دمر 18 دبابة إسرائيلية واستحق وسـام الجمهورية العسكرى
كانت حرب الاستنزاف تشتعل، فيما كان جيل جديد قد انضم للقوات المسلحة يحدوه الأمل فى تحرير سيناء بالتضحية والفداء.. امتلكوا زمام المبادأة فحققوا المفاجأة ودخلوا تاريخ الحروب من أوسع الأبواب، آخذين بالأسباب، متسلحين بالعلم، محققين أرقى مستويات التدريب والكفاءة القتالية.
أمكن لأبناء هذا الجيل أن يقهروا المستحيل.. وأن يعبروا الحاجز الصعب محققين المعجزة فاستحق أن يكتب التاريخ العسكرى أسمائهم بسطور من نور.. هم رموز النصر المبين فى حرب أكتوبر 73 يتقدمهم رجال المدفعية وفى الصف الأول منهم صورة البطل الرقيب إبراهيم السيد عبد العال الذى استطاع أن يحظى بشرف تدمير 18 دبابة إسرائيلية خلال حرب أكتوبر.
ولد البطل إبراهيم عبد العال فى قرية نوب طريف التابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية.. حفظ القرآن الكريم بكتاب القرية على يد الشيخ المقرئ محمد السيد والذى تتلمذ على يديه نوابغ الثقافة بالدقهلية.
التحق البطل "ابراهيم" بمدرسة القرية الابتدائية، وشق طريقه الدراسى حصولا على دبلوم الثانوية التجارية بمدرسة المنصورة ليبدأ حياته المهنية محاسباً.. كان يحلم باستكمال دراسته الجامعية لكنه آثر - بدافع الواجب - أن يرجئ هذا الحلم لحين تحرير سيناء.. التحق بالقوات المسلحة عام 69 وظل يتدرب حتى ساهم فى تحقق نصر أكتوبر حيث استطاع وطاقمه تدمير 18 دبابة اسرائيلية.. وبعد انتهار المعارك استأنف دراسته الجامعية وحصل على بكالوريوس التجارة، ثم نال دبلوم الدراسات العليا فى قسم المراجعة بجامعة المنصورة.. وخلال حياته الحافلة ظل مثالاً لمعنى التفانى والعطاء.
معاً نقلب يومياته ونستعرض ذكرياته وبطولاته المسجلة كما ذكرها بنفسه فى كتيب صادر عن هيئة البحوث العسكرية تحت عنوان " التوثيق التاريخى لقاهر الدبابات ابراهيم عبد العال"
يستهل البطل يومياته بالحديث انطلاقاً من التحاقه بالجبهة إبان حرب الاستنزاف بقوله: كان يقوم بتدريبنا الخبراء الروس، وكم كان قاسياً علينا ما نسمعه منهم دائماً بأنه لا يوجد جندى فى العالم يحصل على درجة ممتاز فى دقة التصويب بصواريخ الأهرام سوى الجنود الروس فقط.
وكم كانت سعادتنا عند نهاية الاختبار أننى وتسعة من زملائى حصلنا على درجة ممتاز، مما أدهش الخبراء الروس.. وبعد طرد الخبراء من مصر باستكمال تدريبنا ضباط مصريون بمستوى أعلى من الخبراء الروس أنفسهم.
أثار فى نفوسنا ما كنا نقرأه فى الجرائد التى كانت تصلنا من زملائنا العائدين من الأجازات.. وأتذكر ما قاله رئيس وزراء اسرائيل "بن جوريون" الملقب عندهم بـ "نبى إسرائيل المسلح" والذى أكد فى أحد تصريحاته أن "حدود اسرائيل تكون حيث يقف جنودنا" مما جعل عزيمتنا أكبر على تدمير العدو المغرور.
كان التدريب الخارجى يتم على إعداد وتجهيز الصواريخ المضادة للدبابات، وكنا نحقق أرقاماً قياسية فى الإعداد والتجهيز تفوق المعدلات الزمنية التى قام الخبراء الروس بتدريبنا عليها.
فى عام 1970 حصلت على درجة عريف نظراً للكفاءة فى التدريب، وكان لهذه الترقية عظيم الأثر فى الاستمرار والتقدم فى التدريب. وفى هذا العام انتقلت كتيبتى من قرية "حناديد" بطنطا إلى موقع آخر على طريق القاهرة - السويس.
تم إجراء العديد من المسابقات بين الرماة على مستوى الكتيبة، وكذلك بين كتائب القوات المسلحة، وحصلت كتيبتى على المركز الأول.. بعدها تم تنفيذ رماية الصواريخ الحية "الأهرام" أمام مدير المدفعية، وكان أول الرماة هو زميلى العريف محمد عبد العاطي، وكان التصويب على دبابة هيكلية على مسافة 2.5 كيلومتر، وتم إصابة الهدف، مما أثار إعجاب جميع الحاضرين.
