بيانات النصر بصوت «الإذاعة المصــرية»

«هنا القاهرة».. نجحت قواتنا فى رفع العلم على الضفة الشرقية للقناة «إيناس جوهر» و«درية شرف الدين».. أشهر الأصوات النسائية» فى بيانات أكتوبر قصة تعاون «حمدى البلك» مع المخابرات لإيصال رسائل مشفرة لأبناء سيناء

فى السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن المعركة تدور فقط على ضفة القناة، إنما كانت هناك معركة أخرى تجرى خلف الميكروفونات، معركة نقل الخبر فى لحظته والتعامل مع البيانات العسكرية ومتابعة كل ما يحدث على الجبهة لحظة بلحظة. فى ذلك اليوم تحولت استوديوهات الإذاعة المصرية إلى خلية عمل لا تهدأ، واستُدعِى عدد من أشهر المذيعين والمراسلين، وبدأت رحلة طويلة من البث المتواصل وسط حالة من الاستنفار..

ماذا جرى بين أروقة الإذاعة منذ الساعات الأولى للحرب؟ وكيف وصلت التعليمات إلى المذيعين؟ ومن هم أصحاب الأصوات التى ارتبطت ببيانات أكتوبر وانتصاراته؟ وما هى الحكايات والكواليس التى عاشها رجال الإذاعة خلف الميكروفون ولم تصل إلى المستمعين؟

كل هذه الكواليس نستعيدها فى السطور التالية، حينما تتذكر آذاننا أصواتاً ومواقف صنعت جانباً مهماً من ذاكرة هذا الانتصار العظيم بين أروقة الإذاعة المصرية.

كان الإذاعى الكبير صالح مهران ضمن الإذاعيين الذين تقرر استدعاؤهم صباح السبت 10 رمضان، الموافق 6 أكتوبر 1973 لقراءة بيانات بدء الهجوم، وهو أحد القلائل الذين علموا بموعد الحرب قبلها بساعات، حيث تم إطلاعهم على خطة التحركات والاستعدادات لقراءة البيانات العسكرية، ووقتها كانت كل البيانات الحربية تُذاع على الهواء مباشرة عن كواليس يوم العبور، وردود الفعل فى الإذاعة والشارع المصرى، وحالة الخوف والذعر التى انتابت المصريين بعد قراءة البيان الأول الساعة الثانية والثلث ظهراً، وجرى استدعاء صالح مهران وعدداً آخر من المذيعين لحضور الاجتماع الصباحى نحو الساعة العاشرة، رغم أن موعد عمله يومها كان فى الخامسة مساءً، ولكن رئيس الإذاعة محمد محمود شعبان أبلغ صالح أن حرب التحرير ستكون فى الثانية ظهر هذا اليوم، وأطلعه على خطة التحركات، وكان معه البيان الأول منذ الواحدة ظهراً، وكان مقرراً إذاعته بالتزامن مع بدء الضربة الأولى، ولكن حدث تعديل.

الإذاعى عبدالوهاب محمود قرأ بيان الحرب باعتباره مذيع فترة الضحى، فكل مذيع التزم بقراءة البيانات أثناء فترة عمله، وذكر مهران من نصوص بيانات الإذاعة فى هذا اليوم: «نجحت قواتنا المسلحة فى عبور قناة السويس على طول المواجهة، وتم الاستيلاء على منطقة الشاطئ الشرقى للقناة، وتواصل قواتنا حالياً قتالها مع العدو بنجاح، كما قامت قواتنا البحرية بحماية الجانب الأيسر لقواتنا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وضربت الأهداف المهمة للعدو على الساحل الشمالى لسيناء، وأصابتها إصابات مباشرة، ونجحت قواتنا المسلحة فى اقتحام وعبور قناة السويس فى قطاعات عديدة بها، ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة».

قال صالح مهران إنه أقام وباقى المذيعين فى الإذاعة من يوم 10 رمضان حتى قرار وقف إطلاق النار، حيث كان المبنى أشبه بخلية عمل تضم مطربين وشعراء، والناس لم تصدق، والشوارع كانت شبه مُظلمة، وفُرضت حالة طوارئ، والأكثرية غلبت عليهم مشاعر الخوف.

شارك مهران فى عمل فيلم بعد نكسة 1967 عن ضرب الطائرات، ولم يُذَعْ، وكان عبارة عن وثائق مهمة، وبعد انتصارات أكتوبر بدأ ينتج أفلاماً تسجيلية عن العبور وما تلى العبور من أحداث، وهذا ما تقوم به إدارة السينما فى الشئون المعنوية بالقوات المسلحة، حيث يجرى عمل المونتاج والمكساج وكل العناصر الفنية فى الاستوديوهات، وشارك مهران فى 4 أفلام، وبدأ مصورو السينما يسافرون إلى المواقع والمعارك ليصوروا أحداث الحرب، ثم يأتون بها للتحميض، وعمل معهم المونتير الشهير «كمال أبوالعلا»، ثم يقوم مهران بكتابة النص وتسجيل التعليق الصوتى، وعُرضت هذه المجموعة على شاشة التليفزيون.

شارك مهران فى قراءة بيانات العبور، وذكر أنه ألقى البيان الخامس، لكن كانت هناك أقاويل متضاربة بينه وبين حلمى البلك، الذى أكد لنا نجله محمد، المذيع بقناة الأخبار، أن البلك هو الذى ألقى البيان الأول والثالث والخامس.

وفى صباح السادس من أكتوبر اتصل بابا شارو «محمد محمود شعبان»، رئيس الإذاعة وقتها، بصالح مهران، لكى يحضر اجتماعاً الساعة التاسعة صباحاً، وأعلن لهم أن مصر ستبدأ الحرب اليوم، وطلب منهم جميعاً أن يبتعدوا عن الصوت العالى، ويذيعوا كل ما يحدث فى الواقع، وكان من المفترض أن يتم إذاعة بيان الحرب الساعة الثانية ظهراً، لكنهم جميعاً فوجئوا الساعة الثانية إلا خمس دقائق بأوامر بتأجيل إذاعة البيان حتى الساعة الثانية وعشرين دقيقة، ثم توالت البيانات.

 حمدى الكنيسى

عندما نتحدث عن أجواء الإذاعة أثناء انتصارات أكتوبر، نذكر على الفور الإذاعى حمدى الكنيسى، فهو أشهر مراسل حربى أثناء حرب أكتوبر، وقد انضم إلى العمل مراسلاً حربياً فى اليوم الثانى للحرب مباشرة، وسجل وسط المقاتلين. يعد الكنيسى شاهداً على النصر، لكونه أحد أشهر مراسلى مصر الحربيين للإذاعة أثناء حرب أكتوبر الذين لعبوا دوراً بارزاً فى رفع الروح المعنوية للجنود خلال الحرب، وسطروا بحروف من نور البطولات التى قام بها الجنود على الجبهة، وتولى الكنيسى منصب رئيس قطاع الإذاعة فى الفترة من 1 أكتوبر 1997 وحتى 18 مارس 2001، حتى بلوغه سن التقاعد، وكان من أشهر البرامج التى عُرف بها برنامجا «صوت المعركة» و«يوميات مراسل حربى»، وذلك خلال فترة الحرب.

 حلمى البلك

للإذاعى حلمى البلك دور هام فى حرب أكتوبر، ربما لا يعرفه الكثيرون، حيث اتفق مع السلطات المصرية على توجيه رسائل شفوية للفدائيين داخل الأراضى المحتلة عن طريق برنامج «الشعب فى سيناء» لتنفيذ عمليات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلى.

فى هذه اللحظة أدرك «البلك» بحسه المخابراتى وحماسه الوطنى أن الحرب قد بدأت، وأخذ يراقب عقارب ساعته مُتلهفاً للبيان الرابع والخامس والسادس، من أجل استعادة سيناء، وخلال عمله بـ«صوت العرب» قام بعمل وطنى جليل أثناء حرب الاستنزاف، حيث قام بالاتفاق مع السلطات المعنية بتوجيه رسائل شفوية مُشفرة للفدائيين داخل الأراضى المحتلة فى سيناء عن طريق برنامج «الشعب فى سيناء» الذى كان يُقدمه آنذاك، وذلك لقيام الفدائيين بتنفيذ عمليات فى عمق سيناء ضد قوات الاحتلال الإسرائيلى.

حلمى البلك، كما صرح نجله المذيع محمد حلمى البلك، من مواليد العريش فى ٩ أغسطس ١٩٣٤، وهو أحد أبناء سيناء وله دور وطنى كبير من خلال عمله فى الإذاعة، حيث شعر أن عليه أن يُطمئن العشرات من أبناء سيناء الموجودين بالقاهرة عقب حرب ١٩٦٧، من الذين توافدوا عليه فى منزله يسألون عن الأخبار وعن مصير أسرهم، وأغلبهم من طلبة الجامعات والموظفين ورجال الأعمال، وشعر البلك أن لهؤلاء حقاً عليه لا بد من الوفاء به، فساهم فى تأسيس جمعية لخدمة أبناء سيناء تقوم على مساعدتهم وتقديم الخدمات لهم، وقدم برنامجاً فى إذاعة صوت العرب «الشعب فى سيناء» ليكون همزة وصل بين أبناء سيناء فى الداخل والخارج، والوقوف إلى جانب الفدائيين فى حرب الاستنزاف، وتعاون البلك مع المخابرات المصرية بإرسال شفرات على شكل رسائل للفدائيين داخل سيناء تُدسّ مع رسائل أبناء سيناء إلى ذويهم من خلال برنامج «الشعب فى سيناء».

وكان لحلمى البلك كذلك شرف إلقاء البيان رقم ٥ للقوات المسلحة، وهو بيان العبور، وقد رافق الرئيس أنور السادات فى رحلته للقدس، وفى أعقاب السلام، وقبل عودة العريش بيوم واحد توجه إلى العريش لتغطية فرحة أهل العريش بعودة سيناء إلى حضن الوطن ولحظة تسلم الأرض.

 «الأصوات النسائية»

شاركت الأصوات النسائية فى قراءة بيانات حرب أكتوبر على صوت العرب، حيث تم السماح للمذيعات بقراءة نشرة الأخبار قبل حرب أكتوبر بعامين، وفى يوم العاشر من رمضان (6 أكتوبر)، قرأت الإذاعية ميرفت رجب نشرة أخبار الساعة الواحدة والنصف إلى الرابعة عصراً، وجاء البيان الأول الساعة الثانية بعد الظهر، ولم تكن الحرب بدأت بعد، حيث كانت عبارة عن أمور تخص الطيران، ثم توالت البيانات، فقرأت البيانات الأولى حتى الساعة 4 عصراً، موعد انتهاء «الشيفت» الخاص بها، وحتى جاء البيان الخامس الذى قرأه سعد زغلول نصار بنفسه، والذى جاء فيه بيان العبور على «صوت العرب».

وكذلك الإذاعية إيناس جوهر حضرت حرب الاستنزاف، وكما وصفت لنا إلى أى مدى كان الجنود مشحونين وإرادتهم قوية وصلابتهم فى التدريب والعمليات التى قاموا بها، ولولاها ما كانت لتوجد ولادة لحرب أكتوبر العظيمة، وكانت إيناس جوهر ودرية شرف الدين الصوتين النسائيين الوحيدين فقط اللتين قرأتا البيانات، واختارهما الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإعلام لأنهما من ذوات الأصوات الهادئة والمبتسمة، لكى تقول الإذاعة للناس إن مصر انتصرت بدون التشنجات العصبية التى وجدوها من الإذاعة بعد نكسة 67، ثم انضمت لهما «صديقة حياتى»، فأصبحن الثلاث الوحيدات اللاتى يقرأن البيانات العسكرية فى حرب 6 أكتوبر على إذاعة الشرق الأوسط كأصوات نسائية، ثم بدأت القراءة مجموعة أخرى من المذيعات، بالإضافة إلى أنهن سافرن إلى الجبهة للمشاركة فى حفلات بهذه المناسبة.

 نص بيانات النصر

وسوف نلقى الضوء على نصوص هذه البيانات، فقد التفّ المصريون حول أثير البرنامج العام، الذى بدأ يبث فى الثانية والربع المارش العسكرى الشهير، والبيان الأول الذى كان فى إطار خطة الخداع الاستراتيجى وبصوت الإعلامى الشهير حلمى البُلك، كان نصه كالتالى: «هنا القاهرة.. جاءنا الآن البيان التالى من القيادة العامة للقوات المسلحة: قام العدو فى الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر اليوم، بمهاجمة قواتنا فى منطقتى الزعفرانة والسخنة فى خليج السويس، بواسطة عدة تشكيلات من قواته الجوية عندما كانت بعض من زوارقه البحرية تقترب من الساحل الغربى من الخليج، وتقوم قواتنا حالياً بالتصدى للقوات المغيرة».

