موائد الرحمن.. بين العطاء والرياء

تداول أخبارها على السوشيال ميديا أثار الشكوك حولها تتميز موائد الرحمن بالجمع بين كل أطياف الشعب المصرى فى مشهد إنسانى واحد

تجسد موائد الرحمن في مصر رمزا للتكافل والتراحم خلال رمضان، تُقام بهدوء فى الشوارع والحارات بدافع خالص لوجه الله، معبرة عن روح العطاء والمودة بين مختلف طبقات المجتمع.. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعى، تغيّر المشهد تدريجيًا، حيث تحوّل بعض هذه المبادرات من فعل خيرى صامت إلى محتوى بصرى يتداول "ترندا"، ما أثار نقاشا حول التأثير الإيجابي والسلبي للسوشيال ميديا على هذا التقليد الإنساني الأصيل.

يقول د. نادر الدسوقى - دكتوراه فى الصحة النفسية :

الحقيقة أن موائد الرحمن فى مصر كانت وما زالت "القلب النابض" للشارع في رمضان، لكن السوشيال ميديا دخلت عليها مثل السكين الذى يقطع التورتة من ناحية جعلت الخير يصل لأماكن ما كنا نسمع عنها سواء "بوست" على فيسبوك أو فيديو على تيك توك جعل التبرعات تنهال على مناطق منسية، وشجع شبابا مثل الورد على التنظيم والابتكار فيها لدرجة أننا أصبحنا نرى منافسة شريفة ومحمودة تجعل "سفرة ربنا" في أحسن صورة، وتفتح نفس الغريب والقريب، وهذا جانب مشرق لصفة الكرم المصرى يلف العالم صوتا وصورة؛ لكن الوجع الحقيقى يظهر حين نجد "الكاميرا" سبقت "اللقمة " بتصوير مباشر لوجوه الصائمين وهم في لحظة احتياج وضعف إنساني، وهذا في عرف الأصول المصرية كسرة" نفس" ليس عمل خير، لأن الذي يعمل لربنا لا يحتاج "لايك" يثبت أنه كريم.

يكمل الأخطر من كل هذا "السرقة الناعمة" لدفء بيوتنا السوشيال جعلت الشباب والأطفال ينبهرون بالخروج واللمة العامة والمنظرة الخارجية، ونسينا أن جمال رمضان في طبلية البيت" التي كانت تجمع العائلة والضحكة الصافية التى صارت تتبدل، فنحن أمام ظاهرة سلاح ذي حدين؛ السوشيال ميديا "كبرت" حجم الخير ماديا لكنها "قزمت" قيمته الروحية.. والحل أن نرجع لوعينا ونفهم أن المائدة اسمها "رحمن" يعنى تحتاج للرحمة بكرامة الناس ورحمة بخصوصية بيوتنا حتى البركة فى الصمت لا يوجد أي "تريند" في الدنيا يستطيع تعويضها.

وتقول د. شاهندة محمد غريب - أستاذ علم الاجتماع الجنائي، كلية آداب جامعة عين شمس: شهر رمضان البركة والسعادة، ويزداد فيه فعل الخير تقربا إلى الله المهم أن يكون العمل الخيري موجها لوجه الله لا لغرض الترويج على وسائل التواصل الاجتماعي فهناك فرق بين الشخص المحتاج والذي يمد يده في بجاحة ولا يستحق، بعكس شخص آخر يتصف بعفة الذات ويرضى بما يقسم له، وعندما يذهب للحصول على مساعدة يتخفى داخل الشوارع من الخجل حتى لا يراه جيرانه أو أى أحد بالشارع لعزة نفسه، وعند تقديم يد العون سواء بشنطة رمضان، مائدة رحمن، دعم علاج شخص، تبرعات أو أى نوع من المساعدات التي تقدمها مؤسسات المجتمع العام والخاص ينبغى فعل ذلك في الخفاء، احتراما لمشاعر المحتاجين الذين قد يشعرون بالخجل أو الذل إذا تم تصويرهم ونشرها؛ فالأغلبية العظمى من المحتاجين لديهم عزة، وهم يستحقون الاحترام وعدم استغلال حاجتهم إعلاميًا.

تضيف: أما بالنسبة للترندات واستخدام الكاميرا فالأداة نفسها يمكن أن تستخدم للخير أو للضرر، تماما مثل السكين في المطبخ ممكن تستخدم لعمل أكله حلوة ترضى أسرتك أو تستعمل للقتل؛ لذلك يجب توخى الحكمة فى كيفية استخدام وسائل التواصل والتصوير، وعدم نشر أي محتوى قد يضر الآخرين... وفي رمضان من الضروري أن نعيد حساباتنا ونتصرف بحكمة، مستغلين الشهر الكريم لتعزيز القيم والأخلاق وفعل الخير بصدق وبدون انتظار الشهرة أو التقدير.

ضجيج السوشيال ميديا

د. هناء أبو مسلم السيد - أستاذ علم الاجتماع واستشارى علاقات أسرية تقول : مع أول أذان مغرب في رمضان تمتد موائد الرحمن داخل الشوارع والحارات المصرية لتصبح أكثر من مجرد طعام بل رسالة رحمة وتجسيدا للتكافل الذي يميز المجتمع المصرى من المطرية إلى مدينة نصر، مرورًا بمبادرات مزارع دينا نجد تنوعا في الحضور عمال طلاب أسر، وجميعهم يجلسون جنبا إلى جنب بلا حواجز اجتماعية، فمن السر إلى العلن، وقديما كان العمل الخيري يتم في الخفاء، طلبا للثواب لا للثناء بعيدا عن الكاميرات والهواتف اليوم، أصبحت بعض الموائد تدار بعدسة الهاتف بصور وفيديوهات وبث مباشر وعدد مشاهدات. هنا يبرز التساؤل: هل أفقدت السوشيال ميديا روح العمل الخيري، أم أضافت له بعدًا جديدا ؟

تكمل: يجب مراعاة خصوصية التجربة، لأن المجتمع المصرى بطبيعته يميل إلى المشاركة الجماعية فالمائدة ليست لإطعام المحتاج فحسب، بل لاحتضان الغريب ولم الشمل. تختلف مصر في ذلك عن دول أخرى تميل إلى التنظيم المؤسسى المغلق هنا، المائدة حدث اجتماعی وخيري في آن واحد.

بين النية والوسيلة تعتبر السوشيال أداة. قيمتها تتحدد باستخدامها إذا كانت لنشر الخير والحفاظ على كرامة الإنسان فهى نعمة، أما إذا تحولت للاستعراض تفرغ العمل من روحه.

ويقول هاني إمبابي خبير الاتصال الجماهيري ومستشار الأعمال التجارية: تأثير وسائل التواصل

الاجتماعي محدود مقارنة بالدور التربوى للاسرة والمدارس والمجتمع، حيث يشكل التعليم القيمي داخل البيت والأسرة النواة الأساسية لبناء الشخصية، بغض النظر عن مستوى التعليم أو الأمية في الماضي، ومع ذلك، أدى الاعتماد المفرط على السوشيال ميديا دون ضوابط إلى تغيرات واضحة في سلوك الأفراد، وزيادة التوتر داخل الأسرة، وضعف الحوار والمشاركة خاصة بين الأطفال والشباب، مع آثار صحية وسلوكية نتيجة طول الجلوس أمام الشاشات والألعاب الرقمية.. كما يرى إمبابي أن الحل يكمن فى إدارة التكنولوجيا بشكل واع، وضبط أوقات استخدامها ، وتشجيع الأطفال على النوم المبكر، وممارسة الرياضة، وتعزيز القدوة الأسرية خصوصا دور المرأة فى غرس القيم لدى الأبناء، لتوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على القيم الأصيلة.

ويضيف في الماضي، كانت الأعمال الخيرية مثل موائد الرحمن جسرا للتواصل والتلاحم حيث يتم تقديم الخير بهدوء وبصورة عملية ضمن الأسرة والمجتمع بعيدا عن الدعاية. أما اليوم، فقد تحولت بعض هذه المبادرات إلى عروض رقمية على وسائل التواصل، مما أفرغ الفعل من معناه التضامني وجعله وسيلة للظهور الاجتماعي.

إذا التحدى الحالي يتمثل فى توجيه الشباب نحو العمل الخيري المباشر وربطه بالقيم المجتمعية مع ضبط استخدام التكنولوجيا، لضمان بناء مجتمع صحى ومتوازن يجمع بين العطاء التفاعلى والقيم الإنسانية الأصيلة.

تكافل ورحمة

فيما يقول دكتور " وليد النحاس" - إعلام القاهرة

تعد موائد الرحمن في مصر واحدة من أبرز صور التكافل المرتبطة بشهر الرحمة؛ حيث تجسد قيمة العطاء والتراحم المتأصلة فى الثقافة المصرية، غير أن تطور وسائل الإعلام وانتشار السوشيال ميديا أضفى على الظاهرة أبعادًا جديدة، كظاهرة اجتماعية متجذرة في وجدان المجتمع، نشأت بالأساس بدافع الخير والعون والتكافل، وتعكس أحد أهم أشكال التضامن الشعبي. صحيح أن بعض الأفراد قد يتعاملون معها اليوم باعتبارها «ترندا» أو وسيلة للظهور عبر الميديا إلا أن ذلك لا يُلغى جوهر الظاهرة ولا قيمتها الأصيلة. فالمائدة تسهم فى ترابط المجتمع، وتؤسس لصور الود والتعاون بين الناس، خاصة الفقراء والمحتاجين، لكنها تمتد أيضًا لتشمل كل المحبين لفعل الخير في الشهر الكريم. وتتميز هذه الموائد بأنها تجمع كل أطياف الشعب المصري مسلمًا ومسيحيا، غنيا وفقيرًا، في مشهد إنسانی واحد تو خده روح رمضان والإحساس الجمعي بالمسؤولية.

ويؤكد أن هذه الظاهرة تكاد تكون فريدة في مصر، فلا نجدها بهذا الاتساع في دول أخرى. ففي السعودية والكويت، على سبيل المثال، يقدم الخير غالبا في أماكن محددة أو ضمن تنظيمات رسمية، مثل الموائد المقامة في مكة داخل الحرم المكي أو في أماكن مخصصة للعائلات.

أما في مصر، فموائد الرحمن تنتشر في كل مكان الشوارع والميادين والحوارى وبين مختلف الطبقات الاجتماعية، حتى إنك قد تجد أسرتين أو أكثر يتطوعون معا لإقامة مائدة رحمن بسيطة، وقد يكون هدفهم في بعض الأحيان الإفطار المشترك بروحالتعاون والرحمة.. وبخصوص السوشيال ميديا، يوضحدكتور وليد أن دورها ليس سلبيا بالمطلق. فرغم ما قد تسببه أحيانا من نزعة للمنظرة أو الاستعراض، فإن لها جانبا إيجابيا مهما يتمثل في تسليط الضوء على أماكن إقامة الموائد، والإشارة إلى نقاط توزيع الطعام، بما يسهم في وصول الخير إلى مستحقيه، ويشجع آخرين على المشاركة والتطوع، فالموائد ستظل قيمة إنسانية واجتماعية راسخة، وأن التحدى الحقيقي لا يكمن في وجود السوشيال ميديا، بل في الحفاظ على النية والجوهر فعل الخير لوجه الله، مع الاستفادة الواعية من أدوات العصر في نشر الرحمة لا في تشويهها، فإن فعل العطاء يرتبط بمشاعر الرضا الداخلي وتعزيز تقدير الذات، إذ يمنح الفرد إحساسا بالقيمة والمعنى. كما أن مشاركة المحتاجين في أجواء جماعية دافئة تقلل من مشاعر العزلة والانكسار.

ويكمل: إن الإفراط في تصوير المحتاجين ونشر صورهم قد يؤثر سلبا على كرامتهم النفسية، ويحول لحظة الدعم إلى لحظة انكشاف اجتماعي، مما لا شك أن وسائل التواصل أسهمت في توسيع نطاق موائد الرحمن، وساعدت على حشد المتطوعين وزيادة التبرعات.. الإعلام هنا يلعب دورا توعويا مهما في نشر ثقافة الخير؛ إلا أن منطق الترند والسعى وراء التفاعل قد يدفع البعض إلى توظيف العمل الخيري كأداة للظهور مما يطرح تساؤلات مهنية وأخلاقية حول حدود التغطية الإعلامية للعمل الإنساني.

 	إنجى صبحى

إنجى صبحى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية