عندما تمتد اليد الصغيرة إلى ما ليس لها

السارق يحتاج إلى الحضن وليس العقاب

قد يظن البعض أن السرقة فعل لا يصدر إلا عن قلوب قاسية أو نفوس منحرفة، لكن المفاجأة أن اليد الصغيرة التى تمتد خلسةً إلى ما لا تملك قد تكون فى أمسّ الحاجة إلى الحضن لا العقاب، إلى الفهم قبل الحكم، وإلى التوجيه أكثر من الزجر. فالطفل الذى يسرق ليس مجرما، بل هو كائن يتلمّس طريقه فى عالم القيم، يختبر الحدود، يعبّر عن نقص داخلى أو رغبة عابرة، وأحيانا يكون صرخة صامتة لا يسمعها أحد. وهنا تقع المسؤولية على الأسرة: أن تفهم، وتفسر، وتداوى، قبل أن تعاقب وتلوم.

السرقة عند الأطفال ظاهرة أدهشت كثيرا من الآباء والأمهات حين صادفوها لأول مرة، إذ كيف يُعقل أن يمد طفل بريء يده إلى نقود أو أشياء ليست له؟ قد يتملك الوالدان الذهول، يتبعه الغضب ، وربما يتسرعان فى العقوبة أو التوبيخ، بينما المطلوب فى تلك اللحظة هو الهدوء والتفكير فى "لماذا حدث هذا؟" قبل "كيف نوقفه؟".

 الأسباب متعددة ومعقدة

فى بعض الحالات تكون السرقة مجرد تجربة بدافع الفضول، فالطفل لا يفهم تماما مفهوم "الملكية" أو "الحق" فى سن مبكرة. قد يجد نفسه أمام لعبة أو قطعة حلوى فى مدرسته أو بيت أحد أقاربه، فيأخذها دون أن يشعر أن ذلك تعدٍ على الآخر. هنا يكون الفعل انعكاسا لعدم اكتمال النضج الأخلاقى أكثر من كونه انحرافا. وفى حالات أخرى، تكون السرقة وسيلة تعبير عن الحرمان: حرمان مادى حين يرى ما لا يملك ولا يستطيع الحصول عليه، أو حرمان عاطفى حين يحاول جذب الانتباه لفراغ داخلى يشعر به.

لا يمكن أن نتجاهل دور التقليد أيضا، فالطفل كائن مقلِّد بطبعه، يرى صديقه أو زميله يستولى على شيء فيقلده، وربما يكون التقليد لحدث شاهده فى فيلم أو مسلسل. وقد تكون السرقة عند بعض الأطفال وسيلة تحدٍ للقوانين المفروضة عليهم، أو شكل من أشكال اختبار الحدود: ماذا سيحدث لو أخذتُ شيئا دون إذن؟ هل سيكتشفنى أحد؟ هل سأُعاقب؟ إنها لعبة مشوبة بالخطر أحيانا، لكنها تحمل رسالة تحتاج الأسرة إلى قراءتها جيدا.

هنا يظهر السؤال الأهم، كيف نتعامل مع الطفل الذى يسرق؟ أول ما يجب أن يتذكره الأب والأم أن رد الفعل الانفعالى العنيف يفاقم المشكلة ولا يحلها. الضرب والإهانة والفضح أمام الآخرين قد يرسّخ لدى الطفل مشاعر الخزى والتمرّد، فيغرق أكثر فى السلوك الخاطئ بدلا من أن يتعلم درسه. بينما المطلوب هو أن يفهم الوالدان أن السرقة عرَض، وليست مرضا فى حد ذاتها، وأن العلاج يبدأ بالفهم لا بالعقوبة.

 الحوار هو المفتاح الأول

يجب أن يجلس الأب أو الأم مع الطفل فى لحظة هدوء، بعيدا عن الانفعال، ويسأله ببساطة: لماذا أخذت هذا الشىء؟ قد تكون الإجابة صادمة، وقد تكون بريئة، لكن المهم أن يشعر الطفل أن والديه يستمعان إليه ولا يحاكمانه مسبقا. هذا الإحساس وحده كفيل بأن يفتح الباب أمام اعتراف صادق، ومن هنا يبدأ الإصلاح.

أما مسألة المواجهة العلنية، فهى حساسة للغاية. لا يُستحب أن يواجه الطفل أمام الآخرين أو يُفضَح فعلُه أمام الأسرة الممتدة أو المدرسة، لأن ذلك يزرع داخله إحساسا بالعار قد يلاحقه طويلا. الأفضل أن تكون المواجهة خاصة، هادئة، تؤكد له أن ما فعله خطأ، لكنك لا تزال تحبه وتريد مساعدته على التصحيح. التوازن بين الحزم والحنان هو السحر الذى يغير مسار الطفل.