‎فيما جاء البيان الثانى فى تمام الساعة 2: 35 بصوت يحيى عبدالعليم، بتحرك قواتنا الجوية كالتالى: «هنا القاهرة.. جاءنا الآن البيان التالى من القيادة العامة للقوات المسلحة: بيان رقم اثنين.. رداً على العدوان الغادر الذى قام به العدو ضد قواتنا، تقوم حالياً بعض من تشكيلاتنا الجوية بقصف قواعد وأهداف عسكرية فى الأراضى المحتلة».

‎وفى تمام الثالثة عصراً، تلا حلمى البلك البيان الثالث الذى يبرز نجاح مهام القوات الجوية كالتالى: «هنا القاهرة.. جاءنا الآن من القيادة العامة للقوات المسلحة البيان التالى: إلحاقاً بالبيان رقم اثنين.. نفذت قواتنا الجوية مهامها بنجاح، وأصابت مواقع العدو بإصابات مباشرة، وعادت جميع طائراتنا إلى قواعدها سالمة عدا طائرة واحدة.. هنا القاهرة».

وجاء البيان الرابع فى الثالثة والنصف بصوت يحيى عبدالعليم، مشيراً إلى الاشتباكات بين القوات البرية بالضفة الشرقية للقناة كالتالى: «هنا القاهرة.. جاءنا الآن من القيادة العامة للقوات المسلحة البيان التالى: البيان رقم أربعة.. حاولت قوات معادية الاستيلاء على جزء من أراضينا غرب القناة، وقد تصدت لها قواتنا البرية وقامت بهجوم ناجح ضدها بعد قصف مركز من مدفعيتنا على النقاط القوية المعادية، ثم قام بعض من قواتنا باقتحام قناة السويس ومطاردة العدو إلى الضفة الشرقية فى بعض مناطقها، ولا يزال الاشتباك مستمراً على الضفة الشرقية لقناة السويس.. هنا القاهرة».

‎ثم جاء البيان الخامس، بيان العبور الذى يعد الإعلان الأول لرد الكرامة والنصر من القاهرة فى بيان استثنائى لحلمى البُلك فى الخامسة مساءً ليقول أغلى كلمات سمعها المصريون:

«جاءنا الآن من القيادة العامة للقوات المسلحة البيان التالى: نجحت قواتنا فى اقتحام قناة السويس فى قطاعات عديدة، واستولت على نقاط العدو القوية بها، ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة.. هنا القاهرة».

 	سها سعيد

سها سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فى مساء الخامس من أكتوبر 1973، لم يكن فى الأفق ما يوحى بأن الغد سيكون
الإذاعة المصرية
أحمد الدمنهورى: لى تاريخ طويل من التعاون مع «ماسبيرو»
ذكرى تأميم قناة السويس
الإذاعة المصرية تفوز بجائزتين فى المهرجان العربى للإذاعة والتليفزيون ب
شيرين
إحسان عابد: الإذاعة لم تعد وسيلة ترفيه
أحمد فراج: أبرز عيوبى ضعف الإيمان

المزيد من اعلام

حكايات يوم العبور فى «ماسبيرو»

كانت تلاوة الشيخ محمد أحمد شبيب فى صلاة فجر يوم المعركة بمثابة مهابة لامست أعماق النفس فخشعت القلوب وصفت الأرواح...

بيانات النصر بصوت «الإذاعة المصــرية»

«هنا القاهرة».. نجحت قواتنا فى رفع العلم على الضفة الشرقية للقناة «إيناس جوهر» و«درية شرف الدين».. أشهر الأصوات النسائية» فى...

الإذاعى الذى سجل مع «عساف ياجورى».. وترجم كلمة «السادات» فى الكنيست

آمال العنانى: «بيجن» أشاد بطلاقة لغة «أحمد الحملى» العبرية قائلاً: «كأنه تخرج فى تل أبيب»

د. شيرين عبد العزيز عضو لجنة تحكيم مسابقة أفلام الطلبة والشباب

تشارك أ.د. نسرين عبد العزيز، رئيس قسم الإنتاج الإذاعي والتليفزيوني الرقمي، كعضو لجنة تحكيم مسابقة أفلام الطلبة والشباب «Gen Z»،...