مصر والصين.. 70 عاماً من العلاقات الاستراتيجية

عاشور: حجم التبادل التجارى يصل إلى 18 مليار دولار خلال عام حجازي: تلاقى الأهداف بين «القاهرة» و«بكين» على كل المستويات

بعد أيام ؛ تمر على العلاقات بين مصر والصين سبعة عقود، سبعين عاما من العلاقات الدبلوماسية، بدأت بمجرد تبادل تجارى ثم باتت الصين الشريك التجارى الاكبر لمصر، وتصاعدت حتى أصبحت شريكا أساسيا مع الصين فى الخطوات الدولية سواء فى تجمع دول أو فى مبادرة الحزام والطريق، علاقة قامت على الاحترام المتبادل لثقافتين مختلفتين لكن لبلدين لهما ثقلهما فى محيطهم الاقليمى والدولي، فكلاهما ينتهج مبدأ احترام سيادة الدول وعلى اساسه تكون خطواتهم على المسرح الدولي، علاقات لخصها تصريح الرئيس الصينى شى جين بينغ خلال زيارته الرسمية لمصر عام 2024 "الصين ومصر أصدقاء حقيقيون وأخوة جيدون".

وعن طبيعة العلاقة بين الدولتين قال النائب مجدى عاشور عضو لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب قطاع البنية التحتية من أبرز مجالات التعاون بين مصر والصين خلال الفترة الماضية،  ففى العاصمة الإدارية الجديدة تم تنفيذ منطقة الأعمال المركزية بشراكة مع الصين، كما نفذت شركات صينية القطار الكهربائى الخفيف LRT والذى يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة، هناك تعاون فى بناء محطات الرياح وفى تكنولوجيا الخلايا الشمسية والهيدروجين الاخضر، كما استثمرت فى المناطق الصناعية من خلال منطقة "تيدا" فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وفى مصانع لتجميع السيارات، وبمساعدة صينية أيضا وعبر أرضها استطاعت مصر اطلاق قمرها الصناعى الأول والمصمم بأيد مصرية.

وأضاف: كذلك هناك تبادل للخبرات فى مجالات الزراعة من استصلاح أراض ومعالجة مياه، وفى الصحة التعاطى مع جائحة الكورونا واللقاحات خير دليل، وعلى مستوى السياحة هناك بعثات أثرية صينية كما تم تنظيم  المعرض المؤقت للآثار المصرية "قمة الهرم - حضارة مصر القديمة"،  وفى مجال التجارة فهى فى نمو مستمر حيث بلغ حجم التبادل التجارى بينهما لحوالى 17-18 مليار دولار فى عام 2024 بعد 13.9 مليار دولار فى 2023، مصر كذلك أحد الدول الاولى فى الانضمام لتجمع بريكس، وهو تجمع يسمح لدولة من  "الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا" بتقليل الاعتماد على الدولار فى التبادل التجارى بينهم، ويمهد للعمل على نظام مالى عالمى متعدد الأقطاب، مصر أيضا شريك اساسى  فى مبادرة "الحزام والطريق" والتى تركز على التنمية المستدامة بين بلدان المبادرة لخلق فرص استثمار وعمل على مداه.

وأوضح "عاشور" أنه على المستوى العسكرى نظمت مناورة نسور الحضارة لأول مرة فى 2025، والعام الذى نحن غلى مشارفه يتأكد ذلك حيث يؤرخ لمرور 70 سنة على العلاقات بين البلدين، وهو عام لتعزيز العلاقات للسنوات العشر القادمة كما أشارت الخارجية الصينية،  وهو ما يعنى مزيد من توطين الصناعة بتصنيع المنتجات الصينية لا مجرد استيرادها أو تجميعها، بالتركيز على مشروعات الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى وعلوم الفضاء ومشروعات مواجهة التغيرات المناخية، وكل ذلك لم يكن ليتأتى لولا العلاقات الطيبة والمصالح المشتركة بين البلدين وأيضا التناغم فى مواقفهما الخارجية، ومع إعلان إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تراجع اهتمام بلاده بقضايا المنطقة تصبح مصر بوابة البضائع الصينية للسوق الاوروبى والافريقى بفضل موقعها وعلاقاتها الجيدة مع الجميع.

ونوه بأن ترفيع العلاقات إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" يعكس إدراك بكين لمكانة مصر وقيادتها، فالتفاهم  بين رئيسا البلدين ساهم فى تسريع وتيرة المشروعات المشتركة، ووفر دعما سياسيا للمواقف المصرية فى القضايا المختلفة، حيث تتشارك مصر والصين فى مبدأ هام فى التعامل الدولى وهو ضرورة الحفاظ على مفهوم "الدولة الوطنية" ورفض التدخلات الخارجية، وهو ما ظهر فى التعامل الصينى مع قضية الحرب فى غزة،  حيث نجحت  سياسة التوازن الاستراتيجى التى انتهجتها الدبلوماسية المصرية فى الحفاظ على علاقة قوية مع واشنطن كوسيط أمني،  ومع الصين كظهير سياسى نسقت معه ضمن جهود أخرى للضغط فى مجلس الأمن من أجل وقف إطلاق النار ورفض التهجير، وحدث  ذلك مع مصر قبلا ايام ثورة 30 يونيو، حيث التزمت الصين مبدأها بعدم التدخل واحترام ارادة الشعب داعمة لخيارات الاستقرار ورافضة الضغوط التى مورست على مصر فى ظل حالة عدم الاستقرار التى عاشتها، وعلى نفس الخطى كان موقفها من السد الاثيوبى والتى تؤكد دوما على ضرورة الوصول لحل قانونى ملزم يحفظ حقوق مصر المائية.

فى ذات الاطار ، قال المحلل السياسى صلاح علام، إن علاقة مصر والصين وصلت لمستوى الشراكة الاستراتيجية، بعد سنوات من علاقات عادية منذ تولى الحزب الشيوعى ثم استقرار الأوضاع له سنة 1981، ومع نموها كقوة على المسرح الدولي، وبعد أن نجحت مصر فى أن تهدم كل مخططات الغرب لتقسيم المنطقة، وبعد أن صارت مصر قوة فى إقليمها ولها ثقلها، فكانت زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسى للدول من مبدأ هذه هى مصر تطمح فى مصالح مشتركة للجانبين، وليس مصر التى كان مخططا لها أن تكون أحد مكافآت الدول العظمى فى مخطط الفوضى الخلاقة، وهو ما شهدناه بعد ذلك من شراكات واستثمارات سواء من الجانب الصينى أو غيره، أيضا تتفق مصر والصين فى أنهما ينتهجان مبدأ عدم التدخل فى شئون الدول الأخرى، ظهر ذلك فى موقف الصين بعد 25 يناير و30 يونيو، ولو كان ذلك على المستوى الدبلوماسى فإن المستوى الاقتصادى والاستثمارى دليل على استقرار هذه الدولة لتكون استثماراتها فى مناطق صناعية على قناة السويس.

وأضاف أن الفترة القادمة ستشهد توطين صناعات على رأسها الإلكترونيات وتحديدا أجهزة المحمول وبدأنا فيها بالفعل، والسيارات الكهربائية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى وغيره من مجالات الاقتصاد الأزرق، وأى صناعة وانتاج تعنى خفض الاستيراد ما يعنى توفير عملة صعبة ، أو جلبها    بالتصدير أحد المجالات المهمة أيضا هى الهيدروجين الأخضر، لأن الحرب القادمة ليست على الماء كمصدر للشرب والزراعة والحياة، لكن أيضا كمصدر للطاقة بدلا عن البترول والغاز، العلاقات المصرية الصينية الطيبة وراء ترجيب الصين بالوجود المصرى فى بريكس وفى مبادرة الحزام والطريق والتى تضمنا تبادل تجارى للدول المشاركة بعملاتهم المحلية، ووجود مصر فى مبادرة الحزام والطريق هو تاكيد أخر على طبيعة العلاقات والمكانة المصرية، حيث الاستثمارات الصينية لتجهيز البنية التحتية له تم ذلك فى خطوط القطار الكهربائى والسريع وخط سكك حديد مصر كيب تاون، حتى تكون مصر مؤهلة كبوابة الصين لأفريقيا.

ولفت السفير محمد حجازى مساعد وزير الخارجية الأسبق لشئون آسيا، إلى أن علاقة مصر والصين لم تشوبها توترات، مشيرا إلى أن المتتبع لمسار العلاقات بين البلدين يجد أنها فى مؤشر متقدم وبشكل غير مسبوق على كل الأصعدة، مرجع ذلك يعود للوراء قليلا حينما كانت مصر أول الدول المعترفة بجمهورية الصين الشعبية بعد اعلان ماو تسى تونغ  فى 1949، فكانت مدخلا لاعتراف دول أفريقيا والعالم الثالث، كما دعمتها فى عودة جمهورية الصين الشعبية لمقعدها بالأمم المتحدة كممثل للصين بدلا عن جمهورية الصين القومية تايوان، وهو ما تحقق فى 1971، والصين لم تنس ذلك لمصر، وأضاف "حجاززى": ولو تابعنا نجد أن الصين كانت من أكثر الدول دعما لمصر بعد 30 يونيو، ومع طيب العلاقات بين رئيسى الدولتين اتخذت العلاقات منحى ايجابى بشكل أكبر وصل لأن يكون للصين دور فى أكثر من مجال تنموى واستراتيجى فى مصر، تقديرا لمكانتها ولما تتمتع به من امكانات، فمن تبادل الزيارات بين قيادات الدولتين، لـمناورة عسكرية مشتركة تدل على مدى التفاهم بينهما، انشاء المنطقة الصناعية على خليج السويس، انشاء الحى الادارى بالعاصمة الادارية الجديدة  باستثمارات تصل لـ20 مليار دولار تتحمها الحكومة الصينية، اهتمام بتواجد مصر فى مبادرة الحزام والطريق، وفى مجموعة البريكس ما يضع اطر أوسع للتشارك بينهما، وهو يؤسس لبديل عادل لمساعدة الاقتصاديات الوطنية  فى الدول النامية عن المنظمات التقليدية، كما تدعم الصين أيضا انخراط مصر فى منظمة شنغهاى للتعاون، والتى تتلاقى أهدافها فى مجالات الاقتصاد والتصنيع والتكنولوجيا والطاقة، مع رؤية مصر 2030 ، ما يعزز من مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية.

وتابع: تصريح الرئيس الأمريكى بعدم الاهتمام بقضايا المنطقة، لا يقرأ كانسحاب، حيث أن العلاقات التجارية مستمرة وراسخة بين الجانبين، وهناك مؤتمر سنوى دائم، وهذا لا يمنع أن الصين أيضا لها قوتها فى القارة والمنطقة وهى الشريك الأهم من خلال 300 مليار دولار حجم تعاون سنوي، بالإضافة لمؤتمر الصين أفريقيا لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بينهما، لكن هذا التصريح من المهم أن نأخذه فى اتجاه حل أزمات المنطقة فمع العلاقات الطيبة مع الصين والاتحاد الاوروبى وروسيا وأيضا الولايات المتحدة، يمكن على سبيل المثال أن يكون هناك دور لحل أزمة كسد النهضة، فلنتفق أولا أن  أن المشكلة الآن فى ادارته بحيث لا تسبب مشكلات لدول المصب، فيكون من المهم أن تلعب هذه القوى والمنظمات الدولية دورها فى "ممر التنمية الشرقي" كما أسميه، بما يحول إقليم نهر النيل لممر اقتصادى عالمى يحقق التنمية الاقليمية بالتعاون لا الصراع ويضمن أيضا استقرار الأوضاع فى البحر الأحمر وباب المندب، عبر الربط الكهربائى بين الدول الثلاث، والربط التجارى عبر الربط البرى وبالسكة الحديد، فتجد إثيوبيا الحبيسة جغرافيا مخرجا لتصدير الكهرباء وصادراتها عبر مصر لدول أوروبا والخليج.

 	هبة حسنى

هبة حسنى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

القوات الجوية و «كاتيك » الصينية تحتفلان بمرور 45 عاماً من التعاون الم

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص