معارك الردع ترفع الحرب الإقليمية من جدول الأعمال

تتفادى كافة الدوائر الدولية تصعيدًا يصعب السيطرة عليه فى منطقة الشرق الأوسط، لكنها فى المقابل تأبى تنازلًا عن الردع الإقليمي

، ولعل التحركات العسكرية الروسية والأمريكية الأخيرة فى مياه البحرين الأحمر والمتوسط تعكس ملامح واضحة للتناحر حول البقاء فى المشهد الإقليمى دون قتال. حتى التطورات الأمنية الأخيرة فى الأراضى المحتلة، لا تعكس إقبالًا على حرب مع إيران و«حزب الله»، إذ اكتفت إسرائيل بقصف بعض مواقع فى الجنوب اللبناني، ولم يكلِّف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله نفسه عناء التعليق عليها؛ وفى المقابل أوصى رئيس الأركان الإسرائيلى أفيف كوخافى بالتراجع عن أى استهداف للحزب رغم التصريحات العنترية التى سبقت انعقاد جلسة المجلس الوزارى الإسرائيلى المصغر للشئون السياسية والأمنية (الكابينت).

أما المناوشات التى شهدها الداخل الإسرائيلى وعلى خطوط التماس مع غزة ولبنان وسوريا، فلا تعدو افتعالًا لأحداث استغلها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو جيدًا لإبعاد الأنظار عن الاحتجاجات وأزمات الائتلاف فى عديد القضايا، لاسيما المستوطنات وما أسماه بالإصلاحات القضائية، التى تهدف إلى التغول فى صلاحيات المحكمة العليا والمنظومة القضائية بشكل عام لصالح الائتلاف الحكومى المتطرف.

فى ظل هذا الواقع، لايمكن استبعاد جنوح الدوائر الدولية بما فى ذلك إسرائيل لهدف الاحتفاظ بقوة الردع فى الشرق الأوسط، فالتسريبات التى رصدتها دوائر عسكرية إقليمية تشير إلى زيارة السفينة الحربية الروسية «أدميرال جورشكوف» Admiral Gorshkov قبل أيام ميناء جدة السعودي، وكانت السفينة تحمل على متنها صواريخ بحرية نووية من طراز «زيخرون» Zircon hypersonic cruise missiles، ورغم أن موسكو لم تبرر زيارة السفينة الأولى من نوعها لميناء سعودي، ومغادرتها الميناء ذاته بعد فترة وجيزة متجهة إلى ميناء طرطوس السوري، إلا أن تل أبيب اعتبرت الخطوة الروسية رسالة دعم للرياض، لاسيما أن الزيارة جاءت فى أعقاب قرار السعودية تقليص حجم انتاجها من النفط إلى مليون برميل فى اليوم، وهو ما أدى إلى ارتفاع عالمى فى أسعار النفط بنسبة وصلت إلى 6,5%، ووصول أسعار النفط قبل أيام إلى 58 دولارا للبرميل الواحد؛ وفسرت الدوائر ذاتها الخطوة السعودية بأنها تأتى فى إطار مساعدة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى نفقات الحرب الدائرة فى أوكرانيا.

 الغواصة فلوريدا

ردًا على الخطوة الروسية، عززت واشنطن تواجد قواتها فى البحرين الأبيض والأحمر، ووفقًا لتقارير نشرتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، دخلت غواصة الصواريخ الأمريكية المحمولة «فلوريدا» USS Florida مياه البحر الأحمر خلال الأيام القليلة الماضية؛ والغواصة حسب التقارير الأمريكية قادرة على حمل 150 صاروخا بحريا من طراز «توماهوك» Tomahawk cruise missiles. وحسب دوريات عسكرية أمريكية، تستطيع صواريخ «توماهوك» التى يتم إطلاقها من السفن أو الغواصات أن تصيب أهدافًا على بعد 2.500 كيلومتر (1500 ميل)؛ واشتهرت هذه الصواريخ عندما تم استخدامها خلال العمليات التى قادتها الولايات المتحدة فى العراق عام 2003، وفى الرد على ما اعتبرته واشنطن هجومًا بالأسلحة الكيماوية السورية فى عام 2018.

يضاف إلى ذلك استقرار سرب الطائرات الأمريكية الهجومية من طراز A-10 فى مياه البحر المتوسط؛ وفى حين لم تعلن روسيا أسباب زيارة سفينتها الحربية الميناء السعودى على البحر الأحمر، نقلت «وول ستريت جورنال» عن دوائر عسكرية فى واشنطن أن التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة أعقبت ورود معلومات استخباراتية تفيد باعتزام إيران تنفيذ عمليات عسكرية فى المنطقة.

 تبرير أمريكي

الصحيفة المحسوبة على التيار المحافظ فى واشنطن، حاولت جاهدة من خلال ما وصفته بالدوائر العسكرية تبرير التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، لكن معلوماتها تناقضت مع تحليلات أمريكية أخرى عزت التحركات ذاتها إلى حرص إدارة جو بايدن على الدفاع عن 900 جندى أمريكى فى سوريا، وهو التبرير الذى سعت إسرائيل هى الأخرى لترسيخه، خاصة أنه يصب فى مصلحتها على الجبهة السورية، ويدعم طلعاتها الجوية المتكررة فى سماء العاصمة دمشق وضواحيها.

ورأى تقرير نشره موقع «نتسيف» العبرى أن تحركات الولايات المتحدة العسكرية فى مياه البحرين الأبيض والأحمر تؤشر إلى اعتزام إيران شن هجمات على أهداف إسرائيلية أو أمريكية أو لدى حلفاء واشنطن فى المنطقة. لكن تناقض التناول الإسرائيلى فرض نفسه على الواقع، إذ أبدت تل أبيب فى الوقت نفسه مخاوف من تنامى حصول الإيرانيين على صفقة صواريخ روسية تفوق سرعة الصوت، وزادت مخاوف إسرائيل فى ظل قدرات الصواريخ الروسية من هذا النوع، لاسيما وأنها بمثابة إضافة حديثة لترسانة الأسلحة الإيرانية المتقدمة، إذ تضيف مزايا للصواريخ الباليستية الإيرانية التقليدية، فضلًا عن قدرتها على التحرك بسرعات أعلى بكثير، وأداء مسارات طيران أكثر تنوعًا، وتشكل الصواريخ التى تفوق سرعتها سرعة الصوت تحديًا هائلاً أمام المنظومات الرادارية المضادة للطائرات. علاوة على ذلك، ومن خلال الطيران على ارتفاعات منخفضة أثناء جزء من رحلتها، تستطيع هذه الصواريخ اكتساب خاصية فريدة فى الأوضاع والمواقف القتالية.

 الردع فقط

وما يؤشر إلى اقتصار التحركات العسكرية الأمريكية والروسية على الردع فقط، هو القلق الإسرائيلى أيضًا وبشكل لا يقبل التأويل من الاستخدام المحتمل للصواريخ التى تفوق سرعتها سرعة الصوت من قبل الدول المعادية مثل إيران، إذ تعمل روسيا بالفعل ومنذ عام 2019 على تطوير منظومات صاروخية من طراز Kh-47M2 Kinzhal، التى تتمتع بالقدرة على مواجهة أنظمة الدفاع الجوى الأمريكية.

إذا كانت إسرائيل قد أبدت قلقها فى الماضى من احتمالية نقل تكنولوجيا الصواريخ فوق الصوتية من كوريا الشمالية إلى إيران فى الماضي، فليس ثمة شك فى تنامى مخاوفها فى الوقت الراهن من احتمالية نقل صواريخ من طراز Kinjal وخبرتها الانتاجية إلى الإيرانيين، خاصة بعد شراء طهران مؤخرًا مقاتلات روسية من طراز «سوخوى – 35» Su-35 متعددة المهام، واحتمالية شرائها أيضًا منظومات دفاعات جوية روسية من طراز S-400.

وربما يتفاقم القلق الإسرائيلى مع إدراك تل أبيب للخطر الكبير الذى تشكله الصواريخ التى تفوق سرعتها سرعة الصوت، والتى يصعب اعتراضها. وتؤكد تسريبات عسكرية إسرائيلية عمل الدوائر البحثية الأمنية فى تل أبيب بالتعاون مع الولايات المتحدة على تعديل تكنولوجيا الدفاعات الجوية للتعاطى مع التهديد الإيرانى المحتمل، رغم ما يتطلبه هذا العمل من جهد ووقت وموارد عالية التكلفة، وهو ما يجبر إسرائيل وقبلها الولايات المتحدة على تصعيد بحرب ضد إيران فى المستقبل المنظور، ويبقى على حروب الردع خيارًا صفريًا أمام الجميع.

 تحالف كلاسيكي

بمنظور أقل تعقيدًا، تدرك واشنطن ومعها تل أبيب اتساع دائرة التقارب الروسى مع دول المنطقة؛ فإلى جانب التحالف الكلاسيكى بين موسكو وطهران، أعادت الدول العربية وفى طليعتها المملكة العربية السعودية علاقاتها بالدولة الفارسية، وتعززت فى المقابل علاقات دول الخليج مع روسيا على حساب نظيرتها مع الولايات المتحدة، وتبخَّر فى الوقت نفسه تطلع واشنطن وتل أبيب لتحالف مع ما أسمتاه بـ«معسكر الدول السنية أو المعتدلة».

ورغم تفاقم الأوضاع الأمنية فى الأراضى المحتلة، وامتداد ألسنة اللهب من القدس المحتلة إلى جبهتى الشمال والجنوب الإسرائيلي، واشتعال النيران فى الجنوب اللبنانى وقطاع غزة بفعل القصف الإسرائيلى خلال الآونة الأخيرة، إلا أن كافة الدوائر الضالعة فى بؤرة الصراع لا ترغب فى التصعيد بمعناه الشمولي، خاصة وأنه يقود حتمًا إلى توريط الولايات المتحدة وروسيا فى مواجهة جديدة، تفوق فى حدتها الحرب الدائرة على المسرح الأوكراني.

إذا كانت التحركات العسكرية الروسية الأمريكية الجارية على مسرح الشرق الأوسط تقتصر على الردع فقط؛ فالحديث عن اقتراب قرع طبول الحرب مع إيران أو غيرها من الجبهات لا ينطوى على دليل دامغ باستثناء معارك خاطفة هنا وهناك، يطلق عليها الخبراء «معارك ما بين الحروب»، وهو ما يفرض على الجميع إقليميًا ودوليًا الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتجنيب الشعوب ويلات الحروب.

 

 

 	 محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...