وقائع أطول حرب على طريق تحـرير سيناء

كانت أطول حرب تخوضها اسرائيل وأول حرب تخسرها.. هى حرب الاستنزاف التى أفقدتها توازنها ، وفتحت لنا أبواب اليقين بتحقيق النصر المبين فى حرب أكتوبر 1973.. ولن ننسى -

كانت أطول حرب تخوضها اسرائيل وأول حرب تخسرها.. هى حرب الاستنزاف التى أفقدتها توازنها ، وفتحت لنا أبواب اليقين بتحقيق النصر المبين فى حرب أكتوبر 1973.. ولن ننسى - أبداً - تلك المقدمات التى قادت لأعظم النتائج، والمعارك التى أفضت لأروع انتصار حققته مصر فى تاريخها المعاصر..

يمر الزمن، وتبقى حرب الاستنزاف فاتحة لتحرير الأرض، ومثالاً خالداً لفكر المقاومة ومعنى الصمود والردع والمواجهة خلال حرب إرهاق دامت لنحو 500 يوم قتال، فكبدت اسرائيل أعظم الخسائر فى الأرواح والمعدات على نحو ما ورد إجمالاً وتفصيلاً وبالحقائق والأرقام فى دراسة مشتركة تحمل توقيع اثنين من جيل أكتوبر العظيم هما المؤرخ العسكرى الراحل لواء أركان حرب عبد المنعم كاطو والمؤرخ العسكرى اللواء أركان حرب متقاعد مسعد الششتاوي.. إليكم الآن تلك القراءة لما يكتبه الأبطال عن إحدى أمجد حروب مصر المعاصرة ونحن نحتفل بالذكرى الأربعين لتحرير سيناء.

عقب حرب يونيو مباشرة قامت مصر بإعادة بناء القوات المسلحة فضربت المثل فى الصمود من خلال ثلاث معارك أعادت للجندى المصرى ثقته فى نفسه وأعطت إشارة إلى أن الحرب القادمة سيكون فيها النصر لمصر وهذه المعارك الثلاث هى:

- معركة رأس العش فى الأول من يوليو 1967: حيث حاول العدو التقدم من شمال القنطرة بقوة سرية مشاة ميكانيكية وسرية دبابات للاستيلاء على مدينة بورفؤاد، فتصدت لها فصيلة صاعقة تؤمن الطريق عند قرية رأس العش شرق القناة وتتمسك بالهيئات المسيطرة على الطريق الموصل إلى بورفؤاد، واستبسل رجال الصاعقة فى الدفاع عن موقعهم ودعمتهم نيران المدفعية، بما أدى إلى فشل الهجوم، بل وتعثر بعض المركبات نصف الجنزير أمام الموقع فاضطر العدو إلى الانسحاب، وكانت هذه المعركة بمثابة عودة الروح للقوات البرية وإيمانها بإمكانية هزيمة العدو فى أى معارك مستقبلية.

- معارك المدفعية والقوات الجوية فى 14 و15 يوليو 1967: بعد أسبوعين من المعركة الأولى، قامت المدفعية الاسرائيلية بقصف أهداف مدنية فى بعض مدن القناة وتصدت لها مدفعيتنا لإسكاتها، وتدخل طيران العدو لإسكات مدفعيتنا، بما أدى إلى تدخل الطيران المصرى ليشتبك فى معارك جوية مع العدو واستمرت هذه الاشتباكات على مدى يومين، واستفادت منها بإعلان عودة الطيران المصرى إلى ساحة الجو ليواجه العدائيات الجوية الاسرائيلية محذراً من تكرار مثل هذه الاشتباكات.

- تدمير المدمرة الاسرائيلية إيلات أمام ساحل بورسعيد يوم 21 أكتوبر 1967: وهى معركة استخدمت فيها قواتنا الصواريخ سطح/سطح لأول مرة فى العالم، ولقنت اسرائيل درساً لن تنساه نتيجة فقدها أكبر قطعة بحرية تملكها إلى جانب الخسائر الكبيرة فى الأفراد سواء طاقمها أو طلبة السنة النهائية فى الكلية البحرية الاسرائيلية الذين كانوا على متن هذه القطعة البحرية قبل تخرجهم، وأيقنت اسرائيل أن المياه الاقليمية المصرية خط أحمر، وحاولت الانتقام لنفسها بضرب مصفاة البترول فى منطقة الزيتية فى السويس.

 حرب الاستنزاف

تلك العمليات وغيرها كانت بمثابة المقدمات التى قادت لمرحلة تسخين الجبهة أو ما يعرف بـ حرب الاستنزاف فى الفترة من 8 مارس 1969 8 أغسطس 1970، والتى استهدفت استنزاف العدو مادياً ومعنوياً لتدمير قواته وإلحاق أكبر خسائر فى قواه البشرية، وتدمير تجهيزاته الهندسية التى يقيمها على الشاطئ الشرقى للقناة (خط بارليف الأول) ومنع تحركاته وتقييد حريته فى أى إجراءات يقيمها على الشاطئ الشرقى للقناة هذا إلى جانب التدريب العملى والواقعى للقوات المسلحة فى ساحة القتال الفعلية، والقيام بعمليات عبور متنوعة استعداداً لتحرير سيناء، مع اقتناع العالم والعدو بأن مصر لا تنوى تحت أى ظرف التخلى عن استرداد سيناء، وحقها فى تحرير أرضها وأراضى العرب المحتلة. هذا إلى جانب الأهداف السياسية بهدف  تذكير العالم بأن منطقة الشرق الأوسط لا تزال ساخنة، وأن الشعب المصرى يرفض الأمر الواقع وأنه يصر على تحرير أرضه، وأن الخط الذى وصلت إليه القوات الاسرائيلية لن يكون خط هدنة جديدا.. هذا إلى جانب تحفيز الاتحاد السوفيتى لسرعة إمداد مصر بأسلحة متطورة تسمح بتحرير الأرض المحتلة.. أما على الجانب الاقتصادى فقد سعت هذه الحرب إلى فرض حالة من الاستنزاف الاقتصادى على اسرائيل من خلال الاحتفاظ بنسبة عالية من قوتها فى حالة تعبئة واستعداد دائم، والتأثير السلبى على معنويات الشعب الاسرائيلى وجيشه، إلى جانب زيادة التكاليف الاقتصادية فى اسرائيل سواء بسبب استمرار الحرب أو تدمير الإنشاءات التى أقامتها.

 من الردع إلى الحسم

انقسمت مراحل حرب الاستنزاف من وجهة النظر المصرية إلى عدة مراحل فرعية هى:

مرحلة الردع:  وتمت فى الفترة من 8 مارس 69 إلى 19 يوليو 69، وتميزت بسيطرة مطلقة لقواتنا على الجبهة.. فقد تم خلالها شل النظام الدفاعى للقوات الاسرائيلية، وكانت المدفعية هى الوسيلة الرئيسية، حيث قامت بصب جام نيرانها على خط بارليف الأول والأهداف الأخرى، كما شهدت أنجح غارات بالقوات على العديد من الأهداف الاسرائيلية.

بدأت هذه المرحلة بقصفات نيرانية من حوالى 60 كتيبة مدفعية على طول الجبهة لمدة 5 ساعات متقطعة، وهو ما يعتبر أقوى فاتحة لحرب الاستنزاف، وفى اليوم التالى استشهد الفريق عبد المنعم رياض يوم 9 مارس 69 أثناء تفقده لأقصى مواقعنا الدفاعية على طول الخط الأمامى للجبهة عند المعدية رقم 6 شرق الاسماعيلية، وكانت واقعة استشهاده بمثابة مثال على رمز وقدوة لتصرف القائد تجاه جنوده ومشاركتهم نفس الظروف التى يعيشونها، وله مقولة شهيرة فى ذلك عندما ذكر له قائد الجيش الثانى أن المنطقة مشتعلة وخطيرة، فكان رده: لو لم أقم بزيارة هذه النقطة برغم خطورتها فإن للجنود الحق فى مغادرتها لنفس السبب، فأنا جندى مثل كل جنود مصر المنتشرين على الجبهة.

كما نفذت خلال هذه المرحلةٍ ست إغارات ناجحة بالقوات كان أهمها الإغارة على موقع العدو الحصين بلسان بورتوفيق فى العاشر من يوليو والتى تكبدالعدو فيها 30 قتيلا وجريحا وتدمير 3 دبابات و3 مركبات مدرعة.. وفى المقابل ركزت القوات الاسرائيلية نيران مدفعيتها فى اتجاه مدن القناة والأهداف الحيوية من أجل إحداث أكبر قدر من التدمير.

مرحلة المواجهة: تمت من يوم 20 يوليو 1969 وحتى 31 ديسمبر 1969، وبدأت بإدخال اسرائيل لعامل رئيسى جديد وهو القوات الجوية، حيث قامت بتركيز قذفاتها على مواقع دفاعنا الجوى والمدفعيات والقيادات الرئيسية وقواتنا بالجبهة، واستخدمت اسرائيل قواتها الجوية كمدفعية طائرة ضد مدفعيتنا.

وشهدت تلك المرحلة مباريات فى السرعة بين وحدات المدفعية المصرية التى لم تتوقف عن تنفيذ مهامها المخططة وبين الطيران الاسرائيلي.. وقد تأكد السبق للمدفعية المصرية، حيث نفذت مهامها من مواقع حصينة وتكتيكات متطورة.. كذلك كانت هناك مباريات هامة بين الطيران الاسرائيلى والعمال الذين كانوا يقومون ببناء المواقع الحصينة للدفاع الجوى استخدم فيها الفكر المصرى جميع وسائل الابتكار والخداع وتأمين الأفراد، وفى نفس الوقت تم إسقاط العديد من طائرات العدو.. كما شنت قواتنا الجوية يوم 11 سبتمبر بقوة 60 طائرة هجوما ضد أهداف عسكرية اسرائيلية فى العمق، وتم إبرار قوات مصرية خاصة فى الأول من أكتوبر على ساحل البحر الاحمر وفى اتجاه قوات العدو فى منطقة رأس ملعب وحتى رأس مطارمة مدمرةً كل الأهداف فى طريقها، فضلا عن تنفيذ الإغارة على ميناء إيلات الاسرائيلى ليلة 25/ 26 نوفمبر 1969 والذى أدى إلى إغراق وإصابة عدة سفن اسرائيلية.

مرحلة الحسم: ودارت وقائعها بين أول يناير إلى 8 أغسطس 1970، وفيها لجأت اسرائيل إلى غارات العمق بهدف زعزعة الاستقرار وإفقاد الشعب ثقته فى قيادته السياسية، وكانت رئيسة الوزراء الاسرائيلية "جولدامائير" تفخر بأنها تلقى يومياً طنا من القنابل على مصر، بينما لم يؤثر هذا على قدرة المصريين وإيمانهم بالنصر، كما شهدت هذه المرحلة زيادة وتصعيد نشاط قواتنا بإدارة معارك تعرضية أحدثت خسائر كبيرة ومتاعب للعدو .. وأصبح واضحاً أمام القيادة الاسرائيلية أن عمليات الاستنزاف المضاد التى تقوم بها لم تأت بثمارها، فلجأت إلى استخدام قواتها الجوية بكثافة وبشكل أفضل مع قصف العمق المصرى لزيادة الضغط على الشعب المصرى ودفعه إلى الثورة على قيادته لإيقاف حرب الاستنزاف. وكان مهندس هذه العملية هو الرئيس الاسرائيلى عيزرا وايزمان.

واعتباراً من فجر يوم 7 يناير 1970 نفذت اسرائيل 70 طلعة جوية فى سماء القاهرة اخترقت حاجز الصوت معلنة بدء مرحلة جديدة لتصعيد حرب الاستنزاف، كما أعقبتها تنفيذ 36 غارة جوية فى عمق الدولة من إجمالى 3838 طلعة نفذتها ضد أهداف على طول الجبهة.

وتمثلت جرائم الحرب فى تلك الخطة فى عدد من الأحداث أبرزها: قصف مصنع أبو زعبل يوم 22 فبراير 1970 حيث استشهد قرابة 70 عاملا، وقصف مدرسة بحر البقر يوم 8 إبريل 1970 حيث استشهد 20 طفلاً.. ولم تكن الخطة الاسرائيلية لتؤثر على صلابة عود العسكرية المصرية، بل تصاعدت العمليات التعرضية القتالية المصرية وكبدت اسرائيل خسائر فادحة.

كانت الغارات الاسرائيلية فرصة ليتعرف المقاتلون المصريون على حقيقة وإمكانيات تأثير القصف المعادي، فزالت رهبة الطائرات من نفوسهم، وفى الوقت ذاته فإن ردود الفعل شملت قواتنا الجوية نفسها، حيث خرجت عن تحفظاتها فى مواجهة الطيران الاسرائيلى وأصبحت الطلعات الجوية المصرية تتم بصورة يومية سواء بالقصف أو الاعتراض.

وتضاعفت معدلات الإغارات والكمائن التى قامت بها قواتنا على طول الجبهة وفى عمق إسرائيل، وأصبح الشاطئ الشرقى لقناة السويس جحيماً للقوات الاسرائيلية، وكانت أهم العمليات التى قام بها العدو فى تلك المرحلة الفرعية هى الهجوم على جزيرة شدوان يومى 22- 23 يناير 1970 من خلال عملية اتسعت أركانها لتشمل أعمال القتال البرى والبحرى والجوى فى البحر الأحمر. ومن المفارقات أن القوات الاسرائيلية خسرت 47 قتيلا وجريحا نتيجة استيلائهم على عربة محملة بالألغام اصطحبوها معهم على القطعة البحرية "بيت شيفع" لكى تنفجر بعد وصولها إلى ميناء إيلات.

أما قواتنا فقد نفذت 16 عملية إغارة وكمينا على ميناء الطور على ساحل البحر الاحمر، وإغارتين على ميناء إيلات.. أما الكمين الكبير الذى نفذته قواتنا فى 30 يونيو 1970 والذى أطلقت عليه اسرائيل "السبت الحزين" فقد تمكنت فيه قواتنا من تدمير دبابتين و3 عربات مدرعة و 2 أتوبيس بمن فيها من جنود وضباط اسرائيليين وكذا القوات التى كانت تحميهم.

استمرت الأعمال القتالية حتى حدث متغير فى الموقف فى تلك المرحلة لحسم الصراع الدائر بين عملية بناء قواعد الصواريخ والطيران الاسرائيلى يوم 30 يونيو 1970، حيث تمكنت مجموعة من كمائن دفاعنا الجوى من إسقاط طائرتين اسرائيليتين فى هذا اليوم معلنة بدء أسبوع تساقط الطائرات الاسرائيلية ليصاب الطيران الاسرائيلى بأول نكسة كبيرة فى تاريخه.

ومع تصاعد الأحداث زاد الإحساس لدى القيادة والشعب الاسرائيلى بأن الاستنزاف المضاد الذى تمارسه ما هو إلا عملية استنزاف لإسرائيل نفسها، فبدأت تتصاعد موجات السخط مع كل إعلان للخسائر التى تتزايد يوما بعد يوم، وكان ذلك بداية لتكثيف جهود وزير الخارجية الأمريكى وليم روجرز لطرح مبادرته لإيقاف النيران ومعاودة الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة طبقاً للقرار 242

كانت حرب الاستنزاف بكل المعايير حرب إرهاق لم تتوقف نيرانها لحظة واحدة على مدى 500 يوم متصلة، وقد وصلت معدلات الاشتباكات البرية بها إلى الآتي:

- من 1 إلى 2 قصفة نيران مدفعية يومياً علاوة على الاشتباكات اليومية.

- تراشقات بأسلحة الضرب المباشر والأسلحة الصغيرة بمعدل 10 إلى 20 اشتباكا يوميا.

تنفيذ 1 إلى 2 عمل تعرضى كبير بالقوات أسبوعياً.

- نفذت قواتنا إغارات فى العمق الاسرائيلى أكثر من 10 مرات.

ونشرت المجلة العسكرية لجيش الدفاع الاسرائيلى أن القوات الاسرائيلية خسرت خلال حرب الاستنزاف وبسببها 40 طياراً، و 51 طائرة، وإصابة 34 طائرة أخرى.. وبلغت الخسائر فى القوات البرية الاسرائيلية 3141 جريحاً وأسيراً (وهى أرقام تقل عن الحقائق بدون أدنى شك).

فى المجال البحرى فقدت القوات الاسرائيلية المدمرة إيلات، علاوة على سبعة زوارق وسفن متنوعة، كما كان حجم الخسائر الاسرائيلية الأخرى عدد 72 دبابة، و 110 عربات مجنزرة، 81 مدفع هاون.

 أعلن العديد من قادة اسرائيل وعلى رأسهم الرئيس الاسرائيلى الجنرال الأسبق عيزرا وايزمان أن حرب الاستنزاف هى الحرب الأولى التى تخسرها اسرائيل، وتخوف بعضهم من أنها ستؤدى إلى خسائر قادمة إن لم تستوعب اسرائيل الدرس.. وقد حدث ذلك فعلاً فى نصر العاشر من رمضان الموافق للسادس من أكتوبر 1973.

وتقودنا تلك الحقائق إلى الحديث عن آثار حرب الاستنزاف على العسكرية المصرية، ويمكن إيجاز بعض هذه الآثار فى عدة نقاط:

- أدت حرب الاستنزاف إلى تعديل مسار القوات المسلحة لترتقى تنظيمياً وتسليحياً وتدريبياً حتى تمكنت من إحداث التوازن المطلوب.

- كانت بداية لبناء عقيدة قتالية مصرية خالصة وابتكار أساليب قتال جديدة من خلال مواجهات حقيقية، وكانت تلك العقيدة هى التى تم تطبيقها فى حرب أكتوبر.

- حددت الهيكل التنظيمى الذى يجب أن تكون عليه القوات المسلحة، وما يجب أن تتطور إليه، وفتحت مجالات الفكر المصرى لتعظيم الممكن فى مواجهة سلبيات المستحيل.

- أدت إلى تحطيم الحاجز النفسى بين العرب واسرائيل فى جميع المجالات وأهمها المجال العسكري.

- أدت إلى إنماء روح أكتوبر (قبل أن تبدأ الحرب) حيث حقق المقاتلون ما لا يقل عن 60% من عوامل إنماء تلك الروح، وعرفوا حدود مسئوليتهم، والجرأة فى تنفيذها، وأيقنوا أن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، وبالتالى ازدادت جرأتهم، وازدادت معها آمالهم فى النصر، وكانت المحصلة من كل التأثيرات السابقة هى مجموعة الخبرات من تأثير النجاح والفشل وهو الدرس الذى وضع أمام القيادة لتقدر من خلاله إطار حرب أكتوبر.

 فنون الحرب البحرية

خلال حرب الاستنزاف استطاعت القوات البحرية المصرية أن تطبق أسس فن الحرب البحرية تطبيقاً سليماً حقق الهدف من استنزاف القوات البحرية الاسرائيلية..

 - كانت البداية عندما استغلت اسرائيل تفوقها الجوى ومدفعياتها الرابضة على الضفة الشرقية لقناة السويس.. بالإضافة إلى انتهاك المياه الاقليمية فى محاولة دخول المدمرة الاسرائيلية "إيلات" إلى المياه المصرية ليلة 11/12 يوليو 1967، ثم أعادت هذه المدمرة انتهاكها فى تحدٍ سافر، فكانت معركة إيلات البحرية شمال شرق بورسعيد يوم 21 أكتوبر 67 هى باكورة الانجازات لقواتنا البحرية فى أدائها البطولى بتدمير وإغراق هذه المدمرة.

 - كان الحدث الكبير الثانى فى شهر يناير 1969 بإغراق الغواصة الاسرائيلية "داكار" شمال شرق الاسكندرية.. ولم تهدأ اسرائيل لتدمير وغرق المدمرة والغواصة بكامل أطقمهما، فقامت بالإغارة على نقاط المراقبة المنتشرة على الشاطئ الغربى لخليج السويس.. كما نفذت إغارة بحرية ليلة 8/9 عام 1969 باستخدام زوارق بحرية عليها 8 دبابات وعربات مدرعة فى منطقة الزعفرانة وجنوب فنار "أبو الدرج" فى ظل غطاء جوى كثيف.. واستغلت وسائل الدعاية الاسرائيلية هذه الإغارة، فقامت بتصويرها تليفزيونيا فى إطار الحرب النفسية.

 - قامت قواتنا البحرية بقصف منطقتيّ رمانة وبالوظة على الساحل الشمالى لسيناء يومى 8 و9 نوفمبر 69، وكان للعدو فيها مواقع صواريخ دفاع جوى "هوك" ومخازن تكديس ذخيرة.

- توالت إغارات قواتنا البحرية على ميناء إيلات الاسرائيلي، فقد كانت الأهداف المرصودة تتمثل فى منشآت ومستودعات ومحطات ضخ البترول ومنشآت ميناء إيلات والسفن الراسية به وخطوط الملاحة البترولية.

وكانت الإغارة الأولى على ميناء إيلات يومى 15 و16 نوفمبر.. وكان قرار قيادة القوات البحرية دفع قوة من الضفادع البشرية لتدمير أكبر عدد من السفن الاسرائيلية بالميناء وتلغيم السفينتين (هيدروما وداليا) وقد تمت العملية بنجاح.

أما الإغارة الثانية فكانت ليلة 5/6 فبراير 1970 وأمكن فيها تدمير السفينة الاسرائيلية "بات يام".

والإغارة الثالثة ضد ميناء إيلات ليلة 14/15 مايو 1970 وفيها نجحت الضفادع البشرية فى تكبيد العدو خسائر كبيرة فى الأفراد وتدمير رصيف الميناء.. بالإضافة إلى ذلك قامت قواتنا البحرية "القوات الخاصة" بتدمير محطة ضخ البترول شمال مدينة إيلات، وكذا تدمير مواسير ضخ البترول فى وادى عربة وفى عدة مناطق أخرى.

- تم تدمير الحفار الاسرائيلى :"كينتنج" فى أعالى البحار (فى أبيدجان عاصمة ساحل العاج) يوم 8 مارس 1970.. وكانت اسرائيل قد استوردت هذا الحفار للتنقيب عن البترول فى خليج السويس.

 ملاحم نسور الجو

تمثلت أبرز عمليات القوات الجوية المصرية خلال مراحل حرب الاستنزاف فى عدد من المحاور يمكن إيجازها فى النقاط التالية:

- تصاعدت الاشتباكات الجوية فى أعقاب معركة رأس العش (أول يوليو 67) مع تنفيذ قواتنا الجوية لضرباتها المركزة يومى 14 و15 يوليو 67، والتى تكبدت فيها القوات الاسرائيلية شرق القناة ومناطق تجمعاتها خسائر ضخمة.

- توقف النشاط الجوى مرحلياً بعد تلك الضربات المركزة واقتصر على اشتباكات جوية محدودة كان أبرزها معارك 23 أكتوبر، 30 نوفمبر، 10 ديسمبر 1967.

- استفادت قواتنا الجوية من هذه الفترة فى الإعداد والتنظيم والتدريب تمهيداً للمرحلة الرئيسية التالية والتى بدأت اعتباراً من مارس 1969.

- صباح يوم 20 يوليو 1969، ومع بداية الفترة الثانية من مرحلة معارك حرب الاستنزاف، بدأ العدو غاراته الجوية ضد قواتنا غرب القناة سعياً وراء إحداث أكبر خسائر فى قواتنا التى نجحت فى إحداث خسائر شديدة فى قوات العدو البرية، وكانت كثافة الطيران المعادى فى تصاعد مستمر.

- على الرغم من عدم استكمال بناء شبكة الدفاع الجوى المصري، إلا أن قواتنا الجوية صدرت إليها الأوامر يوم 20 يوليو 69 بالرد الفوري، حيث شاركت عدد 50 طائرة مصرية فى قصف أهداف اسرائيلية شرق القناة ومواقع صواريخ هوك فى منطقة رمانة وأوقعت بها خسائر فادحة.

- قامت قواتنا الجوية بتكرار طلعاتها وقصفاتها يوم 24 يوليو بقوة 4 أسراب ضد أهداف معادية فى كل من جبل أم خشيب "مركز قيادة العدو" وتجميع دباباته شرق منطقة صدر الحيطان محدثةً بها خسائر ضخمة.

- اعتباراً من شهر سبتمبر 69 تصاعدت العمليات والمعارك الجوية للجانبين وذلك مع ارتفاع معدلات عمليات قواتنا البرية الجريئة، ففى يوم 11 سبتمبر قامت أكثر من 100 طائرة مقاتلة/قاذفة فى تشكيل أسراب ميج 17 وأسراب حماية ميج 21 طوال اليوم وفى أنساق متتالية وتنسيق دقيق مع قواتنا من الدفاع الجوى بمهاجمة وقصف أهداف اسرائيلية على المحور الشمالى لسيناء.. وفى الجنوب على محور متلا وصدر الحيطان، وكانت هذه العملية الكبيرة هى الأولى من حيث الدفع بعدد كبير من الأسراب، لتثبت للعدو القدرة الحقيقية لقواتنا الجوية، خاصة وأن نتائج هذه الطلعات قد أسفرت عن تشتيت قوات العدو على هذه المحاور مع إحداث خسائر كبيرة بها.

ثم كانت العمليات الرئيسية لقواتنا الجوية طوال يوم 6 أكتوبر 69، والتى تمثلت فى ثلاث طلعات متتالية:

الأولى: اتجهت مباشرة صوب أهدافها من صواريخ هوك دفاع جوى معادية غرب رمانة، ودمرت رادارات ومراكز قيادة.

الثانية: كانت على المحور الأوسط، حيث قامت بقصف مواقع صواريخ هوك ومحطات رادار.

الثالثة: قامت بقصف معسكر وتجميع دبابات ومشاة فى منطقة جبل المر.. ثم تكررت هجمات قواتنا الجوية خاصة يومى 24، 25 أكتوبر 69 وخلال شهرى نوفمبر وديسمبر.. وكان إجمالى الطلعات الجوية المصرية حتى 31 ديسمبر 69 حوالى 3200 طلعة جوية، ثم تطور النشاط الجوى بصورة أكبر مع تصاعد تنفيذ العدو لغاراته ضد العمق المصري، وكان الرد من جانب قواتنا الجوية يتم بصورة شبه يومية مع بداية عام 1970، علماً بأن إجمالى طلعات قواتنا الجوية خلال المرحلة الأخيرة من حرب الاستنزاف بلغت 4000 طلعة جوية (شملت التأمين والقذف والاستطلاع) وبذلك فإن إجمالى المجهود الجوى خلال حرب الاستنزاف بلغ 7200 طلعة جوية.

 حائط الصواريخ

فى مطلع عام 1969 ازداد نشاط العدو باختراق مجالنا الجوى فى الجبهة وفى العمق، كما ازداد نشاط الاستطلاع الإليكترونى بطائرات إسرائيلية ذات تجهيز خاص تحلق شرق القناة والساحل الشرقى لخليج السويس وأمام الساحل الشمالى فى سيناء، ومن البردويل شرقاً وحتى السلوم غرباً وبأعماق كبيرة فى مجالنا الجوي.

وفى 20 يوليو 69 قامت عدد 46 طائرة ميراج وسكاى هوك اسرائيلية بمهاجمة كتيبة صواريخ كانت تحتل مواقعها فى قطاع بورسعيد.. ولم يكن هناك أى مبرر لهذا الحشد الكبير إلا لمجرد التخويف وإرهاب دفاعنا الجوي.. كما قامت فى اليوم نفسه (20 يوليو) بتسع طائرات معادية سكاى هوك بمهاجمة كتيبة صواريخ دفاع جوى أخرى فى منطقة العين السخنة على الساحل الغربى لخليج السويس، إلا أن هذا الهجوم فشل فى تحقيق مهمته، حيث ركزت الطائرات المعادية قصفاتها ضد مواقع هيكلية متقنة الإعداد.

وكان متوسط عدد الطلعات الجوية المعادية خلال هذه الفترة يقترب من 600 طلعة شهريا، وازداد إلى 800 طلعة فى شهر ديسمبر 69 حيث بلغ الذروة يوم 25 ديسمبر حين شن العدو الجوى مجموعة من الهجمات المركزة على التوالى ضد كتائب الصواريخ "سام"، مدعماً بكافة صور الإعاقة الاليكترونية.

بانتهاء عام 69 سرت روح الابتكار لإيجاد حلول لكثير من المشاكل، فبمجرد صدور قرار إخلاء الجبهة من الصواريخ مؤقتاً بدأ التفكير فى خطة جديدة لبناء منظومة للدفاع الجوى تتلخص فى الآتي:

- مد مظلة الحماية الجوية إلى أقصى مسافة ممكنة شرقاً لحماية قواتنا على الجبهة، وأيضاً لحمايتها عند قناة السويس عندما يصدر قرار الهجوم.

- حشد أكبر قوة من وحدات الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات من الجبهة بحيث تشكل تجميع متماسك وكثيف يغطى سماء الدولة.

- رفع مستويات التدريب واستخدام تكتيكات جديدة تتناسب مع امكانياتنا وطبيعة المسرح، مع استمرار الجهود فى برامج التطوير والتحديث.

- وضع خطة محكمة تحقق الإنذار المبكر مع تخطيط ذكى للخداع.

- لتنظيم عملية دخول الصواريخ أرض/جو إلى جبهة القناة، فقد كان من الضرورى بناء القواعد والدشم المحصنة بحيث تكون قادرة على تحمل القنابل والصواريخ الاسرائيلية وأن يكون عددها كبيرا كى تتمكن كتائب النيران من احتلالها وإجراء المناورة فيما بينها، كما يمكن شغل الخالى منها بمعدات وصواريخ هيكلية لامتصاص بعض الهجمات الجوية المعادية.

- بمجرد أن بدأت الشركات المصرية عملها، انهالت التصريحات الاسرائيلية معبرة عن إصرارهم على منع مصر من إدخال صواريخها إلى الجبهة خوفاً من أن يحفزهم ذلك على التفكير فى شن الهجوم ضدهم.. وقد ترجمت هذه التصريحات على الفور بقيام الطائرات الاسرائيلية بشن هجماتها وقصف المهندسين والعمال القائمين ببناء تلك المواقع بإلقاء آلاف القنابل والصواريخ.. ورغم ذلك استمر العمل وصمم العاملون على اتمام عملهم القومي.

- دارت المناقشات حول إمكانية تنفيذ كمائن بوحدات صواريخ دفاع جوى ودخولها إلى الجبهة لاقتناص الطائرات الاسرائيلية.. وفى ليلة 23 إبريل 1970 بدأت كتائب الصواريخ فى التحرك، واحتلت مواقعها الجديدة وتم تجهيزها للاشتباك.. وعند الخطوط الأولى من صباح يوم 24 إبريل كان قد تم ضبط المعدات بنجاح، وبعد فترة انتظار لم تستمر طويلاً ظهرت على شاشات الرادار طائرة اسرائيلية شرق القناة، فألقت كل كتيبة صاروخاً فتدمرت الطائرة بالصاروخ الأول، وعلى الفور تم البدء فى إخلاء الموقع ونجح الكمين الأول.. وبعد فترة وجيزة نجح الكمين الثانى فى تدمير طائرات أخرى.. ثم الكمين الثالث.. وهكذا استمرت عمليات هذه الكمائن بنجاح تام.. إلا أن أسلوب الكمائن لم يكن هو البديل عن تجميع قوات ووسائل الدفاع الجوى فى منظومة واحدة متكاملة يلزم إنشاؤها على الجبهة، لذلك فقد تركز الحل على حماية القائمين بتجهيز المواقع المحصنة والدشم ثم التقدم على وثبات متتالية فى اتجاه القناة واحتلال مواقع ميدانية تدخل فى نطاق الحماية بالصواريخ عن مدينة القاهرة، ثم يتقدم النسق الثانى ويحتل مواقعه أمام المجموعة السابقة وفى نطاق حمايتها ويتعاون معها بالنيران، ويصبح نسقا أول، وبالتالى يكون النسقان تجميعاً متماسكاً قادراً على إنشاء مظلة حماية للعاملين فى إنشاء الدشم والتحصينات، وقد سارت الخطة جنباً إلى جنب مع خطة خداع محكمة.

 أسبوع تساقط الفانتوم

فى يوم 30 يونيو 1970 تمكنت صواريخ وكمائن الدفاع الجوى من تدمير 8 طائرات مقاتلة / قاذفة (سكاى هوك وفانتوم) سقطت غرب القناة وتم أسر خمسة طيارين اسرائيليين أحياء.

توالى تدمير طائرات العدو، ففى يوم 2 يوليو دمرت الصواريخ المصرية طائرتين، وفى يوم 3 يوليو دمرت ثلاث طائرات، وفى يوم 6 يوليو دمرت طائرتين، وكانت جميعها من طائرات الفانتوم (8 طائرات).

ثم بدأت ردود الأفعال الناجمة عن تآكل الطائرات الاسرائيلية بصواريخ "سام" تظهر فى الولايات المتحدة وفى الوطن العربى وارتفعت المعنويات واستجاب الاتحاد السوفيتى لإمدادنا بشبكة متقدمة من أجهزة الحرب الاليكترونية، كما تم إمدادنا بلواء صواريخ "سام" بأجهزته الرادارية.

بلغت الغارات الجوية المعادية خلال شهر يوليو 1970 ضد مواقع الصواريخ أكثر من خمسمائة غارة جوية، لكن ازدادت الخسائر الاسرائيلية فى الأيام التالية، وأعلن "أبا إيبان" وزير خارجية اسرائيل فى ذلك الوقت أمام الكنيست أن سلاح الطيران الاسرائيلى يتآكل.. وكانت هذه هى الحقيقة، فقد بدأ ميزان القوى يتحول إلى جانب الدفاع الجوى المصري. وفى هذه الأثناء بدأت واشنطن والمحافل الدولية محاولات وقف إطلاق نيران معارك حرب الاستنزاف ومنع إدخال المزيد من كتائب الصواريخ إلى الجبهة. إلا أنه قبل سريان إيقاف النيران بساعات قليلة قامت قيادة قوات الدفاع الجوى بتنفيذ القفزة الكبرى إلى مواقع متقدمة غرب القناة دفعة واحدة، مع تدعيم العمق بكتائب نيران إضافية لكى تمتد مظلة الدفاع الجوى لمسافة 15 20 كيلومترا شرق قناة السويس فوق سيناء وبتجميع الصواريخ (سام 2، سام 2، سام 3، وسام 7) ونوعيات متطورة من المدفعية المضادة للطائرات، وشبكة من الرادارات والحرب الاليكترونية.. ولتكتمل منظومة الدفاع الجوي، وحائط الصواريخ العظيم والذى نجح فى تحطيم ذراع إسرائيل الطويلة، وأذاق قواتها الجوية مرارة الهزيمة والخسائر الفادحة فى حرب أكتوبر المجيدة.


 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مخططات الاحتلال لإنقاذ «نتنياهو» من مقصلة المحاكمات عبر حرق لبنان وغزة

أسامة الهتيمى: إسرائيل تواصل جريمة الإبادة الجماعية في غزة.. ونتنياهو يشع جبهة لبنان للفرار من المحاكمة ماهر صافى: الاحتلال يواصل...

وزير الدفاع يلتقى عدداً من مقاتلى المنطقة الغربية العسكرية

التقى الفريق أشرف سالم زاهر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى بعدد من مقاتلي المنطقة الغربية العسكرية،

هدايا الرئيس السيسى للعمال فى عيدهم

نُقّدر الرئيس «بوتين» كثيرًاً.. ونعتز بشراكتنا الاستراتيجية مع اليابان نسعى لبناء اقتصاد يصون أمننا القومى.. وتوطين الصناعة «عهد» و «هدف...

جامعة سوهاج تقدم أكثر من 10 ملايين جنيه دعمًا للطلاب ذوي الاعاقة وغير القادرين

أكد الدكتور حسان النعماني، رئيس جامعة سوهاج، أن ما قدمته الجامعة من دعم للطلاب، والذي تجاوز 10 ملايين جنيه خلال...