الكشرى ابن الهوية المصرية

بعد إدراجه على قائمة التراث المصرى باليونسكو د. جاد: تسجيل الكشرى كغذاء شعبى مصرى يمنحه أحقية الترويج له ثقافياً وسياحياً

عبارة عن "طبق" صنعه المصريون، من مكونات بسيطة أغلبها مزروعة في أرض مصر، وأضيفت إليه ثقافات أفراد كانوا جزءا من النسيج المصرى، هو حكاية تجسد تاريخ مصر، وطبقاتها الاجتماعية، وثقافتها الشعبية، وتراثها الإنساني في قرنين من الزمان تم دمجهما واختصارها في طبق كشرى".

في أواخر القرن التاسع عشر، عرف المصريون "الكشرى" ولم يكن على هذا الشكل الذي نراه اليوم ولكنه مر بمراحل في التطور الإنساني المادي، فمع وجود الاحتلال والفقر كانت المرأة المصرية هي حاملة عبء تدبير أمور المنزل من أشياء بسيطة وموجودة في البيوت يطلق عليها "خزين البيت" ومن هذا الخزين كان العدس والأرز" اللذان بدأت بهما ربة البيت رحلتها نحو طبق العالمية، ولفتح الشهية أضافت له "التقلية"، والصلصة الحمراء، وأضاف له الشوام "الحمص" ، أما الإيطاليون فأضافوا له المكرونة، وهي رحلة صعود استمرت لسنوات طويلة حتى استقر على شكله الحالي، وهو طبق لم ينافسه في المكانة الشعبية عند المصريين غير طبق الفول.

كل طبق شعبى هو نتيجة تفاوض بين الفقر والابتكار".. هكذا وصفت الكاتبة لطفية الزيات في كتابها "الاقتصاد الشعبي والغذاء" الأطباق الشعبية البسيطة التي ابتكرها المصريون في أزماتهم الاقتصادية على مدار تاريخهم الشعبي، فالغذاء الشعبي ليس مجرد وصفات، بل سجل يومى يعكس ما يملك الناس، وما يعتقدونه، مرآة لواقع اقتصادی مكونات بسيطة تقابلها قدرة على الإبداع، والمطبخ الشعبي يمثل هوية ثقافية تمنح المجتمع المصرى تماسكه، والكشرى ليس مجرد مزيج من البقوليات والبهارات، بل هو سجل لحياة الناس، وما يملكونه وما يفتقدونه، ومن خلال هذا السجل اليومى تتشكل هوية كاملة، تلعب فيها المرأة دور الحارسة الأمينة للتراث الغذائى، وهو ما يمنح للمجتمع المصرى تماسكه، وكل طبق شعبى هو محاولة ذكية لتحويل القليل إلى كثير.

إذا كنت غير دائم الدخول إلى محلات الكشري فلن تستطيع فك شفرة طبق الكشرى" وتأخذك الحيرة عندما تسمع "زبون" يطلب "طبق کشری قلیل المكرونة كثير العدس فينادي على الواقف لتجهيز الطلب "قلل البندق، وكثر الكهرمان"، أو تطلب زيادة في الأرز والبصل وقليل من الصلصة، فسوف تسمع زود الصنيبر، وكتر الورد وقلل الفراولة".. وتبتسم من داخلك وتتساءل ما كل هذه التحويجة الغريب التي لا تتلاءم مع بعضها .. ما دخل البندق والورد والكهرمان والفراولة فى طلب طبق كشرى، والحقيقة أنك لست على دراية بهذا السيم الذى ربما يضفى خيالا وسعادة على الطبق قبل أن يأتى، فالبندق هي "المكرونة" والفراولة الصلصة الحمراء، الورد هو البصل ذو اللون الذهبي، أما الصنيبر فهو الأرز، والكهرمان "العدس الأصفر".. هكذا أنتجت الشريحة الشعبية هذا التشبيه غير المتجانس في طبق لا يتجانس في مكوناته، ربما يكون هذا السيم فى طلب طبق الكشرى" هو أحد عناصر البهجة والسعادة كنوع من التشويق، وزيادة الخيال، فالكثير يردد هذه الشفرة، وهو يأكل ليشعر أكثر بالسعادة.

الدكتور مصطفى جاد العميد السابق لأكاديمية الفنون الشعبية والباحث في التراث الشعبي يؤكد على أهمية إدراج "الكشرى" على قائمة منظمة اليونسكو كغذاء شعبى فقال: "تسجيل الكشرى كغذاء شعبى مصرى يمنحه أحقية الترويج له ثقافيا وسياحيا، بصفته عنصرا منفردا على قائمة اليونسكو لأن الطعام الشعبى تكمن أهميته في كونه أحد المكونات الأساسية للثقافة المجتمعية، وما يرتبط به من ممارسات مثل طرق الطهى، وأساليب تناوله والعادات المرتبطة به، ويقع الكشرى" ضمن موضوع المهارات المرتبطة بالطعام، ومنتشر ومعروف في المجتمع المصرى، ويتم إعداده بطرق متعددة، ومصر بحاجة لتسجيل تراثها قبل أن يندثر، وقبل توثيقه من منظمة اليونسكو، قام المستشرقون والرحالة بتوثيقه في كتبهم عن طعام المصريين، في إشاراتهم لانتشار عربات الكشرى فى القاهرة بشكل متناسق قبل وجود محلات لبيع الكشرى".

طبق الكشرى هو صوت الأزقة والحارات، في محلات الكشرى تشعر بالدفء

الشعبي تجلس على طاولة ويجلس أمامك آخر لا تعرف عنه شيئا سوى أنكما التقيتها في حب الكشرى، تستطيع أن تأكل الكشرى باليونيفورم، أو كاجوال أو بملابس رياضية، وبالجلباب فالكل في هواه سواء.

الدكتور مجدى نزيه عزمي العميد الأسبق للمعهد القومى للتغذية، وأستاذ التثقيف الغذائي يقول: طبق الكشرى نعمة من الله، لأن التغذية عمل تعاوني ولا يوجد عمل فردي في التغذية، وعند دمج البقول مع الحبوب تحصل الاستفادة طبق الكشرى بتركيبته السحرية التي أبدعها المصرى دون أن يدرس قواعد التغذية، ولكنه استغل ما تجود به الأرض عدس حمص، أرز" ثم زاد عليها "المكرونة"، فأصبح عنده في الطبق نوعا بقول العدس والحمص ونوعا حبوب الأرز والمكرونة، وبذلك تحدث الاستفادة الكاملة في هذا الدمج وتصبح وجبة متكاملة، كان العيب هو تحويلها من نعمة إلى نقمة بدلا من السلطة نضع الدقة ولكي تحدث الاستفادة الكاملة من محتوياته لابد من طبق السلطة الخضراء بجانبه، وعدم تناوله في أكياس بلاستيك".

 	عفاف علي

عفاف علي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات

سيدنا الحسين والحجرة النبوية
  • السبت، 28 فبراير 2026 06:00 م
دار كسوة الكعبة
  • السبت، 28 فبراير 2026 09:00 ص
إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص