مقياس النيل من أوائل نماذج العمارة الإسلامية فى مصر وثانى أثر إسلامى بعد جامع عمرو بن العاص
مقياس النيل بالروضة.. عين مصر على نهرها الخالد عند ضفاف جزيرة الروضة بالقاهرة، يقف أثر فريد لا يشبه أى بناء آخر، شاهق لكنه بسيط، صامت رغم أنه ظل لقرون لسان حال النهر العظيم.. إنه مقياس النيل.لم يكن هذا البناء مجرد أعمدة وأحجار منقوشة، بل كان "عين مصر" التى ترقب تدفق الحياة، ومحرابا تقرأ فيه بشائر الخير أو نذر الغلاء والجفاف.
كل زيادة فى منسوب النيل كانت تدون على جدرانه، وكل انخفاض كان يثير القلق فى قلوب المصريين، حتى صارت الأرقام المنحوتة على جدار المقياس أهم من كل نشرات الأخبار فى كل عام، كان الناس ينتظرون ما سيعلنه "المقياس"، فإذا بشر بالفيضان المعتدل خرجت الأفراح، ودقت الطبول، وأضيئت المشاعل، وعم الرخاء وإذا أخبر عن جفاف أو نقص، أقيمت الصلوات، والشعائر الدينية لطلب الغوث. هكذا كان المقياس أكثر من بناء أثرى، كان "نبض مصر" الذى يترجم علاقة شعبها بالنهر الذى لا يهدأ.. واليوم، ورغم مرور أكثر من ألف عام على إنشائه، ما زال مقياس النيل يبوح بحكاياته للزائرين عن المهندسين الذين أبدعوا فى تشييده، والخلفاء الذين اعتمدوا عليه، وعن المصريين الذين ربطوا أرزاقهم به.
إنه فسحة فى الزمن، تفتح لنا بابا لنطل منه على تاريخ طويل من الشغف بالماء، وحياة أمة كتبت وجودها كله على صفحة النيل.
يقع مقياس النيل فى الطرف الجنوبى لجزيرة الروضة بمدينة القاهرة، وكان يستخدم لقياس فيضان النيل، وعلى أساسه يتم تحديد قيمة الضرائب فى العام الزراعى الذى سيلى الفيضان.. وقد عرف المصريون منذ أقدم العصور تشييد مقاييس المياه على النيل على طول مساره من أقصى الجنوب ببلاد النوبة وحتى المصب عند دمياط ورشيد، لكى يتعرفوا على ارتفاع المياه بنهر النيل، نظرا للعلاقة الوثيقة بين كمية وحجم المياه بالنيل ونظام رى الأراضى الزراعية وتحصيل الضرائب والخراج.
ومنذ استقرار الإدارة المركزية للدولة وضع قدماء المصريين نظاما دقيقا لتسجيل منسوب مياه النيل فى سجلات رسمية.. وتظهر أقدم تلك السجلات لمناسيب الفيضان على حجر باليرمو الذى يعود تاريخه إلى الأسرة المصرية الخامسة، ويحمل عدد 63 سجلا لمناسيب مياه النيل.. وتواصل القياس وتطور حتى الفتح الإسلامى لمصر حين بنى مقياس النيل أو مقياس الروضة كما يطلق عليه أحيانا على رأس جزيرة الروضة بنيل القاهرة، واستمر استخدام هذا المقياس حتى بداية القرن العشرين الماضى، وكان لرصد منسوب مياه النيل التأثير الأساسى الذى يتم فى ضوئه تقدير قيمة الضرائب والمساحات التى يمكن ريها خلال العام، وكانت إدارات الأقاليم مسؤولة عقب الفيضان السنوى عن إدارة القنوات والترع بينما تجرى عمليات قياس مساحات الأراضى ومناسيب المياه على المستوى القومى، هذا ويعتبر مقياس النيل بجزيرة الروضة من أوائل نماذج العمارة الإسلامية فى مصر.
منذ عهود قديمة
وتعود قصة تشييد مقياس النيل بجزيرة الروضة الموجود حاليا إلى أنه لما تم الفتح الإسلامى لمصر اعتمد والى مصر آنذاك عمرو بن العاص على نفس الطريقة التى كانت متبعة قبل ذلك فى تقدير الضرائب والخراج، والتى تعتمد بصفة أساسية على حجم ومقدار الفيضان السنوى، وشيد مقياسا لمياه النيل لهذا الغرض فى المكان الحالى، وبذلك فهو يعد ثانى أثر إسلامى فى مصر بعد جامع عمرو بن العاص، ثم تم إعادة البناء عدة مرات آخرها ما تم بأمر من الخليفة العباسى المتوكل عام 247 هجرية الموافق عام 861م وهو البناء الحالى.
جدير بالذكر أن هذا المقياس لم يكن الوحيد الذى تم بناؤه فى العصر الإسلامى، حيث بنى مقياس آخر فى عهد الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبى سفيان والذى تولى الخلافة ما بين عام 41 هجرية وعام 60 هجرية، ومن بعده بنى عبد العزيز بن مروان والى مصر فى العصر الأموى أيضا فى عهد الخليفة الأموى الخامس عبد الملك بن مروان مقياسا للنيل فى حلوان عام 80 هجرية، وبنى أسامة بن زيد التنوفى عامل الخراج مقياسا آخر عام 92 هجرية فى عهد الخليفة الأموى السادس الوليد بن عبد الملك، وفى عهد سلفه سليمان بن عبد الملك أبطل العمل بهذا المقياس وأنشأ غيره عام 97 هجرية.. وفى سنة 247 هجرية أمر الخليفة العباسى المتوكل الذى تولى الخلافة بين عام 232 هجرية وعام 248 هجرية بإنشاء المقياس الحالى، والذى عرف بعدة أسماء، منها المقياس الهاشمى والمقياس الجديد والمقياس الكبير ومقياس الروضة وهو الاسم الذى يعرف به حتى الآن.
صاحب المقياس
وقد عرف الموظف المسؤول عن المقياس باسم صاحب المقياس، وكان يقيس الزيادة بالمقياس كل يوم عصرا، كما كان يقارن مستوى الزيادة فى الماء كل يوم بما كان عليه فى اليوم الذى قبله، وبما كان عليه فى ذلك اليوم فى العام المنصرم، حيث كانت تدون تلك البيانات فى سجلات خاصة يتم رفعها إلى أولى الأمر، وحيث يظل أمر تلك البيانات سرا، وخاصة إذا قل مقدار الماء عن المقدار المطلوب، حيث يجب ألا يعلم الناس بأمر تلك البيانات إلا مع انتهاء موسم الفيضان، وعندما يبلغ منسوب الماء 16 ذراعا أو 8.4 متر أو 27.5 قدم فهذا معناه أن الفيضان جيد وكاف فتعلن تلك البشرى للناس يحتفلون بهذه المناسبة حيث إن ذلك يشير إلى أن مياه الرى تكفى لرى زراعتهم، وعليه سيكون محصولها وفيرا، ومن ثم لن تكون هناك أزمات فى المحاصيل الزراعية التى يعتمد عليها الناس فى حياتهم اليومية وغذائهم.
وفى عصر الخليفة العباسى المتوكل تمت عدة عمليات تجديد وترميم بمقياس النيل، أولها ما قام به أحمد بن طولون عام 259 هجرية وأنفق على ذلك ما يقرب من 10 آلاف دينار، وتلاها عمليات أخرى أيام الخليفة الفاطمى المستنصر بالله عام 485 هجرية، حيث قام الوزير بدر الجمالى بتجديده وبنى مسجدا بجواره عرف باسم مسجد المقياس، ومن بعده أيام دولة المماليك على يد السلطان الظاهر بيبرس خلال القرن السابع الهجرى، حيث أضاف قبة فوق بئر المقياس، ثم أيام السلطان الأشرف قايتباى فى أواخر القرن التاسع الهجرى، وبعد ذلك حظى المقياس أيضا باهتمام سلاطين الدولة العثمانية السلطان سليم الأول فى أوائل القرن العاشر الهجرى والسلطان سليمان القانونى من بعده وأخيرا السلطان سليم الثانى فى أواخر القرن العاشر الهجرى، ومن بعدهم نال أيضا المقياس اهتمام الحملة الفرنسية فى أوائل القرن الثالث عشر الهجرى الموافق أوائل القرن التاسع عشر الميلادى، حيث قاموا بتنظيف البئر من الطمى وأضافوا قطعة رخامية إلى عمود القياس ونقشوا عليها تاريخ سنة 1211هجرية /1797 ميلادية، وأخيرا كان ما تم من إصلاحات فى عهد الخديو توفيق عام 1887م ومن بعده شقيقه الملك فؤاد الأول عام 1925م.
المقياس الأثرى
ويتكون هذا المقياس الأثرى من عمود رخامى مثمن القطاع ومدرج يعلوه تاج رومانى يبلغ طوله 19 ذراعا، ويرتكز على قاعدة من خشب الجميز لأنه الخشب الوحيد القادر على مقاومة تأثير المياه.
كما تم تثبيته من أعلى بواسطة كمرة خشبية، وعلى العمود نقشت آيات بالخط الكوفى والتى تعد من أقدم أمثلة الكتابات الأثرية فى مصر الإسلامية ومحفور عليه علامات القياس، هذا العمود يتوسط بئرا مربعة مشيد بأحجار مهذبة روعى أن يزيد سمكها مع عمق البئر، ولذلك فقد تم بناؤه على 3 طبقات أكثرها سمكا الطبقة السفلية وأقلها سمكا الطبقة العلوية، ويوجد حول جدران البئر من الداخل سلم حجرى يصل إلى قاع البئر، والذى يتصل بالنيل عن طريق 3 أنفاق يدخلها ماء نهر النيل ليصل البئر من خلال 3 فتحات تقع فى الجانب الشرقى حتى يظل الماء ساكنا فيها، حيث إن حركة مياه نهر النيل تكون من الجنوب إلى الشمال يعلو هذه الفتحات عقود مدببة ترتكز على أعمدة ذات قواعد وتيجان ناقوسية.
وبحسب ارتفاع الماء بالبئر بعد قياسه من التدرج الموجود على العمود الرخامى يتم تقدير مستوى الفيضان، فلو كان الارتفاع أعلى من 16 ذراعا كان هذا دليلا على أن الفيضان يكفى لرى الأراضى الزراعية وبالتالى ستكون قيمة الخراج كبيرة، ولو كان الارتفاع أقل من 16 ذراعا كان هذا دليلا على قدوم موسم جفاف وعليه يجب على الدولة عمل الاحتياطات اللازمة حتى لا تحدث أزمات فى المحاصيل الزراعية.
بجوار مقياس النيل يوجد حديقة سميت باسمه (حديقة مقياس النيل) على ضفاف النيل بالمنيل، وبجوارها متحف أم كلثوم بقصر المانسترلى، وأقرب محطة مترو هى الملك الصالح..
ومواعيد زيارة المقياس يوميا من الساعة 9 صباحا إلى 4 مساء ماعدا الجمعة، وسعر تذكرة الدخول 10 جنيهات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل
الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...
فى كل أحواله تتعدد الحكايات وتختلف طرق احتفال المصريين به
تشير الدراسات أن المصريين احتفلوا بشم النسيم منذ 2700 سنة قبل الميلاد وكان اسمه فى اللغة المصرية القديمة «شمو» وتعنى...