شريف إسماعيل.. رحيل محارب فى سبيل الوطن

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره؛ ودّعت مصر ـ حكومة وشعبًا ـ واحدًا من أخلص الرجال.. وطنيًا من طراز فريد..تحمّل مسئولية

بلاده فى أصعب الأوقات.. إنه المهندس شريف إسماعيل الذى لم يتوان لحظة عن خدمة بلاده فى أحرج اللحظات التى مر بها الوطن.. واجه الراحل المرض اللعين بكل جسارة وبسالة لأكثر من أربع  سنوات، ولم تثنه الآلام المبرحة عن أداء واجبه تجاه وطنه؛ إلى أن وافته المنية مساء الرابع من فبراير 2023.

وبقدر ما قدّمه من تضحيات وجهود جليلة لانتشال بلاده من الأنواء التى مرت بها فى أعقاب ثورتى "25 يناير" و"30 يونيو"؛ جاء تشييع جثمان الراحل شريف إسماعيل إلى مأواه الأخير؛ ليؤكد أن مصر لا تنسى أبناءها المخلصين؛ حيث أقيمت جنازة عسكرية مهيبة تقدمّها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، إلى جانب عدد كبير من كبار رجال الدولة والحكومة المصرية.

 الرئيس "السيسي" يتقدم المشيعين

رغم المهام الجسام الملقاة على عاتقه إلا أن الرئيس "السيسي" حرص على تقديم واجب العزاء لأسرة الراحل ومحبيه، قائلاً: أنعى بخالص الحزن والأسى رجلًا فاضلًا من خيرة رجال مصر.. رجلًا تجّسد فيه ضمير هذه الأمة، رئيس الوزراء السابق الدكتور الجليل شريف إسماعيل".

وفى إشارة إلى حجم الجهود والتضحيات التى قدمها لخدمة هذا البلد، أضاف الرئيس "السيسي":  الراحل كان رجلًا عظيمًا بحق، تحمل المسئولية فى أصعب الظروف وأحلك الأوقات، وكان على قدر المسئولية الصعبة".

وتابع: "لم أر من الراحل العظيم إلا كل تجرد وإخلاص وأمانة ورغبة فى العطاء، مترفعا عن كل المكاسب، لا يبتغى أى شيء إلا مصلحة وطنه وشعبه"،مختتمًا بقوله: "أعزى نفسى وأعزى الشعب المصرى فى فقدان هذا الرجل المخلص، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

تولى الراحل المهندس شريف إسماعيل تشكيل الوزارة فى 12 سبتمبر 2015، إلى أن تقدم باستقالته فى الخامس من يونيو 2018 بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، وتأدية الرئيس "السيسي" اليمين الدستورية لفترته الرئاسية الثانية فى 2 يونيو 2018.

لقد استحق الراحل  لقب "مقاتل" من طراز فريد، ولم لا وقد تصدى للكثير من العقبات الاقتصادية والسياسية التى كانت كفيلة بسقوط الدولة المصرية بسبب المؤامرات التى تعرضت لها الدولة المصرية فى أعقاب ثورة "25 يناير"، ناهيك عن أنه تحمًل تبعات العديد من القرارات الاقتصادية، التى كان لها بالغ الأثر على حياة المواطن البسيط.. تلك القرارات الإصلاحية التى لم يجرؤ أى من رؤساء الجمهورية أو رؤساء الحكومات على الاقتراب منها منذ سبعينات القرن الماضي.

 جهود مضنية فى خدمة البلد

ظروف الرجل الصحية لم تتحمل حجم الأعباء الملقاة على عاتقه، وخلال توليه مهام وزارة البترول فى حكومة المهندس إبراهيم محلب الأولى أصيب بوعكة صحية، أجبرته على السفر لتلقى العلاج فى الخارج، ونظرًا لكفاءته فى إدارة الملفات الموكلة إليه اضطر "محلب" لتكليف المهندس هانى ضاحى وزير النقل آنذاك بإدارة وزارة البترول حتى عاد "إسماعيل" من رحلته العلاجية فى الثامن من يوليو 2015.

وبفضل خبرته الواسعة فى إدارة ملف الطاقة، ونجاحه منقطع النظير فى حل أزمة نقص الوقود التى دخلت فيها البلاد فى أعقاب ثورة 25 يناير، كلّفه الرئيس "السيسي" بتشكيل الحكومة الجديدة فى 12 سبتمبر من العام 2015.. ولن نبالغ إذا قلنا إنه بذل جهودًا مضنية فى إقناع شركات البترول العالمية بإعادة العمل فى التنقيب والاستكشاف داخل مناطق الامتياز المصرية، بعد أن كانت توقفت عن العمل بسبب تراكم ديونها لدى الحكومة المصرية.

وحتى يتضح حجم الجهود التى بذلتها حكومة المهندس شريف إسماعيل فى هذا الملف فقط، لابد من العودة إلى الوراء قليلا لندرك طبيعة الأزمات الطاحنة التى كانت تمر بها البلاد بسبب نقص إمدادات الطاقة، فقد شهدت الفترة من 2000 إلى 2010 تزايد الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج إلى 50%، مقارنة بـ7.4% فى نهاية التسعينات، علمًا بأن محطات الكهرباء تستحوذ على  36% من إجمالى استهلاك المنتجات البترولية والغاز الطبيعي، يليها قطاع النقل الذى يستهلك حوالى 10% ملايين طن بترول مكافئ، بالإضافة إلى 2،3% مليون طن  أخرى تستخدم فى الأتوبيسات السياحية والجرارات الزراعية.. وفى أعقاب ثورة 25 يناير زادت الأوضاع تفاقمًا، بسبب توقف الحكومة نهائيًا عن سداد مستحقات الشركات الأجنبية، ما أدى إلى تعطل  مئات المصانع عن العمل بسبب عدم توافر الطاقة اللازمة للتشغيل، ناهيك عن حجم المعاناة التى مر بها ملايين المصريين بسبب الانقطاع المستمر للكهرباء وعدم توافر البنزين والسولار فى  محطات التموين.

 مهام صعبة .. واختيارات محدودة

هذه الأزمة الطاحنة لم تكن خافية عن الرئيس "السيسي" فى بداية عهده، وعقب توليه المسئولية مباشرة  أصدر توجيهاته بالبحث عن حلول غير تقليدية لمواجهة أزمة نقص الطاقة، وتحقيق التنمية الشاملة على مستوى الجمهورية.. ومن أجل تحقيق التنمية المستدامة شدّد "السيسي" على ضرورة تأمين إمدادات الطاقة وتنويع مصادرها، سواء من البترول أو الطاقة المتجددة.

المهمة كانت صعبة، وأدوات الحكومة كانت محدودة، إلا أن المهندس شريف إسماعيل تصدى لها بكل جسارة.. بدأت  التحركات الدبلوماسية لإعادة ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص، حتى يمكننا البحث والتنقيب عن الغاز فى المياه العميقة، فى ذات الوقت تحركت الحكومة للبحث عن مصادر تمويل أجنبية لسداد مستحقات الشركات الأجنبية العاملة فى مجال الاستكشافات.

وبعد مفاوضات وجهود شاقة تم الاتفاق مع شركة "إيني" الإيطالية على البحث والتنقيب فى المياه الإقليمية المصرية، وكانت نتيجة هذا التعاون التوصل إلى أكبر كشف للغاز الطبيعى فى منطقة البحر المتوسط على الإطلاق.. والذى أطلق عليه حقل "ظهر".

لقد نجح هذا الكشف العظيم فى توفير إمدادات الطاقة وتلبية الطلب المحلى من الغاز الطبيعي، حيث ساهم حقل "ظهر" فى وقف استيراد الغاز الطبيعى نهائيًا وبفضله توجهنا إلى التصدير، وأصبحنا مركزًا إقليميًا لتداول وتجارة المواد البترولية على مستوى العالم.

وبفضل الخطوات الجادة التى اتخذتها حكومة المهندس شريف إسماعيل، نجحنا فى سداد 4 مليارات دولار، من إجمالى مديونيات الشركات الأجنبية  المقدرة بنحو 6.3 مليار دولار، والمتراكمة منذ ما قبل ثورة 25 يناير 2011.

 قرارات صعبة .. ومصارحة مطلوبة

اعتمد "إسماعيل" عند توليه مهمة رئاسة الحكومة، على مبدأ المصارحة والمكاشفة حتى يكون الشعب المصرى سندًا له فى كافة القرارات التى من شأنها توجيه بوصلة الاقتصاد المصرى إلى الطريق الصحيح، وأمام البرلمان استعرض برنامج حكومته، مؤكدًا ضرورة اتخاذ عدد من القرارات الصعبة، مع الالتزام برعاية الفئات الأقل دخلاً.  وبكل تجرد وصراحة وقف الراحل أمام البرلمان ليؤكد: لقد أدى استمرار الدولة لعشرات السنوات فى تقديم الخدمات بأسعار أقل من تكلفتها وتراجع مستوى الاستثمارات العامة فى البنية الأساسية إلى عدم القدرة على تطويرها أو رفع كفاءتها لتواكب الزيادة السكانية، وتزايد الطلب على هذه الخدمات". وفى إشارة إلى أن زيادة أسعار الخدمات أمر لا مفر منه قال إن تدهور الخدمات "مشكلة يئن منها جموع المواطنين، وهو ما يستوجب التصدى لها بكل الصدق والأمانة، وعدم التراخى فى مواجهتها".

وقد اعتمد شريف إسماعيل على لغة الأرقام لتكون أبلغ رد على من يتهمون الحكومة بالفشل فى السيطرة على الأسعار، وتحميل الفقراء ومحدودى الدخل ما لا يطيقون، قائلاً: بالإضافة إلى ما شهدته السنوات الماضية من تباطؤ شديد فى النشاط الاقتصادى فإن معدل التضخم الذى تراوحت نسبته بين 10% و12% سنويًا خلال الفترة من عام 2011 يمثل ضريبة يدفعها الفقراء ومحدودو الدخل ويلقى بأعباء ثقيلة على الأجيال الحالية والقادمة".

 خطة عمل لإصلاح ما أفسده "الفئويون"

فيما وصفه بأنه نوع من المصارحة والمكاشفة، أفسح رئيس الوزراء الراحل المجال للغة الأرقام، ليؤكد أن الأزمة التى يمر بها الاقتصاد المصرى ترجع إلى قرارات زيادة المرتبات والأجور التى اتخذتها حكومات ما بعد ثورة 25 يناير؛ استجابة لضغوط أصحاب المطالب الفئوية، ودون النظر لآثارها السلبية التى نعانى منها حاليًا، قائلاً: لقد ساهم فى زيادة عجز الموازنة ما شهدته الفترة التالية لـ25يناير 2011 من زيادة غير مسبوقة فى مخصصات الدعم والأجور، حيث ارتفعت  فاتورة الدعم من 93.6 مليار جنيه عام 2009/2010 لتصل إلى 231 مليارا عام 2015/2016، كما ارتفعت مخصصات الأجور من 86 مليار جنيه إلى 2018 مليارا، وتمثلت المحصلة النهائية فى أن حوالى 80% من الموازنة العامة يوجه للإنفاق على الأجور والدعم وخدمة الدين العام، تاركًا حوالى 20% للإنفاق على صيانة وتطوير البنية الأساسية والخدمات المقدمة للمواطنين من تعليم وصحة وإسكان وصرف صحى وغيرها".

على خلفية تلك التحديات وضع المهندس شريف إسماعيل خطة عمل لانتشال الاقتصاد المصرى من عثرته، اعتمدت على عدة محاور رئيسية، منها إعادة النظر فى منظومة الدعم، خاصة ما يتعلق بدعم البنزين والسولار والكهرباء والمياه والعلاج على نفقة الدولة.

 الشكر واجب لصاحب الإنجازات

فى هذا الصدد قال "إسماعيل": المشاكل والتحديات كبيرة وضخمة، ولكننا عازمون على اتباع المنهج العلمى السليم فى مواجهتها وتبنى أفكار جديدة، وسيكون علينا اتخاذ العديد من القرارات الصعبة، والتى تم تأجيلها إلى أن وصلنا اليوم إلى ما نحن عليه، وأصبح اتخاذ هذه القرارات حتميًا حتى نخطو إلى مستقبل أفضل.

ومن بين المحاور، التى عملت عليها الحكومة، مصاحبة أى إجراء اقتصادى بعدد من برامج الحماية الاجتماعية بالقدر المناسب، مع وضع برامج لحماية الأسرالأكثر فقرًا والأقل دخلاً من تقلبات الأسعار وانخفاض الأجور، على غرار برنامجى "كرامة" و"تكافل" اللذين يتم تطبيقهما حالياً فى بعض محافظات الصعيد.. وإلى جانب هذا التزمت الحكومة بعدم التهاون مع الفساد.

ورغم قسوة القرارات الاقتصادية التى اتخذتها الحكومة، إلا أنها نجحت فى زيادة معدلات النمو الاقتصادى ليصل إلى 6% بنهاية العام المالى 2017/ 2018، إلى جانب خفض البطالة إلى 10% مع نهاية هذه الفترة، وخفض عجز الموازنة العامة إلى 9%، وكذلك السيطرة على تفاقم الدين العام والنزول بمعدلاته إلى 90% من الناتج المحلى الإجمالي، كما نجحت الحكومة فى زيادة احيتاطى مصر من النقد الأجنبى لدى البنك المركزى إلى أكثر من 45 مليار دولار لأول مرة فى تاريخها.

لكل ما سبق لا نملك إلا أن نقول شكرا للراحل المهندس شريف إسماعيل على جهودكم فى خدمة الاقتصاد المصري.

 

 	مسعد جلال

مسعد جلال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

محاولات جيش الاحتلال الإسرائيلى لإبادة الفلسطينيين بقانون إعدام الأسرى

النائب محمد فريد: الاحتلال يواصل انتهاكاته الصارخة ضد المدنيين.. وصمت مخيف للمنظمات الأممية الدكتور إبراهيم أحمد: دليل صارخ على بطء...

مخطط إسرائيلى لاستغلال الحرب الإقليمية لتنفيذ جريمة الإبادة الجماعية فى غزة

يستغل العدو الصهيوني انشغال العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران المواصلة جرائمه بحق أهالى قطاع غزة.

ملفات حاسمة على مكتب الأمين العام الجديد للجامعة العربية

محمد العرابى: «عقل استراتيجى» قادر على قراءة التحولات الدولية الكبرى سلامة: «تصفير النزاعات» العربية – العربية كخطوة استباقية لمواجهة الأطماع...

التفاصيل الكاملة لصرف الحوافز الاستثنائية للمدرسين بتكلفة 14 مليار جنيه

أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا خلال السنوات الماضية بملف تحسين أوضاع المعلمين، في إطار توجهات عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية...