أبواب القاهرة التاريخية «2» واحد من ثلاث بوابات باقية منذ زمن الفاطميين وارتبط اسمه بالمقابر
أبـــــواب القـــاهرة الثمانية؛ باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح وباب البرقية وباب سعادة وباب الفرج وبــاب القراطين وأخيرا باب القنطــرة، هـــى أهــم الشـــواهـــد علــى عـظـمـــة الحضـارة الإسلاميــة فـــى مصر، حيث تجسد القوة والعزة التى كانت عليها هذه الحضارة على مر العصور، كما تحمل لنا الآن عبق التاريخ وحكاياته الغــريبة. الهــدف الــرئيسى مــن إنشــاء هــذه الأبــواب كــان الــدفاع عــن القـاهرة ضد المعتدين، وتسهيل عمليات الخروج والدخول من وإلى المدينة، لكن لكل باب من هذه الأبواب حكاية وتاريخ يمتد عبر العصور، فى الأسبوع الماضى تناولنا بـــاب زويـلــة بالتفصيل، وهذا الأسبــــوع نــعـرض بشكـــل تفصيلى أيضا حكاية أحد أهم هذه الأبواب.. باب النصر.
يقع باب النصر عند الجهة الشمالية من سور بدر الجمالى بجوار مسجد الحاكم بالجمالية، وقام ببناء هذا الباب العظيم أمير الجيوش بدر الجمالى وزير الخليفة الفاطمى المستنصر بالله الذى تولى الخلافة عام (427هـ/1036م)، وقد سمى الباب بهذا الاسم نظرا لأن الجيوش الفاطمية المنتصرة فى الحرب كانت تمر من ذلك الباب.
باب النصر هو الذى أعطى شارع باب النصر اسمه، وهو أحد أبواب القاهرة التى وضعها جوهر القائد، كما قال المقريزي: "وكان أولا دون موضعه اليوم، قال: وأدركت قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه ركن المدرسة القاصدية الغربي، بحيث تكون الرحبة التى فيما بين المدرسة القاصدية وبين بابى الحاكم القبليين خارج القاهرة، فلما كان فى أيام المستنصر، وقدم عليه أمير الجيوش بدر الجمالى من عكا، وتقلد وزارته، وعمر سور القاهرة، نقل باب النصر من حيث وضعه القائد جوهر إلى حيث هو الآن".
تاريخ الإنشاء
أنشأ باب النصر "أبو النجم بدر الجمالى"، وكان مملوكا أرمينيا لـ "جمال الدولة بن عمار"، ولذلك عُرف بالجمالي، وقد تنقل فى الخدمة حتى ولى إمارة دمشق من قبيل الخليفة المستنصر عام (465هـ/1072م)، ثم تقلد نيابة عكا، ثم استدعاه المستنصر ليقضى على الفاسدين فى القاهرة والإسكندرية والصعيد.
ظل بدر الجمالى شديد المهابة، وفى سنة (468هـ/1075م) تولى بدر الجمالى أمير الجيوش الوزارة بمصر، وكانت منزلته قبلها أهم من الوزارة، لكنه تولاها حتى لا يأتى غيره فى الوزارة فينازعه فى الأمر، على حد قول "ابن تغرى بردى".
استقرت الأمور بوجوده، وهدأت الفتن، وصارت الأمور تحت سيطرته، وليس للخليفة المستنصر سوى الاسم فقط، وقد اعتمد بدر الجمالى على جنده، واستطاع التخلص من الأمراء المتمردين، وعظم أمره فقلده المستنصر وزارة السيف والقلم، وزيد فى ألقابه ولُقب بأمير الجيوش كافل قضاة المسلمين وهادى دعاة المسلمين، وقد أصبح بدر الجمالى هو المتحكم فى البلاد، وعادت سطوة الخليفة السياسية والدينية إلى الدولة المصرية ومكة، وزادت موارد البلاد، وقد مكنت هذه الموارد بدر الجمالى من إقامة عمارة عظيمة، أهمها سور القاهرة، كما عمر مشهد الجيوشى وجامع العطارين، ومن أعماله أنه أزال سور مدينة القاهرة الذى أنشأه "جوهر الصقلى" من الطوب اللبن لأنه كان قد تهدم وزحفت عليه المبانى التى بخارج المدينة، فهدمه بدر وأعاد بناءه من اللبن فى سنة (480هـ/1087م) وبنى الأبواب من الحجر، وقد جعل المدينة تضم مساحة أكبر، حيث زاد فيها زيادات فيما بين بابى زويلة الكبير وفيما بين باب الفتوح الذى عند حارة بهاء الدين وباب الفتوح حاليا، كما زاد المساحة عند باب النصر التى كانت تجاه جامع الحاكم إلى باب النصر الحالى.
توفى بدر الجمالى سنة (487هـ/1094م) وقد تجاوز الثمانين من عمره، مخلفا وراءه أموالا كثيرة، وكانت مدة حكمه فى مصر إحدى وعشرين سنة.
