أطاحت بوزراء ورموا بها «العندليب » فى أول ظهور له
لونها الأحمر القاني، وعنقودها الأخضر المرسوم، يعطيك شعورا بالراحة والطمأنينة، كما أن رؤيتها مرصوصة أمام الباعة تزين الأسواق تسر الناظرين.. لكن هذا السكون لا يعبر دائما عن حالها، وربما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة الجنونية، فما تلبث أن تنتقل أخبارها من السؤال عن أسعارها في الأسواق إلى تصدر الصفحات الأولى من مانشيتات الجرائد، وليس لنا في الأمر حيلة إلا وصفها بالمجنونة.
لم يحظ أي نوع من الخضار على مدار قرن من الزمان بهذا الاهتمام بأسعار صعوده، وهبوطه، مثلما حظيت الطماطم ولم لا - وهى المسماه في التراث المصرى "عمود البيت" الذي لا يمكن الاستغناء عنه في المطبخ المصري، منذ أن تسللت هذه الحبة الحمراء إلى مطبخنا في منتصف القرن التاسع عشر والتي تحدثت عنها دكتورة نيللى حنا الباحثة في التاريخ العثماني في كتابها "ثقافة الطبقة الوسطى في مصر"، إذ أوردت أنه قبل الفتح العثماني لم يكن المطبخ المصرى يعرف الطماطم، وكانت في البداية حكرا على الأغنياء، ثم تسللت إلى الطبقة الوسطى عن طريق الخدم وكانت الطواجن والكشرى تصنع بدونها".
لا شك أن هذه الثمرة قد صعدت السلم الاقتصادي خطوة خطوة، حتى أصبحت رومانة ميزان السوق المصرى ويكون انخفاض سعرها هو دليل على الرخاء، وارتفاعه هو الغلاء نفسه فهي قلب وأساس أى طبخة، وهي التي تعطى مذاق المسبك وطعما مختلفا لقطعة الجبن بالطماطم، أو طبق الفول بالدمعة للفقير.
في تاريخ مصر السياسي، أطاحت المجنونة باثنين من الوزراء الأول كان سنة ١٩٥٣ في حكومة محمد نجيب، عندما ارتفعت أسعارها للسماء وخرج الناس يتظاهرون من غلائها، فما كان من جمال سالم عضو قيادة الثورة إلا أن قال "تسعير الطماطم. أهم من خروج الإنجليز من مصر، وعليه صدرت الأوامر لوزير التموين وقتها فريد أنطون بفرض التسعيرة الجبرية للمجنونة للسيطرة عليها، فما كان من الوزير أن قدم استقالته احتجاجا على التدخل في عمله، والمرة الثانية كانت في فترة التسعينات في حكومة الدكتور الجنزوري، حدث نفس الموضوع، وكانت أزمة وصل صداها لمجلس الشعب فما كان من وزير التموين والتجارة وقتها أحمد جويلي، إلا أن قدم استقالته فيما عرف باستقالة من أجل المجنونة.
ولكن ما تعارف عليه المزارعون والتجار هو القفزة المجنونة لها في نفس الموعد من كل عام، فيما يعرف بتغيير عروة الزراعة وحدوث فجوة بسبب تغير الفصول مع تصاعد الأسعار لكل السلع جعل سعرها هذه المرة يتخطى حاجز الجنون، وإن كانت في أوروبا تمثل الاعتراض السلمي على رجال السياسة "الحدف بالطماطم"، فقد انتقلت هذه العادة إلى مصر للتعبير عن الرفض الاجتماعي لما لا يعجب الناس فكانت حاضرة في المسارح كنوع من الرفض السلمى ولكن أثره يدوم بالبقعة الحمراء، ومن أشهر المطربين الذين حدفهم الجمهور بالطماطم، كان الفنان عبد الحليم حافظ في أول ظهور له وغنائه لون جديد لم تألفه أذن الجمهور.
والطماطم لها حضورها ورمزيتها في الأدب الشعبي والتراث فلونها الأحمر هو رمز الخصوبة والحب والبساطة.
هذا الحضور الطاغي لهذه الثمرة المجنونة جعل باحثة أمريكية كانت تدرس في مصر بالقيام ببحث ميداني للأسواق المصرية، رصدت فيه علاقة المصريين بالطماطم منذ عرفوها، وما أحدثته من تغيير في المطبخ المصري والمزاج المصرى، وقد خرج هذا البحث الميداني في كتاب تاريخ ظهور الطماطم في مصر سنة ٢٠٢٥ من جامعة فلوريدا بالولايات المتحدة للكاتبة "أنى جول"، وكانت الكاتبة تقيم بمصر سنة ۲۰۱۳، ولفت نظرها حضور ثمرة الطماطم في كل مكان فى شوارع مصر، وأعجبت بالطعام المصرى الذى لا يخلو من الطماطم كعنصر أساسي للطبخ المصرى ووصفتها ب "سلطانة المائدة" عند المصريين وقالت في كتابها: "إنه أمر مألوف أن يأكل المصريون الطماطم، من الصباح، حتى منتصف الليل، فالفول ييوضع عليه الطماطم، والشكشوكة تصنع بالطماطم، وفي الغذاء لا يخلو طهى طعام من وجود الطماطم، كما وثق الكتاب العبارة الأشهر للاسم الدارج للطماطم "مجنونة يا قوطة" كجزء من الهوية الشعبية المرتبطة بتقلبات أسعارها وهي تحمل في مصر ثلاثة أسماء "القوطة" بترجمتها القبطية المصرية، و"الطماطم" بالمدنية، و"الصلصة" وهي المكون المطبوخ والمركز جدا، الكتاب يرصد تاريخ دخول "المجنونة" مصر من منتصف القرن التاسع عشر، وتسللها للبيوت المصرية لتغير شكل وتقلب موازين المطبخ المصرى، فالبامية الخضراء البسيطة، أدخلتها الطماطم إلى عالم آخر ومسميات لم تكن تعرف من قبل وهي "التسبيكة"، وأن وجودها جعل المصريين يضيفونها للأرز ثم أدخلوها للمحشى وهو ما كان خاصا بالبيوت الغنية.
لم يقتصر بحث الكاتبة الأمريكية على فترة إقامتها في مصر، ولكنها تطرقت إلى ما كتبه المستشرقون، والطهاه الذين عاشوا في مصر في القرن الماضي وقالت : " إن الطماطم محصول يأكله المصريون طازجا، أو مطبوخا ولكنها أصبحت جزءا أساسيا من مطبخهم عام ١٩٣٥ بالرغم من أن النفوذ السياسي العثماني ضعف في مصر بعد الاحتلال البريطاني، إلا أن النفوذ العثماني استمر في المطبخ كما هو، ووأصبح المحشى بأنواعه والضلمة تدخل في طبخهما الطماطم بكثرة، وضم الكتاب أيضا ما كتبه المستشرق البريطاني إدوارد لان" الذي عاش في مصر وكتب عنها الكثير، وكتب أنه بانتشار زراعة الطماطم في مصر أصبحت جزءا أساسيا من طعام الفقراء، وهي مكون رئيسى فى محشى الكوسة والباذنجان عندهم ".
ويوضح لنا مدى تأثير هذه الثمرة أن الشعراء والكتاب تناولوها فيما أبدعوا حتى أن الشاعر الكبير بيرم التونسي كتب عنها قصيدة الطماطم سنة ١٩٢٣.
وتعد مصر من الدول الرائدة في إنتاج "الطماطم" حيث تحتل المرتبة الخامسة أو السادسة عالميا، ويتراوحإنتاجها بين 6 إلى 7 ملايين طن سنويا في مساحة تتجاوز ٤٠٠ ألف فدان، لتغطى الاحتياجات المحلية بشكل كامل ويوفر فائضا للتصدير خاصة الطماطم المجففة والصلصة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
استغلال المرأة العاملة يؤدى للجريمة والانحراف ويهدد استقرار المجتمع بأكمله عضو لجنة الفتوى: شرط مساهمة المرأة فى أعباء الحياة باطل...
تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل
الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...