وقائع ميدانية قبل أى تسوية سياسية عبر تكثيف الضربات قبل تحول الهدنة إلى اتفاق دائم.
اختبار صبر
تشدد تمارا قائلة: إن أحد أخطر أهداف التصعيد هو اختبار صبر إيران والضربات الواسعة قد تدفع طهران أو حلفاءها إلى الرد، أى رد إيرانى يمكن أن يُستخدم لتبرير انهيار الهدنة، بذلك تتحول إسرائيل من طرف معرقل إلى طرف مدافع سياسيًا، أن استمرار الهجمات على لبنان قد يهدد الاتفاق الهش أصلا، لأن طهران تعتبر الساحة اللبنانية جزءا من معادلة الردع الإقليمي.
الضربات لم تقتصر على مواقع عسكرية، بل طالت مناطق واسعة فى بيروت والبقاع والجنوب، وأسفرت عن مئات الضحايا والجرحى وفق الدفاع المدنى اللبنانى وعن ذلك تؤكد دتمارا قائلة:
الضغط على البيئة الداخلية اللبنانية وخلق كلفة اقتصادية وإنسانية مرتفعة لدفع الداخل اللبنانى للضغط على المقاومة، وتفكيك القدرة اللوجيستية طويلة المدى وضرب الكهرباء والطرق والبنية الاقتصادية يحدّ من قدرة أى طرف على الاستمرار فى حرب استنزاف. وإعادة إنتاج نموذج الردع المدنى أى نقل الضغط من الجبهة العسكرية إلى المجتمع نفسه لإحداث تغيير سياسى داخلي.
تختتم تمارا تعليقها بالقول: الواقع الحالى يشير إلى معادلة خطيرة وهى هدنة هشة بين القوى الكبرى. وحرب نشطة على الأطراف الإقليمية، واحتمالية انفجار شامل إذا انهارت خطوط الضبط، و استمرار القصف قد يحوّل الهدنة إلى مجرد استراحة تكتيكية قبل جولة أعنف من الصراع.
ولفتت تمارا إلى أن ما يجرى فى لبنان ليس حدثا منفصلا عن هدنة إيران-أمريكا، بل هو اختبار حقيقى لها. فإسرائيل تسعى الى منع تثبيت توازن إقليمى جديد، وتقويض أى تسوية لا تعيد تشكيل الردع لصالحها، وإبقاء المنطقة فى حالة ضغط دائم.
بين هدنة معلنة وحرب مستمرة، يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طر إما انتقال تدريجى نحو تسوية شاملة أو انزلاق متسارع نحو فوضى إقليمية مفتوحة.
رامى زهدى الباحث فى العلاقات الدولية يتحدث حول التصعيد الاسرائيلى فى لبنان قائلًا: نحن أمام مشهد تصعيد دون حرب شاملة، تسعى فيه إسرائيل إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، بينما تحاول مصر وشركاؤها تثبيت التهدئة وفرض ارادة السلام، والتحدى الحقيقى يكمن فى منع هذا التصعيد المحسوب من الانزلاق إلى نقطة اللاعودة.
وأوضح أن هذا التكثيف يعكس توجها إسرائيليا لفصل المسار اللبنانى عن مسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، بمعنى أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بهذه الهدنة، بل تسعى لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة فى لبنان، تضمن لها حرية الحركة العسكرية، وتمنع ترسيخ أى معادلة ردع جديدة قد تقيدها مستقبلا، او تحاول استباق الزمن لتحقيق وضع ميدانى جديد يفرض وجودها فى أى مفاوضات.
يضيف زهدى قائلًا: تكثيف الضربات العسكرية يستهدف استفزاز إيران وجرها إلى اختراق هدنة وقف الحرب، والهدف ليس جر إيران إلى مواجهة شاملة، بل اختبار سقف ردها، ودفعها إلى رد محدود يمكن استثماره سياسيا لتبرير تصعيد إسرائيلى أكبر، فيما يبدو انها استراتيجية استفزاز مضبوط او ممنهج تهدف إلى إحراج طهران أمام حلفائها دون تفجير شامل.
يؤكد زهدى بقوله: الهدف يتجاوز البعد العسكرى إلى الضغط البنيوى على الدولة والمجتمع فى لبنان، إسرائيل تسعى إلى خلق كلفة داخلية مرتفعة، تترجم إلى ضغط شعبى على القوى الفاعلة، بما يؤدى إلى إضعاف بيئة الدعم، وإعادة تشكيل الداخل اللبنانى سياسيا واقتصاديا بما يخدم مصالحها الأمنية.
حول الدور المصرى فى المفاوضات، يؤكد قائلًا: يمكن لـ مصر أن تلعب دورًا مركزيًا عبر ثلاث أدوات، هى دبلوماسية نشطة لتثبيت الهدنة وتوسيع نطاقها، وتحريك الأطر العربية والدولية للضغط على إسرائيل، ثم تقديم مبادرات لضمان حماية المدنيين والبنية التحتية، والقيمة المضافة المصرية تكمن فى قدرتها على التواصل مع جميع الأطراف، بما يمنحها دور الوسيط الضامن الموثوق فيه دائمًا.
بشأن التفاهم الأمريكى الإسرائيلى بخصوص لبنان يشير زهدى قائلًا: الأقرب هو وجود تفاهم ضمنى وليس اتفاقًا رسميًا، الولايات المتحدة تمنح إسرائيل هامش حركة تكتيكي، طالما لا يؤدى ذلك إلى حرب إقليمية شاملة، وهذا يعكس إدارة أمريكية للصراع تقوم على الاحتواء بدرجة ما، مع الحفاظ على التحالف الاستراتيجي.
أعتقد أن المخطط لا يقوم على نسف الهدنة دفعة واحدة، بل على تفريغها تدريجيًا من مضمونها، يتم ذلك عبر عمليات عسكرية محدودة لكنها مستمرة، تبقى التوتر قائمًا وتمنع تثبيت الاستقرار، بما يؤدى فى النهاية إلى انهيار الهدنة عمليًا دون إعلان رسمي.
وحول العقوبات الدولية ودور مجلس الأمن فى ردع الكيان الصهوينى يقول: أرى أن الواقع يكشف عن أزمة بنيوية عميقة فى منظومة إنفاذ القانون الدولي، حيث يتحول مجلس الأمن الدولى من أداة لحفظ السلم والأمن إلى ساحة لإدارة التوازنات السياسية بين القوى الكبرى، فعلى الرغم من توافر مبررات قانونية واضحة لفرض إجراءات ملزمة على إسرائيل فى ضوء استهدافها المتكرر للمدنيين والبنية التحتية فى لبنان، إلا أن آليات المجلس تظل معطلة بفعل استخدام حق النقض (الفيتو)، خاصة من قبل الولايات المتحدة، التى توظف موقعها كعضو دائم لحماية حليفها الاستراتيجي، وهذا النمط لا يعكس فقط ازدواجية المعايير، بل يؤسس عمليا لنظام دولى انتقائي، يتم فيه تطبيق القانون على بعض الدول وتجاهله مع أخرى، الأخطر من ذلك أن هذا التعطيل لا يقتصر على منع صدور قرارات عقابية، بل يمتد إلى تفريغ القرارات القائمة من مضمونها التنفيذي، حيث تتحول إلى مجرد بيانات سياسية بلا أدوات إلزام، وبهذا، يصبح القانون الدولى أقرب إلى إطار نظرى يفتقر إلى آليات الردع الفعلية، خاصة فى ظل غياب إرادة جماعية لدى القوى الكبرى لتفعيل أدوات مثل العقوبات الاقتصادية أو التدابير القسرية.
ويختتم زهدى حدثيه قائلًا: النتيجة المباشرة هى خلق بيئة إفلات من العقاب، تشجع على التمادى فى الانتهاكات، وتمنح إسرائيل مساحة واسعة للتحرك دون تكلفة سياسية أو قانونية حقيقية، وبالتالي، ما نشهده ليس مجرد عجز مؤسسي، بل إعادة توظيف متعمدة لمنظومة الأمم المتحدة لخدمة توازنات القوة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشرعية الدولية نفسها، ومدى قدرتها على التعامل مع أزمات معقدة فى بيئة دولية تتآكل فيها قواعد العدالة لصالح اعتبارات النفوذ والمصالح.
ويرى الكاتب والباحث السياسى فتحى محمود، إن الهدف الإسرائيلى من وراء تكثيف الضربات على الجانب اللبنانى هو فصل المسار الإيرانى عن المسار اللبناني، وهو ما بدأ يتحقق فعليًا فهناك مفاوضات أساسية تشارك فيها إيران مع أمريكا؛ بينما هناك مسار منفصل للمفاوضات بين إسرائيل ولبنان فى واشنطن برعاية أمريكية، وإسرائيل هدفها الأساسى فصل مسارى التفاوض بين لبنان وحزب الله، والهدف الثانى من التوغل الإسرائيلى هو القضاء على البنية الأساسية لحزب الله فى ضربه والاستفراد فكل القوى الإسرائيلية موجهة ناحية لبنان.
ونبه إلى أن الهدف الثالث هو اجبار الدولة اللبنانية على الدخول فى مفاوضات سلام عبر تكثيف الضربات على البنى التحتية، وبالتالى زيادة الضغوط على لبنان فى هذا الشأن، بالإضافة الى محاولة زيادة الضغوط الداخلية على باقى الطوائف لكى تؤدى لضغوط على حزب الله لكى يصلوا فى النهاية إلى معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل واقصاء حزب الله، وهذه الضربات يعبر عنها اتفاق معلن بين أمريكا وإسرائيل، وبالتالى هناك تنسيق إسرائيلى أمريكى على ضرب لبنان وهدفه الرئيسى فصل المسار الإيرانى عن اللبناني، والعالم يتفرج على ما يحدث فى لبنان ولا يملك سوى الضغوط السياسية سواء من حكومة مصر أو حكومات عربية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أصدقاء ترامب جمعوا مليارات الدولارات خلال حرب الـ40 يومًا بتواطؤ الموساد والـCIA أبرز أصدقاء ترامب حوَّل رواتب ضباط وجنود قوات...
د. محمد عثمان: العدوان على لبنان يمثل تهديدًا كبيرًا للتهدئة الإقليمية الأوسع تمارا حداد: الاحتلال يرى أن أى وقف للحرب...
وساطات هادئة وتحركات دبلوماسية مكثفة.. البرديسى: القاهرة لا تبحث عن مكاسب دعائية أو حضور إعلامى فى إدارة الأزمات فرحات: مصر...
بشرى لأصحاب الأمراض النادرة.. بعد التوصل لبصمة قدماء المصريين