من وسائل العلاج التربوى المهمة أيضا أن نغرس فى الطفل مفهوم "الملكية" بوضوح منذ الصغر، وأن نعلمه أن للأشياء أصحابا وأن أخذ ما ليس له يجرح الآخرين. يمكن أن نرسّخ هذا المعنى من خلال القصص، الألعاب التربوية، والمواقف اليومية. فإذا طلب شيئا ليس له، نشرح له لماذا لا يجوز أن يأخذه، ونوفر له بدائل أو نؤكد أن الحصول على الأشياء يتم بالطلب أو بالشراء.

على الأسرة أن تراجع نفسها كذلك، هل نوفر لطفلنا احتياجاته الأساسية؟ هل يشعر أنه أقل من زملائه فى المدرسة لأنه لا يملك مثل ألعابهم أو أدواتهم؟ هل يجد فى البيت ما يشبع عاطفته من حب واهتمام، أم أن السرقة وسيلته غير الواعية لطلب الانتباه؟ أحيانا تكون المشكلة انعكاسا لخلل فى المناخ الأسرى أكثر من كونها خطأ فرديا للطفل.

من المهم أيضا أن يشارك الطفل فى إصلاح خطئه. فإذا أخذ شيئا من صديق أو متجر، يجب أن يعود ويعيده بنفسه ويعتذر، لكن بطريقة تحفظ كرامته وتعلمه فى الوقت نفسه أن للأفعال تبعات. هذه التجربة قد تكون مؤلمة له، لكنها ضرورية لترسيخ القيم داخله.

العقاب ليس ممنوعا تماما، لكنه يجب أن يكون تربويا لا انتقاميا، يمكن أن يُحرم الطفل من بعض الامتيازات مؤقتا، أو يُكلّف بعمل إضافى فى البيت كنوع من "التعويض"، لكن دون إهانة أو ضرب أو شتائم. فالهدف هو أن يتعلم لا أن ينكسر.

وللأسرة دور وقائى لا يقل أهمية عن العلاج. التربية على القناعة والرضا منذ الصغر، وتعليم الطفل قيمة المال، ومن أين يأتى، ولماذا يجب أن يُنفق بحكمة، كل ذلك يبنى داخله حصانة ضد الدافع للسرقة. كذلك، يجب أن نكون نحن الكبار قدوة، فالطفل الذى يرى والده يأخذ ما ليس له، أو يتحايل فى حقوق الآخرين، سيتشرب هذا السلوك ويعتبره طبيعيا.

حين تتكرر السرقة رغم كل التوجيه، قد يكون الأمر مؤشرا إلى مشكلة أعمق تحتاج إلى تدخل متخصص: أخصائى نفسى أو تربوى يساعد فى الكشف عن الدوافع الكامنة، خصوصا إذا ارتبطت السرقة بسلوكيات أخرى مثل الكذب المفرط، العدوانية، أو الانعزال. وهنا يجب على الأسرة أن تتحلى بالشجاعة وتطلب المساعدة دون خجل.

فى النهاية، لا يجب أن نرى الطفل الذى يسرق على أنه "سارق"، فهذا الوصف قاسٍ ويطبع شخصيته بصفة قد تلتصق به طويلا. بل يجب أن نراه كطفل أخطأ ويحتاج إلى التعلم. والأب والأم هما من يملكان مفتاح تحويل التجربة من وصمة إلى درس، ومن خطأ إلى فرصة للنمو.

الجانب الدينى هو الأساس الذى ترتكز عليه سلوكياتنا، لذا من المهم أن نوضح للطفل رأى الدين فيمن يأخذ ما ليس له ، و كيف أن عقوبته كبيرة ، فلا يمكن تجاهل الأمر أو التعامل معه على أنه سلوك عادى أو مقبول أو يمكن التجاوز عنه.

الطفل الذى يسرق يرسل رسالة، وإن لم تكن بالكلمات. رسالته تقول: "انظروا إليّ، اسمعونى، ساعدوني". فإذا استجابت الأسرة لهذه الرسالة بالحب والحزم والفهم، ستتحول اليد الصغيرة التى امتدت إلى ما ليس لها، إلى يد تبنى وتُعطى، وتدرك أن الأخذ بلا حق لا يمنح السعادة، بل يسرقها.

Katen Doe

أمل زهير الشايب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الطالب زياد عباس: محمد عبد الوهاب قدوتى الفنية

حصل على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية

تعرف على أسباب الفشل الكلوى

أسباب الفشل الكلوى متنوعة، وتُقسم بين أسباب حادة ومزمنة، وأبرزها أمراض مزمنة مثل السكرى وارتفاع ضغط الدم، والتى تتلف الكلى...

أسيوط اول محافظة تقوم بإنشاء نادى للذكاء الاصطناعى

مبادرة حياة كريمة من أعظم المشروعات القومية فى تاريخ مصر.. تحسين لأحوال المواطنين وإعادة بناء للرييف المصرى

الرقائق الإلكترونية ترسم ملامـح اقتصاد العالم الجديد

أشعلت حربًا «باردة» بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين عمرو صبحى: تايوان وحدها تنتج أكثر من 60% من الرقائق المتقدمة عالميًّا...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص