باب الحرية : الذكرى الـ53 لمعركة الكرامة أكتوبر.. كابوس الصهـاينة المستمر

مصر بدأت تحديث جيشها مبكراً وكأنها كانت تقرأ المستقبل تل أبيب تجرعت الهزيمة فى الحرب وفشلت فى كسر وجدان المصريين وإقناعهم بالتطبيع

53 سنة مرت على نصر أكتوبر العظيم.. 53 سنة وإسرائيل لا تريد أن تصدق أنه تم كسر أنفها وإهالة التراب على رأسها وتحطيم غطرستها.. لا تريد أن تصدق أنه تم النيل من هيبتها وكبريائها المصطنع وأنها القوة التى لا يمكن لأحد أن يقترب منها.. 53 سنة وإسرائيل تحاول جاهدة أن تصدّر للعالم أنها لم تهزم فى هذه الحرب.. تحاول التقليل من هذا النصر العظيم.. محاولاتها مستمرة حتى الآن، مستغلة كل وسائل الاتصال الحديثة وتزييف كثير من الحقائق ودس معلومات خاطئة بهدف التضليل.. تفعل ذلك لعل وعسى تنجح فى أن تنال هذا النصر وتختصره فى مجرد ضربة جوية خاطفة وأن الكلمة العليا كانت لها.. فى كل مرة تحاول وفى كل مرة تفشل فى أن تُدخل فى عقول شبابنا أنها لم تكن حرباً.. تعرف إسرائيل أنها تفشل وأنها سوف تفشل فيما هو قادم.. لقد رأت بأم عينيها أن شبابنا وبمجرد ذكر إسرائيل يسمعون منهم ما لا يرضيهم..

إسرائيل تعرف جيداً أنه مهما كانت هناك علاقات رسمية بين الحكومات واحترام لمعاهدات دولية معها أن وجدان المصريين خط أحمر.. تعرف أنها لا يمكن أن تنال رضا المصريين مهما قدمت أو فعلت.. ففى كل بيت مصرى هناك شهيد.. فى كل بيت مصرى هناك مصاب قاتلها وحطم أسطورتها الزائفة بأنها لا تقهر.. كل حبة رمل فى سيناء وكل شبر فى مدن القناة شاهد على أنها عدونا الأول والأخير إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.. لا شىء يخيف الصهاينة سوى مصر والمصريين.. لاشىء يرعبهم سوى هذا الشعب العظيم.. لقد جرب الصهاينة إقامة علاقات كثيرة مع دول فى المنطقة.. علاقات اقتصادية وسياسية وارتضت شعوبهم أو أجبروها على التعامل معهم، إلا هنا.. وعبر تاريخ هذا البلد العظيم لا يمكن أن تجبر المصريين على أن يبسطوا يدهم لهؤلاء الصهاينة.. تعامل كيفما شئت معهم احتراماً لمعاهدات دولية أو اتفاقيات، لكن أبداً لن ينجحوا فى أن يلمسوا وجدان المصريين مهما قدموا أو فعلوا.. لن ينجحوا فى أن ينخرطوا معهم إنسانياً لأنهم أبعد ما يكون عن الإنسانية.

هو أمر يتوارثه الأجيال حتى الذين لم يشهدوا حروباً مع إسرائيل، ولِمَ لا، لأنه -وكما قلت- فى كل بيت مصرى هناك شهيد وهب روحه فداءً للوطن وفداءً لعروبته.. هناك شهيد من أجل القضية الفلسطينية.. لقد رأى الصهاينة بأم أعينهم شبابنا وهم يعلنون كراهيتهم لإسرائيل.. رأوا بأم أعينهم حملات المقاطعة لمنتجات دولية تدعم الصهاينة، وهو ما جرى بعد 7 أكتوبر وما تبعها من عدوان عالمى على فلسطين بهدف دفن القضية الفلسطينية إلى الأبد.. عدوان عالمى من دول تدّعى أنها تؤمن بالحرية والعدل والإنسانية وهى تقطر دما.. أقول الدول والحكومات لا الشعوب التى انتفضت فى العالم كله من أجل فلسطين.. انتفضت من أجل إيقاف حرب الإبادة وإنهاء الغطرسة الإسرائيلية، وهو ما تحقق فيما بعد، وكانت مصر حجر الزاوية فيه، وأقيم فى شرم الشيخ مؤتمر للسلام حضره ملوك ورؤساء الدول.. فالقضية الفلسطينية هى قضيتنا ومبادئنا واضحة ولا تقبل المساومة وأن عواقب الغطرسة الإسرائيلية وخيمة على الصهاينة قبل المنطقة.. القضية قضيتنا نقاتل من أجلها عن إيمان شديد.. وهبنا أرواحنا فداءً لها، وعلى استعداد أن ندفع أكثر مهما كان الثمن.

هذا الإيمان لدى المصريين جميعاً ولدى جيشنا العظيم هو ما يرعب إسرائيل ويخطف النوم من أعينها.. هى تعرف أن المصريين لن يساوموا.. تعرف إرادتهم الجبارة وقد ذاقوا منها فى حربنا العظيمة أكتوبر 1973 عندما ألحقنا بها هزيمة ساحقة.. هى الحرب التى قال عنها وزير خارجية أمريكا الأسبق هنرى كيسنجر: «لقد كانت حرب أكتوبر نقطة تحول فى تاريخ الشرق الأوسط، ففيها أثبت العرب أنهم قوة لا يستهان بها»، وهى التى قال عنها موشيه ديان: «لقد سقط هيكل الأمن الإسرائيلى ولن يعود كما كان»، وهى التى قالت عنها جولدا مائير: «لقد فوجئنا بقدرة المصريين على التخطيط والتنفيذ بهذه الدقة» وقالت أيضاً أنها لم تر جنوداً فى هذه الحرب بل رأت وحوشاً يأكلون الأخضر واليابس وهم فى طريقهم لتحقيق النصر.. لقد أعطى الجيش المصرى العظيم درساً عسكرياً لإسرائيل ولغيرها من الدول المتغطرسة، وأعطى المصريون درساً كبيراً للعالم أجمع فى الروح والإرادة؛ إذا ما أرادوا شيئاً تحقق لهم.. فقط هى الإرادة.. هى الإيمان الكامل بالحق والحرية.. الإيمان بتحرير الروح قبل الأرض.. الإيمان باسترداد الكرامة والعزة مهما كان الثمن.. هم-المصريون- دون غيرهم من يجرى فى دمائهم إما النصر أو الشهادة.. هم دون غيرهم مهما تخيل البعض أنه لن تقوم لهم قائمة إلا وانتفضوا ونفضوا عنهم ما علق بثوبهم.. أراد المصريون وفعلوها فى 6 أكتوبر سنة 1973.. حققنا فيه نصراً عزيزاً وغالياً على عدو متغطرس صوّر للعالم أجمع أنه لا يقهر، وأن خط بارليف الذى تحصن به قادر على حمايته، وجاءوا بالنصر، لا لمصر فقط وإنما للعرب جميعاً.. إسرائيل وغيرها تعرف قيمة مصر جيداً.. تعرف أنها عمود الخيمة فى المنطقة.. تعرف أنها إذا ما فكرت فى إلحاق الأذى بنا ستجد ما لا يرضيها.. تعرف أن مصر عصية وتعرف أنه ما إذا عادت عُدنا.. تعرف أن الجيش المصرى رجال.. تعرف أن هذه الأرض التى تجلّى فيها الله عز وجل لا يمكن أن تنال منها مهما فعلت.. تعرف أن هذا الشعب ليس كباقى الشعوب.. تعرف أن المصريين إذا ما أرادو فعلوا وأنجزوا وانتفضوا وانتصرو.. دليلهم نصر أكتوبر 73، فبالورقة والقلم وبحسابات العسكرية المعروفة ما كنا لندخل هذه الحرب، فنتيجتها معروفة مسبقاً.. العدو يمتلك أحدث الأسلحة جواً وبراً وبحراً وتسانده الدول الكبرى فى طغيانه.. بينما نحن نعانى من آثار نكسة 67 وجيش كان وقتها يبحث عن السلاح.. لكن هؤلاء-الصهاينة- وغيرهم لا يعرفون عقيدة الجيش المصرى وعقيدة جنوده وإن كانوا قد اكتشفوها ورأوها بأم أعينهم.. رأوا وآمنوا أنه لا يرتضى -وكما قلت- إما بالنصر أو الشهادة.. العقيدة التى هزمت كل أسلحة العدو الحديثة.. العقيدة التى هزت دولاً كبرى كانت تساند إسرائيل.. كانت تساندها بالمال والسلاح.. فى مقدمتها أمريكا.. أمريكا التى كانت ترفض أن تبيع لنا الأسلحة بينما تمنح إسرائيل ما تريده لتضمن لها تفوقها فى المنطقة.. لم تكن أزمتنا عدم وجود مال لشراء الأسلحة.. فميزانية الدولة تم توجيهها بالكامل لتسليح الجيش.. المصريون أنفسهم وهبوا كل ما يملكون مقابل شراء الأسلحة.. تحملوا كل الإجراءات الاقتصادية استعداداً لحرب الكرامة والعزة.. الفنانون قدموا حفلاتهم من أجل المجهود الحربى.. هنا لا أمل من تكرار ما أؤمن به «أن المصريين وقت الشدة تجدهم على قلب رجل واحد».. وقت الشدة لا يفكرون سوى فى هذا الوطن وحماية الأرض والعرض.. وقت الشدة يجنبون الصراعات والاختلافات ويعلون فقط من شأن هذا الوطن، وهو أحد أهم دروس هذه الحرب العظيمة.. الحرب التى وحّدت المصريين.. لا فرق بين وزير وخفير.. لا فرق بين غنى وفقير..