جاء دورى فى تنفيذ الرماية، وكانت هناك رهبة تملأ نفسي، إذ كان التنفيذ يتم أمام حشد من القادة، وتم التركيز بصورة ممتازة حتى قمت بإطلاق الصاروخ وإصابة الهدف بفضل الله.. ونظراً لكفاءة الكتيبة فى الرماية فقد تم إلحاقها على مدفعية إحدى الفرق، وذلك فى شهر نوفمبر 1970.
تم تعيين الرائد عبد الجابر أحمد كقائد جديد للكتيبة خلفاً للرائد جلال الجيار، وتم إلحاق السرية التى أعمل بها على قيادة اللواء المشاة حتى تقوم بالعمل فى قطاع اللواء، وكانت فصيلتى تعمل فى مواجهة كتيبة مشاة بقيادة المقدم أركان حرب حسين طنطاوي.
يوم 6 أكتوبر تم العبور مع الموجات الأولى مع الكتيبة المشاة فى القوارب المطاطية، وكنت أحمل الصواريخ ومعى باقى أفراد الطاقم بكامل أسلحتنا ومعداتنا، ولم أقم فى هذا اليوم بالاشتباك مع أى دبابة، ولكن تم تدمير أكثر من 10 دبابات بواسطة جنود كتيبة المشاة.
يوم 7 أكتوبر قام العدو بالهجوم علينا بعدد كبير من الدبابات، وقمت بتجهيز الصواريخ، وأطلقت الصاروخ الأول والجميع يراقب الصاروخ فى اتجاه الدبابة، ولكن سقط على الأرض لانتهاء زمن المرور، حيث كانت الدبابة خارج المدى، وحزنت جداً لذلك، لكن لم يدم حزنى طويلاً، حيث شاهدت الدبابة وهى تُدَمر من صاروخ آخر أُطلِق عليها من طاقم آخر على مقربة منا بعد فترة قصيرة، وأهاد العدو الهجوم علينا بالدبابات، فأطلقت صاروخا آخر عليها وتم تدميرها، وانسحبت باقى دبابات العدو.
يوم 8 أكتوبر صدرت لنا الأوامر بالتقدم لمسافة 12 كيلومترا من القناة، وعند الدخول للموقع المحدد تم تجهيز الصواريخ والحفر البرميلية، وتم عمل إختبار للتأكد من صلاحية الصواريخ. وبدأ العدو الهجوم علينا بعدد 10 دبابات فى آخر ضوء، وكانت الدبابات تتقدم بسرعة كبيرة، فقمت بإطلاق صاروخ على إحداها، وتم تدميرها، وتوالت الصواريخ من باقى الأطقم على الدبابات المعادية.
يوم 9 أكتوبر قام العدو بقصف من المدفعية والطيران بصورة عشوائية على مواقع الكتيبة، وفى نفس الوقت تقدمت الكثير من دبابات العدو فى اتجاهنا، وكنا مستعدين لهذا الهجوم بصواريخنا، وقمت بتدمير 6 دبابات للعدو فى أقل من نصف ساعة، وكم كنت سعيداً بهذا العدد من الدبابات التى قمت بتدميرها، فهو أعلى رقم حتى ذلك اليوم، وطلبت من قائد السرية التقدم للأمام لعمل كمائن للدبابات الاسرائيلية التى هى خارج مرمى الصواريخ، ولكن رفض ذلك حتى أحقق أكبر معدل من تدمير الدبابات، وأقسم أنه سوف يحملنى على كتفه بعد انتهاء المعركة ليقدمنى إلى رئيس الجمهورية تقديرا للأعمال التى قمت بها.
يوم 12 أكتوبر تم الاشتباك مع عدد من الدبابات الاسرائيلية التى كانت تهاجم مواجهة الكتيبة، وكانت تحاول التحرك بصورة متقاطعة بغرض تشتيت الصواريخ المصرية، ولكن بفضل الله تم تدميرها.
يوم 13 أكتوبر وفى الساعة العاشرة شاهدت 7 دبابات تتقدم للهجوم على الكتيبة وهى تطلق النيران من كل اتجاه بغرض تدمير أطقم اقتناص الدبابات، وعند دخولها مرمى الصواريخ تم الإطلاق عليها وتدميرها.
