همسة قلم - مسلسل الأقدار.. تجربة لابد أن تروى

"عبث الأقدار" إحدى الروايات الثلاث التى كتبها أديب نوبل فى بداية حياته فى الثلاثينات ومعها رادوبيس وكفاح طيبة (التى اعتمد عليها صناع مسلسل الملك أحمس الذى توقف)، ولا

"عبث الأقدار" إحدى الروايات الثلاث التى كتبها أديب نوبل فى بداية حياته فى الثلاثينات ومعها رادوبيس وكفاح طيبة (التى اعتمد عليها صناع مسلسل الملك أحمس الذى توقف)، ولا أعلم لماذا لم يلتزموا بالاسم مع أنه الأكثر دلالة والأنسب للحظة التاريخية الحالية، ولكن هذا حقهم تماما؛ لأن السيناريو يمكن أن يقدم معالجة فنية للرواية، وهو ما جعل نجيب محفوظ نفسه يقول إنه يكتب للقارئ ومن حق السيناريست تقديم رؤيته للمشاهد، وهو ما حدث معى عندما كتبت معالجة فى حوالى ثلاثين صفحة للمسلسل وغيرت كثيرا من الأسماء التى أوردها الأستاذ نجيب فى روايته، وأذكر فى أول جلسة وأنا أقرا له المعالجة، وكان بعد حادث محاولة اغتياله الغاشم وقد وهن سمعه، فجلست معنا زوجته السيدة عطية الله، وكان بصحبتى المخرج الصديق د. خالد بهجت الذى بذل معى جهدا مضنيا خلال عامين لإقناع قطاع الإنتاج بتنفيذ المسلسل، أذكر أن السيدة قالت لى: ليه غيرت الأسماء؟، فقلت لأن وقت كتابة الأستاذ للرواية لم تكن هناك اكتشافات أثرية كافية أو مراجع نعرف منها الأسماء الحقيقية فى عصر بناة الأهرامات، فمثلا الأستاذ ذكر أن مهندس الهرم الأكبر اسمه ميرابو وهذا ليس اسما مصريا قديما بل هو اسم خطيب الثورة الفرنسية، والمهندس الذى صمم الهرم الأكبر هو حم ايونو وأنا ملتزم بالحقيقة التاريخية.. وهنا قال الأستاذ بمنتهى التواضع مبتسما برافوو انت على حق أنا كده مطمن انه هايكون عمل كويس للأجيال، ووقع عقد شراء القصة حسبما أذكر بأربعين ألف جنيه، وكان أعلى رقم يدفعه القطاع لأديب روائى.

دخلت فى مرحلة كتابة السيناريو كأننى أغوص ببحر الرمال العظيم، وقبل كتابة أول مشهد ظللت حوالى عام أقرا كل ما كتب عن تاريخ مصر القديم وكل ما نشر عن الأسرة الرابعة وعصر بناة الأهرامات سلسلة سليم حسن كلها ودراسات د. جاب الله وعلى حسن وزاهى حواس وترجمات ماسبيرو وتاريخ مانيتون الذى قسم الأسرات من الأولى للثلاثين وهنرى برستد، وتقريبا لم أترك مصدرا إلا واطلعت عليه، وكانت زوجتى تصرخ من كراتين الكتب التى أدخل بها لشقتى حتى لم يعد هناك مكان لايوجد به مرجع عن تاريخ الفراعنة، وطبعا لم يكن موجودا عم جوجل ليسهل عملية جمع المعلومات، المهم أننى كتبت أول حلقة بعد أن وسعت خطوط المعالجة وأرسلتها لصديقى خالد بهجت، وكان أول قارئ وفوجئت بسعادته التى شجعتنى على الاستمرار حتى انتهيت من المسلسل وقدمته لقطاع الإنتاج وذهب للرقابة التى رفضته للوهلة الأولى وكتبت حمدية صقر رئيسة الرقابة أن المسلسل رغم أنه تاريخى لكن الكاتب يقصد به المرحلة الحالية وينتقد فكرة توريث الحكم (وطبعا كان المناخ العام المباركى يبشر بقدوم جمال مبارك، وكتب أحدهم بالأهرام يطالب بتولى جمال الحزب الوطنى).. وعبثا كان النقاش بينى وبين الرقيبة حتى جاء يحيى العلمى خلفا لممدوح الليثى وطلب السيناريو وقرأه واستدعانى قائلا "المسلسل ده هايكون أول عمل فى الخطة وأنا بعته للجمعية التاريخية بس ابدأوا التحضير، واقترح أن نعرضه على عمر الشرف ليقوم بدور خوفو، واتصلنا بمديرة أعمال عمر وأرسلنا لها السيناريو، ثم اتصلت بنا لنلتقى بعمر فى الزمالك وجلسنا معه ذات ليلة، وبعد أن شرب لم تعجبنى ردة فعله خصوصا بعد أن عرفت منه أنه كان سيقدم نفس القصة فى فيلم من إخراج هانى لاشين ولم يتم المشروع، خرجنا أنا والمخرج وفكرنا فى الراحل عزت العلايلى يمثل شخصية خوفو. (انظر الصورة نموذج للملك الفرعون أنا وعزت العلايلى والمخرج د. خالد بهجت والمخرج يحيى العلمى ود. محمود مبروك المشرف الأثرى على المسلسل)، وكان المسلسل قد عاد من الجمعية التاريخية وراجعه أستاذان فى تاريخ مصر القديمة. لا أعرف من هما لكن أحدهما أرسل ملحوظة حول بعض المعلومات مثل أن عمال الهرم كانوا يشربون مشاريب معينه ويسهرون فى حانة ليلا ويرتدون ملابس معينة ويتم علاجهم بأساليب طبية معينة وأرسل لى القطاع  التقرير لا رد عليه، وللعلم التقرير كان يشيد بالجهد فى السيناريو لكن أراد كاتبه التأكد من المعلومات وكان يسأل عن المراجع التى اعتمدت عليها فقمت بالرد على التقرير وتمت إجازة السيناريو، لكن عزت العلايلى طلب أن يقرأ المسلسل د. جاب الله عالم الآثار ود. زاهى حواس.. وبالفعل حدثنى د. زاهى من أمريكا وقال كلاما هزنى لأنه قال بالحرف: ده أول سيناريو يلتزم بتاريخ مصر فى هذه الفترة، وأثنى على العمل واشترط أن يحضر التصوير واقترح أن يوجد د. محمود مبروك الأستاذ المتخصص فى ملابس واكسسوارات المرحلة والذى أشرف على فيلم المومياء وحضر مع شادى عبد السلام فيلم اخناتون الذى لم ير النور وأرسلنا المسلسل للدكتور مبروك الذى جمعتنى به ليال فى منزله بالزمالك نراجع معا كل تفصيلة شملت الممثلين والبيوت والاكسسوار إلخ. وأثناء التصوير كان موجودا بفريق كامل. يراجع كل شىء، وأثناء التصوير زارتنا وفود أجنبية عديدة كان منها وفد فرنسى من تليفزيون تى فى ثانك الذى عرض المسلسل، وكانت المرة الأولى والأخيرة التى يعرض فيها مسلسلا مصريا، وكانت المحصلة أن المسلسل عرض فى فرنسا وإيطاليا وانجلترا ودول أخرى وهو أول مسلسل مدبلج للغات أجنبية، وللأسف لم يأخذ حقه من العرض فى تليفزيون مصر، وللأسف لا أجده على اليوتيوب، وهو مرمى فى مكتبة قطاع الإنتاج، أقول هذا بعد أن رأيت عمرو يوسف بدقن، وملابسه مسخرة هو وبقية الممثلين.. طبعا دى مسؤولية المخرج أصلا الذى لم يقرأ كتابا عن الأسرة الثامنة عشرة أو ما قبلها أو بعدها، وأظنه لم يقرأ صفحة فى موسوعة سليم حسن وإلا كان قد عرف أن الدقن عند المصرى القديم نجاسة، وأنها على الجدران للأسرى والغزاة والغرباء، وأن الملك كان مقدسا مثل الكاهن الأقل منزلة منه ولايوجد ملك مصرى له ذقن، بينما يوجد الشارب الصغير أحيانا.. وانظر الصور على المعابد. لقد تفاءلت جدا أن كاتب السيناريو موهوب ومتفرد وهم آل دياب الذين أحترم جهدهم، لكنى أخشى أن يضيع هذا الجهد بهذا التشويه المقزز لتاريخنا.. حرام أن تنفق الملايين مع جريمة فى حق تاريخنا، وكان ممكنا الرجوع للمتخصصين لكنه الاستسهال والعند والجهل وادعاء أن القائمين هم الذين يفهمون فقط، وهذه أسوأ أعراض الاستبداد بالرأى والشللية فى الفن.. وخير ما أقدمت عليه المتحدة بتشكيل لجنة متخصصة للمراجعة، وكل أملى تقديم أعمال أخرى عن تاريخنا القديم أو الحديث ورموزه وشخوصه لتأكيد الهوية والانتماء للأجيال.


 	محمد الغيطى

محمد الغيطى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - الدور المصرى المتوازن

في ظل تصاعد حدة التوترات في المنطقة واتساع نطاقها بشكل يبعث على القلق، تبدو المؤشرات مقلقة نحو مزيد من الانزلاق...

بروح رياضية - مرض العصر ورموز الرياضة

يظل الانتقاد السليم بلغة راقية وأسلوب رصين من أهم أدوات وأسلحة الإصلاح والتطوير.. لكن أن تتحول الانتقادات لشتائم وبذاءات فهذا...

نحو الحرية - وعى المصريين

فى وقت تمر به  منطقة الشرق الأوسط وكذلك الدول العربية خاصة الخليج العربى  بأصعب أوقاتها  جاء خطاب  الرئيس عبد الفتاح...

نحو الحرية - ربنا يطمنك يا ريس

في لحظات القلق التي تمر بها المنطقة، ومع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية يبحث المواطن البسيط . عن كلمة تطمئنه،