بانوراما أكتوبر.. رحلة بالزمن إلى لحظة «الله أكبر»

إعادة كتابة التاريخ بالصوت والصورة

كانت شمس الصباح تشرق بهدوء، وتلقى بأشعتها الذهبية على أسطح المبانى والمقاهى المتراصة فى صباح قاهرى لطيف. لكن وجهتى هذه المرة لم تكن متنزهًا عاديًا أو معلمًا أثريًا قديمًا كما جرت العادة، وإنما رحلة إلى مكان يختزن فى جنباته لحظة فارقة غيّرت مجرى التاريخ المصرى الحديث، وصنعت فارقًا بحجم التاريخ بين اليأس والأمل.

كانت الوجهة بانوراما حرب أكتوبر، القابعة فى قلب شارع صلاح سالم بالقاهرة.

خرجت من المنزل، والشارع يمارس نشاطه الصباحى المعتاد؛ أصوات باعة الخضراوات والخبز.. وقع أقدام السائرين إلى أعمالهم، وحركة السيارات التى بدأت تتزايد تدريجيًا. استقللت الحافلة المتجهة إلى منطقة البانوراما، وبدأت الرحلة عبر شرايين العاصمة المتشابكة، مرورًا بميادين تحمل كل منها حكاية من حكايات القاهرة.

ومن قلب المدينة، اتجهت السيارة نحو طريق النصر وشارع صلاح سالم، ذلك الشريان الحيوى الذى يربط مناطق واسعة من القاهرة. كان الطريق متسعًا وحافلًا بالحافلات والسيارات، فيما تتناثر على جانبيه مبانٍ حكومية ومعالم تاريخية.

ومع الاقتراب من ساحة البانوراما، بدأت ملامح الترقب ترتسم داخلى. وعلى مسافة قصيرة من المنصة الشهيرة والنصب التذكارى للجندى المجهول، ظهرت أمامى القبة الدائرية الضخمة، تحيط بها مساحات خضراء ومقاعد وممرات، وكأنها واحة للتأمل وسط صخب العاصمة.

كان المبنى، بتصميمه الأسطوانى المهيب، يوحى منذ الوهلة الأولى بأن الداخل إليه مقبل على تجربة مختلفة؛ تجربة لا تكتفى بعرض التاريخ، وإنما تسعى إلى إعادة تقديمه بالصوت والصورة والمجسمات.

خطوت نحو البوابة الرئيسية وأنا أشعر بأن كل خطوة تقربنى من الساحة أشبه بعبور حقيقى لآلة الزمن؛ عبور ينقلنى من ضوضاء الحاضر إلى أجواء السادس من أكتوبر عام 1973، يوم بدأت واحدة من أهم صفحات التاريخ العسكرى المصرى الحديث.

وبعد إنهاء إجراءات الدخول، استقبلتنى الساحات المفتوحة قبل الوصول إلى مبنى القبة الداخلى. هناك، تقف نماذج من الأسلحة والمعدات العسكرية التى توثق جانبًا من معارك حرب أكتوبر، ليجد الزائر نفسه منذ اللحظة الأولى أمام شواهد مادية على تلك المرحلة.

 بين صمت المدافع وضحكات الأطفال

فى الساحة المكشوفة المحيطة بالقبة الرئيسية، شعرت وكأننى أسير فى معرض عسكرى مفتوح بلا جدران. الأشجار تلتف حول الممرات، وعلى جانبى الطريق تتوزع منصات تحمل قطعًا عسكرية ثقيلة تقف اليوم فى صمت، بعدما كانت ذات يوم جزءًا من ميادين القتال.

بدأت الجولة بين المعدات العسكرية، فتوقفت أمام دبابات ومدافع ومعدات مختلفة تعكس طبيعة التسليح الذى استخدمته القوات خلال تلك المرحلة.

كانت الدبابات، بأحجامها الضخمة وآثار الزمن الظاهرة على هياكلها، تستوقف الزائر قبل أى شىء آخر. تأملت الجنازير الحديدية التى كانت يومًا تتحرك فوق رمال سيناء، وحاولت أن أتخيل المشهد فى السادس من أكتوبر؛ جنود يتقدمون، ومعدات تعبر، وأصوات القذائف والطائرات تختلط بأصوات التكبير.

وعلى مسافة غير بعيدة، وقفت المدافع الميدانية ومدافع "الهاوتزر" إلى جوار نماذج من الصواريخ المضادة للدروع، بما يعكس تنوع الأسلحة التى دخلت ميدان المعركة.

كما لفت انتباهى وجود نماذج لمنظومات الدفاع الجوى، التى ارتبطت فى الذاكرة المصرية بما عُرف باسم «حائط الصواريخ»، والذى كان أحد العناصر المهمة فى حماية القوات المصرية خلال مراحل الحرب.

وفى الجانب الآخر من الساحة، ظهرت نماذج ومعدات استولت عليها القوات المصرية خلال المعارك، لتمنح الزائر صورة عن طبيعة التسليح الذى واجهته القوات المصرية على جبهة القتال.

وجود هذه المعدات فى مساحة واحدة يخلق إحساسًا مختلفًا؛ فهذه ليست مجرد قطع حديدية متوقفة عن العمل، وإنما شواهد صامتة على معارك حقيقية، وعلى مرحلة امتزج فيها التخطيط العسكرى بالشجاعة والتضحية.

وتخللت الساحة مجموعات من النصب التذكارية والمجسمات التى تصور جنودًا مصريين فى أوضاع مختلفة. وبينما كان الزوار والعائلات يلتقطون الصور التذكارية، كان الأطفال يتأملون المعدات الضخمة ويتابعون تفاصيلها بفضول واضح.

تأملت تلك القطع لبعض الوقت، ودونت فى مذكرتي:

«الأثر الحربى ليس مجرد حديد صلب وبارود قديم، بل ذاكرة حية تحتفظ بأرواح الرجال الذين أداروا محركاته فى لحظات الاستبسال».

وبعد جولة فى الساحة المفتوحة تحت أشعة الشمس، اتجهت نحو المدخل الرئيسى للمبنى الدائرى، استعدادًا للغوص فى أعماق البانوراما من الداخل.

 القاعات الداخلية.. مسار الصمود وتخطيط الساعات العصيبة

دخلت من الأبواب الزجاجية إلى المبنى، فاستقبلتنى أجواء أكثر هدوءًا وإضاءة خافتة، بينما بدا التصميم الداخلى مهيئًا لنقل الزائر تدريجيًا من أجواء القاهرة الحديثة إلى أجواء التاريخ العسكرى.

بدأت الجولة بالقاعة المخصصة لتوثيق المرحلة التى سبقت حرب أكتوبر، وما شهدته من إعادة بناء وتطوير للقوات المسلحة بعد نكسة يونيو 1967.

داخل القاعة، تتوزع شاشات العرض والمواد التوثيقية، إلى جانب خرائط ووثائق ونماذج تساعد الزائر على فهم السياق الذى سبق الحرب، وكيف تطورت الاستعدادات وصولًا إلى قرار العبور.

توقفت طويلًا أمام المقتنيات والوثائق المعروضة، وحاولت أن أتخيل أصحابها وهم يعيشون تلك المرحلة؛ ساعات من العمل والتخطيط والانتظار، وصولًا إلى اللحظة التى بدأت فيها المعركة.

كما تعرض القاعات نماذج مصغرة للتحصينات والخنادق وخط بارليف، بما يساعد الزائر على تصور طبيعة الدفاعات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة، والتحديات التى واجهتها القوات المصرية أثناء عملية العبور.

ثم انتقلت إلى قاعة أخرى تعتمد على العرض التفاعلى والمجسمات والمؤثرات الصوتية والضوئية، لتقدم سردًا لمراحل من حرب الاستنزاف وما سبق حرب أكتوبر من عمليات عسكرية بارزة.

ومن بين الأحداث التى تستوقف الزائر عملية إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات»، إلى جانب عمليات أخرى ارتبطت بالضفادع البشرية والقوات الخاصة، فضلًا عن الجهود التى سبقت بناء منظومة الدفاع الجوى.

كان أسلوب العرض يخاطب العقل والعاطفة فى الوقت نفسه؛ فالإضاءة الخافتة والموسيقى التصويرية والسرد الصوتى تجعل الزائر أكثر اندماجًا فى الأحداث، وكأن المسافة الزمنية بينه وبين عام 1973 تتقلص تدريجيًا.

دونت فى مذكرتي:

«إن النصر لم يكن وليد صدفة أو ضربة حظ، بل كان نتاج سنوات من العمل والتخطيط والصبر، أعادت صياغة الشخصية المصرية من جديد».

وبعد الانتهاء من القاعات الداخلية، اتجهت عبر المسار المؤدى إلى القاعة الكبرى، حيث تنتظر الزائر التجربة الأبرز فى البانوراما.

 20 دقيقة فى قلب المعركة

وصلت إلى قاعة العرض البانورامى، حيث يجلس الزائر فى مدرج دائرى يتيح له متابعة المشهد من زوايا متعددة.

هنا تتحول الزيارة من مشاهدة وثائق ومقتنيات إلى تجربة بصرية وسمعية متكاملة؛ لوحة بانورامية ضخمة تمتد حول القاعة، تتداخل معها مجسمات وعناصر ثلاثية الأبعاد ومؤثرات صوتية وإضاءة مسرحية.

ومع بدء العرض، تنخفض الإضاءة تدريجيًا، وتبدأ أصوات المعركة فى الظهور. تتردد التكبيرات، وتتعالى أصوات الطائرات والقذائف، بينما تتسلط الإضاءة على أجزاء محددة من المشهد وفقًا لتتابع الأحداث.

تظهر عملية عبور القوات المصرية للقناة، ومحاولات التغلب على الساتر الترابى، واقتحام التحصينات، ورفع العلم المصرى، بينما تنتقل الصورة إلى مشاهد أخرى من المعارك البرية والجوية.