عمارة الباب
يحاط باب النصر ببرجين مربعين ومزينين بالدروع، إضافة إلى إشارات قديمة ترمز للنصر، لكن تصميمه العام له نفس تصميم باب الفتوح، وعلى المدخل نجد نقش اسم "بدر الجمالى" منشئ السور وكذلك تاريخ الإنشاء، وعلى قمة برجى باب النصر الشرقى والغربي، توجد بعض الأسماء الخاصة بقواد حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798م، حيث استخدمت أبواب القاهرة القديمة كتحصينات لجنود الحملة الفرنسية، والأسماء التى وجدت فى هذه النقوش تنسب إلى قواد الحملة وكانت الأبراج مزودة من أعلى بأجزاء مسننة الرأس.
وصف الأبراج
يتكون كل برج فى باب النصر من ثلاثة مستويات، المستوى الأول مصمت تماما ويمتد لأعلى بارتفاع اثنى عشر مدماجا (يبلغ طول كل حجر فى المدماج 0,1م، وعرضه 50م)، ويتخلله على ارتفاع ثلاثة مداميك رؤوس أعمدة اسطوانية ممتدة داخل الجدار لتدعيمه، وتشكل كتلة بناء هــــــــذا البــاب مساحة مستطيــلة 20,24 × 63,21م، ويعتمد فى تخطيطه على برجين كبيرين مربعين يبرزان خارج السور، يتوسطهما المدخل، مسقطها من شكل مربع 25,8 م، ويتحكم فى الدخول والخروج باب خشبى كبير مصفح من مصراعين.
الزخارف الخارجية
تبلغ فتحة البوابة حوالى 5م، يغلق عليها باب خشبى مصفح، ويعلوها عتبات حجرية، ويعتبر الباب الأول من نوعه فى تجميع الصنج المعشقة فى العمارة الإسلامية فى مصر، وكذلك بالنسبة للعتب فى أعلاه، ويعلوهما نص تأسيسى بالخط الكوفى من ثلاثة أسطر:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله وحده لا شريك له
محمد رسول الله على ولى الله
ويكتمل بقية النص من أسفل
"صلى الله عليه وعلى الأئمة من ذريتهم أجمعين"
كتابات كوفية
توجد أعلى كتلة المدخل كتابات كوفية رائعة الجمال، ويزخرف كتلة المدخل ذاتها إطار بارز من الحجر ممتد على واجهة البرجين من الخارج مرتكزا على حليات معمارية من الحجر، كما يتقدم المدخل من أعلى وعلى جانبى البرجين سقاطتان للدفاع باستخدام المواد الكاوية أو الأحجار الصلبة، إضافة إلى السقاطات الخمس أعلى فتحة مدخل البوابة.
الباب الخشبى
فى الطريق من خلال دهليز الدخول إلى باب النصر، نجد فتحة البوابة يغلق عليها باب خشبى مصفح، ويعلوها عتب مزخرف، وتؤدى إلى الداخل، يغطيها قبو كبير حجرى فى وسطه صرة مخوصة، ويوجد تحته فتحة مدخل صغيرة معقودة، وكانت تؤدى إلى داخل السور، وتحتفظ بوابة النصر بوجود مرسومين بخط النسخ على يمين الداخل إليها لتحديد وتنظيم عملية الدخول والخروج من وإلى مدينة القاهرة.
الطوابق العلوية
برجا الباب مصمتان إلى ثلثيهما تقريبا، ويشغل الثلث العلوى لكل برج حجرة دفاعية بها فتحات للمهام وتغطيها قبة ضحلة من الحجر، ويتم الوصول إلى هذا الطابق من خلال سلم خلفى تلتف درجاته على عمود حجرى مغطى بقبو صاعد. هذا السلم المؤدى للطابق العلوى ويصل بين الحجرتين الدفاعيتين ممر فوق كتلة فتحة المدخل، وبأرضيته فتحات غائرة لصب المواد الكاوية أو إلقاء مواد صلبة على المقتحمين، ويبرز من خارج السور على الطابق الثانى المصمت فى البرجين زخارف حجرية على هيئة درع حجري، ويحتوى هذا الدرع ترسين يتناسقان مع زخرفة أعلى كوشتى عقد فتحة المدخل، ويتوسط كل كوشة بارزة لشكل ترس مزخرف بدوائر متداخلة يخترقه سيف، ويحصر واجهة المدخل من الخارج أيضا عقد كبير منفوخ داخل إطار زخرفي.
ارتبط اسم باب النصر بالمقابر، وبدأت بأول مقبرة دفن فيها أمير الجيوش بدر الجمالي، ليطل الباب على قبر مجدد بنائه وباعث مجده، إلا أنه الآن ابتعد عن المقابر بعد توسعة شارع البنهاوى الذى يربط بين باب الشعرية والدراسة، وتم رفع كفاءة الشوارع وشبكه الكهرباء به وأعمال الرصف والتشجير، كما تم ترميم الباب الخشبى بما يتناسب مع زخرفته الأصلية، ومن ثم إعادة البريق إلى باب النصر والمبانى الأثرية فى المناطق التى يؤدى إليها وإعادة النبض للتاريخ وإقامة فعاليات فنية وثقافية دولية ومحلية بالسور الشمالى الذى يوجد به باب الفتوح، وهو الباب الذى سنتحدث عنه الحلقة القادمة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...