عين الصيرة.. البحيرة تسترد أنفاسها وتستعيد ذاكرتها

ضمن مخطط شامل لتطوير الفسطاط والقاهرة التاريخية أكبر حديقة مركزية وغابة شجرية متكاملة فى الشرق الأوسط انتشال نصف مليون متر مكعب مخلفات أغلقت مسام عيونها الفوارة

على مقربة من جدران الفسطاط العريقة، وفي البقعة التي تتوسط أبرز شواهد التاريخ المصري بقلب القاهرة الجنوبية، توجد بحيرة عين الصيرة، التي تتوسط اثنين من أهم المقاصد السياحية والثقافية في مصر الحديثة، فمن ناحيتها الشمالية والغربية يمتد سور مجرى العيون الحجري العتيق، الذي استعاد بهاؤه المعماري مؤخراً، بينما يرتفع عند ضفتها الجنوبية والشرقية صرح المتحف القومي للحضارة المصرية، بأحجاره التراثية وهيبته التاريخية.

هذا الموقع الاستراتيجي النادر، يمنح عين الصيرة مكانا استثنائيا في قلب المسار السياحي والثقافي للقاهرة التاريخية، إذ أصبحت البحيرة والمحيط العمراني المتصل بها بمثابة العصب الأخضر وشريان الترفيه المتكامل، الذي يربط بين عظمة المعمار المائي الإسلامي المتمثل في السور، وبين العرض المتحفي العالمي الذي يحتضن موكب المومياوات الملكية، وذاكرة مصر عبر العصور.

وعندما يقف الزائر اليوم على مشارف هذه المنطقة، يظهر له مشهد متكامل الأركان، تتناغم فيه زرقة الماء مع المساحات الخضراء الممتدة والنوافذ المعمارية الحديثة، لتتحول المنطقة برمتها من مجرد مكان عانى الإهمال والعشوائية طوال العقود الماضية، إلى منطقة حضارية مفتوحة، تجذب العائلات والزوار والسائحين من مختلف دول العالم، فالزائر الذي يقصد عين الصيرة، يستشعر عراقة الفسطاط، كأول عاصمة إسلامية في إفريقيا، ويستحضر عبقرية الهندسة المائية في سور المجري، ويتأمل المعروضات الأثرية في متحف الحضارة.

حكاية التطوير الشامل

لم تكن عين الصيرة التي نراها اليوم سوى حلم حضاري، ظهرت ملامحه بعد عقود طويلة من التلوث والإهمال، إذ عانت المنطقة من التدهور البيئي، وتحولت إلى بؤر للمخلفات ومصارف للمياه غير المعالجة، لكن المخطط الشامل لتطوير منطقة الفسطاط والقاهرة التاريخية أتى برؤية جديدة، وبفضل الجهود المشتركة، بين وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية والهيئة الهندسية، في إعادة تأهيل المنطقة بشكل كامل، بما في ذلك إنشاء محطة لعلاج التلوث وتحسين جودة المياه في البحيرة، تحولت المنطقة المحيطة بالبحيرة إلى متنزه عام، يضم مسارات للدراجات، وملاعب، ومناطق للتجول، إلى جانب مرافق ترفيهية متنوعة.

بفضل هذه الجهود، تحولت هذه المأساة البيئية إلى أكبر ملحمة هندسية لإعادة التأهيل البيئي والمعماري. بدأت الأعمال بتنظيف قاع البحيرة، وتطهير عمقها، وإزالة مئات الأطنان من المخلفات والتراكمات التي أغلقت مسام عيونها الفوارة لسنوات طويلة، وكذلك المنطقة المحيطة بالبحيرة، وانتشال ما يقرب من نصف مليون متر مكعب من هذه المواد الضارة.

ولضمان استدامة المياه وصحتها البيئية، جرى تشييد محطة معالجة ثلاثية متطورة لتصفية مياه البحيرة، مع إقامة نوافير مائية راقصة ومتحركة في قلب المياه، لتجديد الأكسجين ومنح المكان حيوية بصرية وصوتية، كما أحيطت البحيرة بشريط من التدبيش الحجري الأنيق، لمنع انجراف التربة، وتحديد حوافها المعمارية بدقة.

لم يتوقف التطور عند حدود المياه، وامتد إلى المساحات الممتدة حولها بمشروع متنزه حضاري متكامل، على مساحة تتجاوز 63 فدان، وشملت إنشاء مشاية ومسارات للتنزه، بناء خطوط خرسانية وخشبية مجهزة، تحيط بالبحيرة، لممارسة رياضة المشي وركوب الدراجات وسط الخضرة، وكذلك إنشاء جزيرة الشاي والمطاعم، وهي عبارة عن جزيرة استوائية وسط المياه، تضم مطاعم وكافيهات، مصممة بطراز معماري يتناغم مع طبيعة المكان، وتصل إليها الجسور الخشبية، ثم نجد في طريقنا المرسى ومناطق الترفيه، وهو مخصص للقوارب الخشبية الصغيرة، التي تتيح للزوار جولات نهرية هادئة في قلب البحيرة.

ويظهر الاهتمام بالفنون من خلال بناء المسرح المفتوح، وتحيطه مناطق خضراء على شكل مدرجات مسرحية مفتوحة، لاستضافة الفعاليات الثقافية والفنية، تحيطها مئات الأشجار ونخيل الزينة وشجيرات الزهور الملونة.

العيون الكبريتية وذاكرة الفسطاط

رواية التاريخ لا تقل سحرا عن المشهد المعماري الذي نراه اليوم في منطقة عين الصيرة، فهي ليست بحيرة صناعية طارئة، بل نبع طبيعي أزلي، يرتبط تاريخه بتضاريس القاهرة الجنوبية، وتكوينها الجيولوجي الفريد، المتاخم لمقطم الفسطاط.

تشير المراجع التاريخية والجغرافية القديمة إلى أن البحيرة كانت تعرف قديما بـ "عين الصيرة"، نسبة إلى العيون الكبريتية النابعة من باطن الأرض، وتعود جذور نشأتها الطبيعية إلى تفجر المياه الجوفية ذات الخصائص المعدنية والكبريتية التي تتسرب من الصخور الجيرية للهضبة، لتتشكل منها بحيرة طبيعية، استقر حولها الأهالي منذ العصور الإسلامية الأولى، عقب تأسيس مدينة الفسطاط على يد القائد عمرو بن العاص عام 641م.

ظلت هذه المياه الكبريتية لقرون طويلة مقصدا الاستشفاء والعلاج الطبيعي وشاع بين أهالي القاهرة والتجار الوافدين أن مياهها وشواطئها الطينية تحمل خواص طبية تساعد في علاج الأمراض الجلدية وآلام المفاصل، مما جعلها محط أنظار الرحالة والمؤرخين، الذين زاروا مصر وسجلوا مشاهداتهم عن عيون الفسطاط الاستشفائية.

ومع تعاقب العصور، وتحديدا في العصر المملوكي ثم العثماني، ارتبطت عين الصيرة بالمحاور المعمارية المائية الكبرى في المنطقة، حيث كانت تغذي القنوات المجاورة، وتتصل هيدروليكيا بفيضان النيل وخطوط السحب، التي أنشأها السلاطين لمد القلعة بالمياه، عبر سور مجرى العيون. وعلى الرغم من التحولات العمرانية التي شهدتها القاهرة في القرن العشرين، وأدت إلى انحسار بعض عيونها وتغير طبيعتها البيئية، ظلت البحيرة محتفظة باسمها وهويتها في ذاكرة المصريين. واليوم، لا تمثل عين الصيرة مجرد استعادة لمنظر طبيعي جميل، بل عملية إعادة إحياء لذاكرة المكان، وتاريخ الفسطاط الاستشفائي والثقافي.

تطوير الفسطاط بالكامل

لم يكن إنقاذ بحيرة عين الصيرة مشروعا منفصلا لعزل بقعة مائية وتجميل حوافها، بل جاء كشرارة الانطلاق، والمحور الرئيسي لـ مشروع حدائق تلال الفسطاط، وهو المخطط الاستثماري والثقافي الأعظم في قلب القاهرة التاريخية، والذي يعيد تحويل ما يقرب من 500 فدان، من المناطق العشوائية والمهملة، إلى أكبر حديقة مركزية وغابة شجرية متكاملة في الشرق الأوسط.

يربط هذا المخطط العمراني الشامل، بين عين الصيرة وسور مجرى العيون ومجمع الأديان ومتحف الحضارة، في نسيج واحد، حيث تضم المنطقة اليوم عدة مناطق تنموية وثقافية متكاملة، مثل منطقة المغامرة والتلال، حيث جرى استغلال التضاريس المرتفعة المحيطة بالبحيرة وتوفر إطلالات بانورامية تطل على قلعة صلاح الدين ومآذن قاهرة المعز، والمنطقة الثقافية والسوق التراثي، وتخصيص مساحات لإحياء الحرف التقليدية والحرفية، التي تميزت بها الفسطاط تاريخيا، الخزف والفخار والزجاج المعشق، بالإضافة إلى حديقة الاستقبال والساحات الفندقية، وبها مرافق متطورة لاستقبال الأفواج السياحية والرحلات المدرسية والعائلية، وتوفير مناطق خدمات رفيعة المستوى.

يوم في عين الصيرة

تبدأ الزيارة من البوابة الرئيسية، المطلة على محور عين الصيرة، حيث يستقبلك النسيم الهادئ المتدفق من سطح المياه، خطوة تلو الأخرى، على المشايات الخشبية المجهزة، تجد نفسك محاطا بالنباتات العطرية وأشجار النخيل المتراصة.

على مسافة قصيرة، يمكنك الجلوس في أحد الكافيهات المطلة على النوافير المائية الملونة، حيث يوجد 4 مطاعم بمساحة 1,5 فدان، أو استقلال قارب خشبي صغير يذهب بك عبر البحيرة، نحو جزيرة الشاي، في تجربة استجمام نادرة، هربا من صخب العاصمة، وما أن تنهى جولتك البحرية، حتى تجد نفسك على بعد خطوات معدودة من مدخل المتحف القومي للحضارة المصرية، لمتابعة رحلة الاستكشاف داخل القاعات الملكية، أو الاتجاه شمالا صوب سور مجرى العيون، لتأمل المعمار المملوكي، ومناطق انتظار سيارات، ومباني خدمات خاصة بها، مثل خزان مياه وإطفاء الحريق وخزان المياه العكرة، لرى المزروعات ومحطة كهرباء رئيسية لتغذية المشروع، وشبكة رى للمناطق الخضراء، وشبكة للصرف الصحي، ومحطة معالجة وتنقية مياه البحيرة. تستقبل بحيرة عين الصيرة ومتنزهاتها الحضارية زوارها طوال أيام الأسبوع، من التاسعة صباحا وحتى الحادية عشرة مساء، مما يتيح فرصة مثالية للاستمتاع بالأجواء نهارا أو مساء.

وللوصول إلى البحيرة، تتوفر عدة مسارات سهلة وسريعة، إذ تقع مباشرة على طريق الفسطاط بمصر القديمة، ومجاورة لـ محور صلاح سالم وطريق عين الصيرة الجديد. ويمكن للزائرين الوصول إليها بسهولة، باستخدام وسائل النقل الجماعي، أو عبر استقلال مترو الأنفاق (الخط الأول) والنزول في محطة مارى جرجس أو محطة الملك الصالح، ومنهم استقلال وسيلة مواصلات قصيرة لعدة دقائق، تستقر بك أمام البوابة الرئيسية للبحيرة ومتحف الحضارة، كما يضم الموقع ساحات ومواقف فسيحة ومجهزة لانتظار السيارات الخاصة.

تتميز أسعار التذاكر بكونها في متناول العائلات والمواطنين، حيث تبلغ تذكرة الدخول العامة لمتنزه البحيرة 30 جنيها للمواطن المصري، و60 جنيها للزائر الأجنبي، مع العلم أن تذكرة دخول متحف الحضارة مستقلة، لمن يرغب في دمج الزيارتين. وتتوافر داخل متنزه عين الصيرة منظومة خدمات سياحية وترفيهية متكاملة، تضمن تجربة مريحة لكافة الفئات، وتضم مطاعم وكافيهات متنوعة تنتشر على ضفاف البحيرة وفي جزيرة الشاي، لتقديم المأكولات والمشروبات، وسط إطلالات مائية بديعة، وبأسعار في متناول الجميع.

كما توجد خدمات ترفيهية مثل مرسى قوارب خشبي يتيح جولات مائية هادئة، ومناطق ألعاب للأطفال مجهزة وآمنة، بالإضافة إلى مسارات مخصصة لذوي الهمم ولكبار السن، ودورات مياه حديثة وموزعة، وأطقم أمن ونظافة تعمل على مدار الساعة لضمان راحة وسلامة الزوار.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

التاريخ يتنفس من جديد.. سور مجرى العيون يفتح أبوابه للحياة
وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة
اللواء إبراهيم عبد الهادى: نهدف لتطوير القاهرة الخديوية.. وإعادة الرؤي
حارة

المزيد من تحقيقات

محمد سلامة: نور البصيرة سبب حفظى للقرآن وتفوقى العلمى

ابن البحيرة الذى يشبهونه بالإمام الشافعى فى نبوغه

عين الصيرة.. البحيرة تسترد أنفاسها وتستعيد ذاكرتها

ضمن مخطط شامل لتطوير الفسطاط والقاهرة التاريخية أكبر حديقة مركزية وغابة شجرية متكاملة فى الشرق الأوسط انتشال نصف مليون متر...

محمد نصر الدين: الزوج الصالح.. أفضل من مال الدنيا

رفض كتابة قائمة منقولات لابنته بمليون جنيه زواج الفتاة ليس صفقة ولا تجارة حتى يتمسك أولياء الأمور بالمظاهر المادية.. وإنما...