الدمج بين اللوحة والمجسمات والمؤثرات الصوتية يجعل المشهد أكثر تأثيرًا؛ فالزائر لا يقرأ فقط عن العبور، وإنما يشاهده فى صورة درامية تحيط به من مختلف الاتجاهات.

استمر العرض نحو عشرين دقيقة، لكنها مرت سريعًا وكأنها لحظات خارج حدود الزمن.

كانت التجربة مزيجًا من الفن التشكيلى والهندسة والمؤثرات الصوتية والتوثيق التاريخى، وقدمت تصورًا بصريًا مكثفًا لمعركة العبور وما صاحبها من تضحيات وبطولات.

وقبل مغادرة القاعة، كتبت:

«هنا لا تشاهد التاريخ كنصوص صامتة فى كتب المدارس، بل تراه من حولك فى مشهد حى يستدعى الذاكرة ويمنحها صوتًا وصورة».

 لغة العصر لإعادة حكايات الأبطال

بعد التجربة الوجدانية داخل قاعة العرض البانورامى، توجهت إلى القاعات التى تعتمد على وسائل العرض الحديثة، والتى تستهدف مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة التكنولوجيا.

شاشات تفاعلية، عروض ثلاثية الأبعاد، ووسائل محاكاة تساعد الزائر على التعرف إلى مراحل مختلفة من التاريخ العسكرى المصرى.

وكان لافتًا تفاعل الأطفال والشباب مع تلك الوسائل؛ إذ تتيح بعض العروض للزائر التعرف إلى أسماء المعارك والشخصيات العسكرية ومواقع الأحداث من خلال الخرائط والوسائط التفاعلية.

هذا النوع من العرض يقدم التاريخ بطريقة مختلفة، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى الأحداث بعيدًا عن أسلوب التلقين التقليدى.

واختتمت جولتى بالمرور على المكتبة والمقتنيات والتذكارات المتاحة للزوار، قبل أن أعود مرة أخرى إلى الساحة الخارجية.

كانت شمس الظهيرة قد بدأت تتوسط السماء، وجلست لبعض الوقت على أحد المقاعد فى الحديقة المحيطة بالبانوراما.

أمام عينى، كان الأطفال يلعبون فى الساحات، بينما تقف الدبابات والمدافع فى صمت إلى جوارهم.

كان هذا المشهد هو أكثر ما استوقفنى فى الزيارة: أدوات الحرب التى ارتبطت بالمعارك، تقف اليوم وسط أجواء من الهدوء والطفولة والسلام.

 اعادة كتابة التاريخ

بدأت رحلة العودة، وغادرت بوابة البانوراما باتجاه شارع صلاح سالم. كانت حركة السيارات قد ازدادت، وعادت القاهرة إلى إيقاعها المعتاد.

وفى طريق العودة، مرت السيارة بالقرب من النصب التذكارى للجندى المجهول. نظرت إليه هذه المرة بإحساس مختلف تمامًا عن ذلك الذى بدأت به رحلتى فى الصباح.

لم تعد البانوراما بالنسبة لى مجرد مبنى أو مزار سياحي؛ فقد تحولت خلال ساعات قليلة إلى رحلة فى الذاكرة المصرية، تبدأ من ساحات تضم المعدات العسكرية، وتمر بوثائق وقصص وأحداث، وتنتهى داخل قاعة تعيد تقديم لحظة العبور بالصوت والصورة.

غادرت المكان وأنا أحمل انطباعًا واضحًا: أن زيارة بانوراما حرب أكتوبر ليست مجرد جولة فى متحف، وإنما اقتراب من ذاكرة وطنية تحكى قصة الإرادة والتخطيط والتضحية، وتستعيد واحدة من أكثر اللحظات حضورًا فى الوجدان المصرى.

وهكذا، من الخندق إلى القبة، ومن صمت الدبابات إلى صوت «الله أكبر»، تظل البانوراما محاولة فنية وبصرية لاستعادة يوم لم يكن عاديًا فى تاريخ مصر؛ يوم تحولت فيه الإرادة إلى فعل، والخطة إلى عبور، والذاكرة إلى حكاية لا تزال تُروى للأجيال.

عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

بانوراما أكتوبر.. رحلة بالزمن إلى لحظة «الله أكبر»

إعادة كتابة التاريخ بالصوت والصورة

اللواء عادل الزنكلونى: الشرطة أحبطت خطـة «الـورق المفضض» للعدو

فى سرعة تامة «المرور» سهّل وصول المعدات والجنود إلى الجبهة

خطة وزارة العدل لسد ثغرات إعلان المتهمين فـى القضايا الجنائية

وداعاً لشغل الإعلانات الأمريكانى.. د. محمد سليم الناظر: تحديث البيانات يمثل تحدياً أمام نجاح المنظومة الجديدة ممدوح العيادى: التقاضى عن...

بائعة ترمس وجدت 35 ألف جنيه فبحثت عن صاحبها وأعادتها له

جميلة: الأمانة أفضل من مال قارون