فى وداع اللواء فؤاد حسين صفحات مطوية من تاريخ منظـمة سيناء العربية

ينضم كتابه " شبه جزيرة سيناء المقدسة" لقائمة الكتب التى أضاءت لنا الطريق لاستيعاب المعجزات الإلهية والملاحم البطولية على أرض الفيروز..

ويضيف لمسيرته ككاتب كونه واحداً من أبطال حربىّ الاستنزاف وأكتوبر، حتى إذا ما عرفنا أنه أحد أهم صقور المخابرات الحربية، أدركنا السر وراء ما كان يتمتع به من إحاطة شاملة، ورؤية نافذة، وعطاء عابر للأجيال بين ماض مجيد وواقع جديد.

إنه البطل الملقب بـ"صائد الجواسيس" اللواء فؤاد حسين- الذى رحل عن دنيانا قبل بضعة أيام - يتحدث فى آخر لقاء جمعنا وإياه عن رفاق الخندق الواحد من رموز المقاومة الشعبية، وأبطال منظمة سيناء العربية.. وما السطور التالية سوى إضاءات حول ما قام به "رادارت مصر البشرية" خلف خطوط العدو إبان أروع وأمجد أيام تاريخنا.

قبل سنوات جمعتنا الصدفة للقاء اللواء فؤاد حسين، وتكررت اللقاءات، فمنحنى كتابه عن سيناء، ودار حوار طويل حول ما أطلق عليه "المشروع القومى لمعرفة سيناء" وهى عبارة عن دراسة تحوى دليلاً شاملاً تناول فيه اللواء فؤاد قراءته الخاصة لماضى وحاضر سيناء بين التحديات والفرص.

واستعير بعضاً مما قاله فى تلك اللقاءات: "إن ثمة قصورا واضحاً لدى قطاع عريض من الشباب تجاه سيناء وأهلها المناضلين، كما أن البعض يجهلون الكثير عن تاريخ سيناء وجغرافيتها وأهميتها الأثرية والدينية والسياحية ومواردها الطبيعية التى وصفتها الكتب السماوية بخزائن الأرض"

"إن معظمنا لا يعرف سوى النذر القليل عن الستة وعشرين قبيلة من قبائل سيناء الموزعين بالشمال والوسط والجنوب.. لا يعرف الكثيرون منا شيئاً عن عادات أهل سيناء وتقاليدهم ومعيشتهم وأخلاقهم وقضائهم العرفى.. لذلك يتعين علينا جميعاً أن نعرف سيناء حق المعرفة، وأول خطوة لابد أن نبدأها أن نعلم الأجيال الجديدة ميراث البطولة والفداء الذى تركه مجاهدو سيناء أثناء حروب مصر المعاصرة وفى موقع القلب منها حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر"

ولأجل ذلك الهدف السامى نتأمل ما كتبه اللواء فؤاد حسين فى مؤلفاته حول عدد من أبرز مجاهدى سيناء.

 "اليماني" مجاهد سيناء الأول

يقول اللواء فؤاد حسين: إذا نظرنا إلى سيناء وترابها المقدس نجد أنها أنجبت أبناء أعزاء ورجال شرفاء ضحوا بحياتهم وبكل ما يملكون من مال قليل وجهد كثير وأمان مفقود فى سبيل الشرف والأرض والكرامة. والمجاهد محمد محمود اليمانى ضابط المخابرات الذى انطلق إلى سيناء فى العديد من المأموريات لجمع المعلومات عن العدو بعد نكسة يونيو 1967، واحتلال سيناء، أو لقيادة مجموعات من الفدائيين أبناء منظمة سيناء العربية الذين حيروا المخابرات الاسرائيلية وكبدوا العدو خسائر جسيمة فى الأفراد والمعدات. وهو نفسه رئيس المدينة فى الحكم المحلى الذى ساهم فى تعمير سيناء بعد تحريرها، وهو أيضاً ضابط الرقابة الإدارية ووكيلها الذى طارد الفاسدين والمرتشين، وهو نفسه رئيس مجلس إدارة جمعية مجاهدى سيناء  التى ترعى كل المجاهدين الذين ضحوا بالغالى والرخيص فى سبيل تحرير تراب بلادهم

كان محمد اليمانى مطلوباً من أجهزة المخابرات الاسرائيلية تطارده فى كل مكان، تبحث عنه فى الوديان والجبال، ومع ذلك دخل سيناء وخرج منها 64 مرة أثناء الاحتلال لتنفيذ المهام المكلف بها من المخابرات المصرية، وسار فوق رمال سيناء الطاهرة مئات الأميال وعبر الملاحات شرق بورسعيد ذهاباً وعودة مئات الساعات.

 حسن على خلف.. النمر الأسمر

هو شاب من منطقة "الجورة" فى الجنوب من الشيخ زويد، وهى أجمل مناطق شمال سيناء، تكثر بها مزارع الزيتون والخوخ والمشمش واللوز، وتنتشر بها أشجار النخيل بكثافة شديدة.

فى هذه المنطقة الصحراوية الهادئة نشأ حسن خلف أو "النمر الأسمر" كما يحلو لأبناء بلدته أن ينادوه، وهو من أسرة كبيرة وعريقة، فوالده الشيخ على حسن عضو مجلس الأمة عن سيناء بين عامى 1964- 1968، وعمه الشيخ خلف الخليفات ذو الشهرة الكبيرة والنضال المنظم فى مواجهة قوات الاحتلال الاسرائيلى بعد عدوان 1967.

كان حسن خلف لا يزال طالبا بالصف الثانى الثانوى عندما احتلت القوات الاسرائيلية سيناء عام 1967، وقد شهدت منطقة الجورة والشيخ زويد ورفح مجازر حقيقية على يد القوات الاسرائيلية التى كانت تقتل كل من يقابلها من المصريين فى سيناء سواء من الجنود أو المدنيين رجالا ونساء.. شاهد "حسن" كل ذلك أمام عينيه وبعدها أرسله والده إلى بورسعيد عبر الملاحات خوفاً عليه، ولكن بعد وصوله إلى البر الغربى التحق بأفراد منظمة سيناء العربية التى شكلتها المخابرات الحربية، وبعد تدريبه تم دفعه إلى سيناء فى أول مهمة خلف الخطوط لتصوير المواقع الاسرائيلية شمال سيناء فى مناطق رمانة وبئر العبد والعريش.

 توالت بعد ذلك عمليات حسن خلف الناجحة، وأهمها: ضرب قيادة القوات الاسرائيلية فى العريش والذى يضم عناصر المخابرات ومبيت لطيارى الهليكوبتر من طراز سوبر باير، وكان مقرها مبنى محافظة سيناء القديمة بالعريش، حيث تم ضرب القيادة الاسرائيلية بصواريخ الكاتيوشا، وكان معه فى هذه المهمة المستحيلة زميلاه براك جهينى وأحمد سالم والثلاثة من قبيلة السواركة، حيث قاموا بإطلاق 12 صاروخا على المبنى مكتوب عليها الله أكبر، وبعد نجاح العملية عادت المجموعة الفدائية سالمة.

بعدها بشهر واحد قام المجاهد حسن خلف ومعه الفدائى محمود الدهبيش بتنفيذ عملية أخرى قرب مطار تمادا لضرب الموقع الاسرائيلي، ولكن للأسف رصدتهم دورية اسرائيلية، وتم القبض عليهما بكامل تجهيزاتهما وأسلحتهما، وتم تعذيبهما بواسطة المخابرات الاسرائيلية، وحكمت عليهما المحكمة الاسرائيلية بالسجن لمدة 149 عاما نظير العمليات السابقة التى قاموا بها ضد القوات الاسرائيلية، وتم حبسهما فى سجن "أشكلون" فى مدينة "المجدل" قضى منها حسن وزميله أربع سنوات فقط، حيث أفرج عنهما ضمن صفقة تبادل الأسرى، وتم منحهما نوط الامتياز من الطبقة الأولى من السيد رئيس الجمهورية.

لوتؤ

 فدائى الترابين

هو عوده صباح لويمى الذى كان يقيم بوادى العمر بوسط سيناء، وهو من أفراد قبيلة الترابين، وقد أبلغ المخابرات الحربية المصرية عام 1972 أن القوات الاسرائيلية فى سيناء تقوم بالتدريب على عبور مانع مائى عند منطقة الروافع بوسط سيناء، وأنه شاهد معدات عبور عبارة عن براطيم فوق ناقلات كبيرة، وكان هذا الخبر من الأخبار الهامة والغريبة، فكيف تقوم اسرائيل بالتدريب على عبور مانع مائى فى هذا الوقت الذى تقوم فيه قواتنا أيضاً بالتدريب على عبور قناة السويس.

وقد أرسلت المخابرات الحربية إشارة عاجلة إلى "لويمى" لتأكيد هذه المعلومة فقام بإرسال بعض الصور الفوتوغرافية التى التقطها لمعدات العبور الاسرائيلية.

وفى عام 1973 وبعد عبور قواتنا قناة السويس وقبل حدوث الثغرة، أبلغنا عودة صباح لويمى فى أكتوبر 73 وقبل حدوث الثغرة أن معدات العبور السابق الإشارة إليها تخرج من المخازن وتتجه نحو قناة السويس، وكان ذلك أول بلاغ صحيح عن احتمال عبور العدو لقناة السويس فى الدفرسوار.

 رويشد.. مهندس الألغام

هو شاب من أبناء سيناء المجاهدين، تخصص زرع ألغام فى طريق مدرعات وعربات القوات الاسرائيلية، قام بعدة عمليات ناجحة بعد وضع الألغام فى أماكن مختلفة وإخفائها بطريقة فنية رائعة يصعب على القوات الاسرائيلية اكتشافها، حتى سمى بـ"مهندس الألغام"، وذاع صيته فى سيناء فبدأت المخابرات الاسرائيلية أمان فى البحث عنه فى كل مكان دون جدوى.

 سمحان موسى مطير

يعتبر الشيخ سمحان موسى مطير من أهم شيوخ جنوب سيناء وأكثرهم تقديرا واحتراما بين الأهالى، فهو ابن قاضيهم الشرعى السابق ورجل الدين السمح وأكثرهم دراية بسيناء وجبالها ووديانها، وأكثر المشايخ تعاوناً مع الحكومة المصرية.

كان الشيخ سمحان متواجداً فى سيناء عند اجتيازها بواسطة القوات الاسرائيلية، وبدأ مباشرة فى تقديم المساعدات لأفراد القوات المسلحة المنسحبين من سيناء وإيواء الشاردين منهم، ثم تمكن من العبور إلى البر الغربي، حيث وصل سفاجا على متن سفينة صغيرة، وقدم نفسه إلى المخابرات الحربية المصرية، وبدأ يتعاون معها فى إرسال رسائل إلى قبائل الجنوب عبر إذاعة صوت العرب فى برنامج "الشعب فى سيناء" ليحثهم على الصمود أن النصر قريب.

ثم بدأ الشيخ سمحان موسى مطير فى العمل من خلال منظمة سيناء العربية فى جمع المعلومات عن المواقع الاسرائيلية ومهاجمتها ووضع وزراعة الألغام فى طريق تحرك قواتها.

وقام الشيخ سمحان بتجهيز بيت بدوى فى أطراف مدينة السويس لضيافة أهالى سيناء الذين يحضرون من الشرق عن طريق لنش فنار أبو البروج،  وساهم فى اختبار وتدريب الكثيرين منهم لعمل مأموريات بالداخل لصالح المخابرات الحربية المصرية.

بعد تحرير سيناء تم منح الشيخ سمحان موسى مطير نوط الامتياز من الطبقة الأولى من السيد رئيس الجمهورية فى 27 فبراير 1980، كما تم منحه شهادة تقدير من المخابرات الحربية لدوره البارز فى مساعدة المجهود الحربى قبل وأثناء وبعد عمليات أكتوبر 1973.

 الشيخ متعب هجرس

شيخ قبيلة البياضية وأول شيخ ينضم إلى منظمة سيناء العربية، وأول من فتح بيته لاستقبال الآلاف من الجنود المصريين المنسحبين من سيناء عام 1967، وأول من قام بنفسه ورجاله بتوصيلهم إلى البر الغربي.

وهو أول شيخ يتم القبض عليه هو ومجموعة من رجاله بواسطة القوات الاسرائيلية عام 1968 ويوضع بالسجون الاسرائيلية، وهو كذلك أول شهيد يتم دفنه فى سيناء بعد عودة جزء منه عام 1977.

 المجاهدة فهيمة

هى أول سيدة بدوية تعمل فى منظمة سيناء العربية فهى حاملة جهاز اللاسلكى المتنقلة التى لا يدخل قلبها الخوف من العدو الاسرائيلي، وهى ناقلة التموين لأفراد خلف الخطوط، وهى أول سيدة يتم تكريمها بواسطة رئيس الجمهورية هى وزوجها ومنحها نوط الشجاعة من الطبقة الأولى، وقد قامت السيدة فهيمة بإيواء أحد الفدائيين فى منزلها فترة طويلة بعد أن حفرت له حفرة كبيرة وضعته فيها وغطته بأكوام من الحطب وكانت تقدم له الطعام والشراب وهو فى حفرته، وكانت سعيدة لأنها تقدم العون لمصر والمعلومات التى تفيد القوات المسلحة.

 الشيخ عيد أبو جرير

من الرجال الحقيقيين الذين لهم دور بارز فى مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، حيث أمر مريديه وأتباعه وهم كثيرون بجمع الأسلحة التى تركها الجيش المصرى وإخفائها فى أماكن سرية ثم إعادتها إلى القوات المصرية بعد الانسحاب، وقد طلبت منه القيادة المصرية ترشيح بعض الشباب لتدريبهم على أعمال المخابرات، فرشح ستة أفراد تم تدريبهم وتحققت على أيديهم نجاحات كبيرة فى مهام كلفوا بها داخل إسرائيل، وقد قام وزير الدفاع محمد صادق بزيارته فى جزيرة مسعود بالشرقية وشكره على مجهوداته لصالح القوات المسلحة وعلى إيوائه للمجاهدين ومباركته لهم قبل انطلاقهم إلى الأرض المحتلة لتنفيذ العمليات الفدائية.

 هدهد بئر العبد

يعتبر المجاهد شلاش خالد عرابى من أنشط مندوبى المخابرات الحربية وأبرز رجال منظمة سيناء العربية - الذى دوخ المخابرات الاسرائيلية بكل أجهزتها وأفقدها توازنها أواخر الستينات من القرن الماضي، لذلك رصد جهاز الأمن الاسرائيلى المعروف باسم "الشين بيت" آلاف الدولارات مكافأة لمن يرشد عنه أو يساعد فى القبض عليه حيا أو ميتا، وهو المجاهد الذى نُشرت قصته فى كتاب المخابرات السرية العربية للكاتب الاسرائيلى "ياكوف كاروز".

وهو الفدائى الذى قال عنه المدعى العام العسكرى الاسرائيلى "عوزى زاك"  بأنه وشبكته أخطر شبكات الجاسوسية التى كشفت عنها اسرائيل حتى الآن، وذلك أثناء محاكمته أمام المحكمة العسكرية الاسرائيلية والتى حكمت عليه بالسجن لمدة 39.

ولقد قبضت عليه المخابرات الاسرائيلية فى آخر عملية قام بها خلف خطوط العدو فى ديسمبر 1968 وهى العملية رقم 64 بعد مقاومة عنيفة منه وتبادل لإطلاق النار نتج عنه إصابته فى الفك وقطع فى اللسان، وقد عزبوه بقسوة وهو الجريح وأهانوه بخسة ونذالة وهو الأسير، فلم يزده ذلك إلا حماساً وقوة.

إنه هدهد بئر العبد الذى كتبت قصته كاملة فى كتاب يحمل نفس العنوان عام 1999، إنه بدوى مصرى أصيل ينتمى إلى أعرق قبائل شمال سيناء والذى منحه رئيس الجمهورية نوط الامتياز من الدرجة الأولى تقديراً لخدماته لصالح القوات المسلحة المصرية وتضحياته فى سبيل الوطن وذلك بعد الإفراج عنه بناء على طلب المخابرات الحربية المصرية فى مارس 1974 ضمن صفقة تبادل الأسرى.

 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

بتوجيهات رئاسية.. المحاكم العسكرية تنتظر مافيا المتاجرين بقوت الشعب

محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق

الحرب الأمريكية - الإيرانية.. ظهور أسلحة فتاكة لأول مرة في الشرق الأوسط

فرحات: موازين القوى تميل لصالح المحور الأمريكى الإسرائيلى لكن إيران تراهن على تحويل المنطقة إلى حقل ألغام الشيخ: إيران تتحرك...

المحور «الصينى الروسى».. قوة موازنة فى مواجهة الهيمنة الأحادية على العالم

إسماعيل: الصين ترى إيران شريان طاقة.. وروسيا تعتبرها حليفاً لكسر طوق حلف الناتو مكاوي: القوى الكبرى تتصارع على «المسرح الإيرانى»...

العالم يقف على أطراف أصابعه.. والاحتلال يسعى لتنفيذ مخططاته

أزمة خانقة تواجه المحور الأمريكى - الإسرائيلى.. وإطالة الحرب ليس فى مصلحة أحد