الأهم من دروس أكتوبر العظيمة هنا هو ما أدركناه حتى لو جاء متأخراً.. أهمية أن تقوم بتحديث الجيش المصرى جواً وبحراً وبراً.. الأمر الذى كان يشغل الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ أن أصبح وزيراً للدفاع.. كان يرى التغيرات التى تجرى فى المنطقة.. كان يرى أطماع الدول الكبرى فى المنطقة وخيراتها.. كان يرى تربصها بكثير من دول المنطقة.. هناك دول استيقظنا فلم نعد نرى جيوشها.. جيوشها اختفت أو ضعفت نتيجة الصراعات الداخلية ونتيجة لدخولها فى صراعات مع دول أخرى.. لقد وضعت مصر خطة تطوير شاملة شملت كافة أفرع وأسلحة القوات المسلحة.. كانت حريصة على التنوع كما كانت حريصة على أن تتنوع فى مصادر السلاح، فلم يعد مقصوراً على دولة بعينها.. كانت حريصة ليس على شراء الأسلحة وإنما حريصة على عمل علاقات مع دول كبرى فى مجال التصنيع العسكرى، وهو ما جعل الجيش المصرى فى المراكز المتقدمة بين جيوش العالم.. هنا أيضاً لا أملّ من تكرار أن مصر كانت حريصة على تحديث الجيش فى ظل الظروف والتطورات الإقليمية والدولية.. فعلته مبكراً وكأنها كانت تقرأ المستقبل.. فعلته لتأمين وحماية مصالحها وصوناً لسيادتها ومواجهة كل العمليات التى تدبَّر لها.. لقد عقدنا عدة صفقات سلاح غاية فى الأهمية.. صفقات ثقيلة كنا حريصين فيها على تنوع مصادر السلاح حتى لا تتحكم فى مصيرنا دولة بعينها.. صفقات بحرية وجوية وبرية.. الأمر الذى يجعلنا مطمئنين لأن الجيش المصرى الذى حمى الأرض والعرض واسترد كرامة العرب جميعاً قادر على حماية هذا الوطن وحدوده.. فمع كل قطعة سلاح تدخل الخدمة فى الجيش نزداد ثقة بأنفسنا.. نزداد ثقة فى أن الذى حمى هذا البلد واسترد الأراضى المغتصبة لن يسمح بأن يجعلنا نتذوق مرارة هزيمة أخرى.. هذا الجيش لن يفرط فى حبة رمل ارتوت بدماء الشهداء.. هذا الجيش لن يفرط فى نصر عظيم ما زال العالم يقف أمامه احتراماً وتدريساً رغم مرور 53 سنة عليه.. هذا ما يجعلنا مطمئنين أكثر، فلهذا البلد جيش يحميه.

 	خالد حنفى

خالد حنفى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

​صَحْوَةُ عربية تُوَاجِهُ المنصات الرقمية

​في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل والتطبيقات الرقمية العالمية وما تبثه من محتوى متنوع يصل إلى الأطفال والشباب على مدار...

باب الحرية : الذكرى الـ53 لمعركة الكرامة أكتوبر.. كابوس الصهـاينة المستمر

مصر بدأت تحديث جيشها مبكراً وكأنها كانت تقرأ المستقبل تل أبيب تجرعت الهزيمة فى الحرب وفشلت فى كسر وجدان المصريين...

مَن صنعوا التاريخ… ومَن ورثوه

ثمة مسافة غامضة بين اللحظة التي يعيشها الإنسان بيقينها الهش، واللحظة التي يضعه فيها التاريخ على منصة الخلود. ففي الأولى...

 شي.. من شراكة القاهرة إلى هدنة واشنطن..كيف يُبنى التحالف وكيف يُدار التنافس

غالبًا تكون الصورة أبلغ من البيان، لكنها في السياسة الدولية قد تكون أكثر خداعًا. فالمصافحة التي تبدو دافئة على البساط...