يوم 14 أكتوبر كانت الدبابات تهاجمنا منذ الصباح بسرعة كبيرة فى محاولة لاختراق مواقعنا، وكنا فى سباق مع الزمن لتجهيز الصواريخ لصد هذا الهجوم، وكانت المسافة بين الصواريخ والدبابات فى حدود 2 كيلومتر، وتم إطلاق أول صاروخ وأصاب الدبابة التى اشتعلت من الداخل، وتم إطلاق صاروخ آخر دمر دبابة أخرى، وتم مهاجمتنا بواسطة أفراد المظلات الاسرائيلية، وكانوا على بعد أمتار منا يطلقون رصاص رشاشاتهم علينا، واستشهد العديد من أفراد الطاقم وأفراد المشاة، وخطرت لى فكرة نتمكن بها من قتل أفراد العدو القريبين منا.. قمت بخلع خوذتى ووضعتها على "كوريك" ورفعتها فى الهواء، فقام العدو بإطلاق النار، ثم أنزلت الخوذة مرة أخرى وأعدت رفعها مرات حتى قمت فى المرة الأخيرة بعدم رفعها، وظن جنود العدو أنهم قتلوني، وتقدموا نحو موقعنا فى ثقة وغرور، فقمنا بفتح النار عليهم وقتلناهم كلهم.
يوم 17 أكتوبر تم الانتقال لموقع آخر على يمين كتيبة مشاة على تبة مرتفعة، وتم تجهيز الصواريخ، وشاهدت إحدى العربات المجنزرة التى تحمل بعض أفراد العدو تتقدم نحونا، فقمت بإطلاق صاروخ عليها وتم تدميرها وقتل الجنود الاسرائيليين. وتبقى معى صاروخ واحد فقط، وشاهدت طائرة هليكوبتر للعدو تلوح فى السماء، وخطرت لى فكرة تدميرها حيث رأيتها بمنظار التحكم، ولكن إحدى طلقات المدفعية أصابت الصاروخ ودمرته، ولم أتمكن من هذا الصيد الثمين.
يوم 18 أكتوبر تم إمدادنا ببعض الصواريخ والذخائر وعند الظهر شاهدت دبابة اسرائيلية متسللة وخلفها أربعة دبابات أخرى فى اتجاه الكتيبة، وأطلقت الصاروخ على الدبابة التى فى المقدمة وتم تدميرها، وتعامل باقى الرماة مع الدبابات الأخرى وتم تدمير دبابة منها. وتقدمت باقى الدبابات نحونا، فقام أحد الرماة بالضرب عليها، ولكنه لم يصيبها، فقمت بإطلاق صاروخ عليها وتم إصابتها وتدميرها.
عند وقف إطلاق النيران كان البطل ابراهيم السيد عبد العال قد دمر 18 دبابة.. ويبقى من هذا المقاتل الفذ سيرته الفدائية ومآثره الإنسانية المصرية الأصيلة، فقد أورد كتيب " التوثيق التاريخى للرقيب ابراهيم" والصادر عن هيئة البحوث العسكرية أهم ما قيل عنه ونورد إشادات قادته بقولهم: " كانت ثقة هذا البطل فى قادته كاملة، مما جعله يتقبل الأوامر بروح طيبة، ولايجد صعوبة فى نفسه عند تنفيذها، بل كانت تزيده إصرارا على المزيد من التدريب ورفع الكفاءة القتالية.. وكان من عوامل نجاحه تدمير هذا العدد الهائل من دبابات العدو هو دقة التصويب، وانتظار الهدف حتى يكون فى داخل المرمى المؤثر، وذلك يؤدى أيضاً إلى تقليل استهلاك الذخيرة، وزيادة فترة الصمود، وزيادة عدد أهداف العدو المُدَمرة.. وكانت سرعة إخلاء البطل لموقعه بعد كل اشتباك، أو عند شعوره أن العدو قد اكتشف موقعه من أهم عوامل عدم إصابته، واستمرار عمله طوال المعركة فى كفاءة تامة.. لكل هذا الإرث العسكرى والتفانى فى خدمة العسكرية المصرية توج البطل إبراهيم السيد عبد العال مسيرته الحافلة بالحصول على عدد من الأوسمة والأنواط ومن بينها: وسام الجمهورية العسكرى من الطبقة الأولى.. رحم الله إبن مصر وفخر المدفعية والعسكرية المصرية إبراهيم السيد عبد العال.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هلا أبو سعيد: حكومة الاحتلال تتغذى على الحروب.. والعدو لايلتزم باتفاقات حسن صبرا: «عبدالناصر» قالها زمان.. السلام بدون دفاع عنه...
أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة عميد أركان حرب غريب عبد الحافظ غريب، إطلاق سلسة أفلام "حكاية بطل" على الصفحات الرسمية...
سيد شهداء معارك الكرامة الوطنية
تحسين جودة الخدمات الموجهة للمواطنين.. والتوسع فى إقامة السلاسل التجارية تطوير الصناعات الدفاعية.. وتعزيز قدرات شركات الإنتاج الحربى