الإمام الأكبر هو صاحب الرأى فى كل مايتصل بالشئون الدينية وكل مايتعلق بالقرآن وعلوم الإسلام / أولهم محمد الخراشى وأخرهم أحمد الطيب وكان أطولهم مكوثاً فى المنصب عبدالله الشبراوى الذى استمر 34 عاماً
فى الحلقات السابقة عرضنا تاريخ الجامع الأزهر وعمارته منذ تأسيسه فى العصر الفاطمى حتى اليوم، وفى هذه الحلقة نلقى الضوء على تاريخ شيوخ الأزهر الأجلاء، منذ العصر العثمانى حتى الآن، ونعرض دورهم الدينى والمجتمعى والسياسى على مر العصور، وذلك لأن منهم من نال الشهرة لدى المصريين، ومنهم من لم يحظ بها.
شيخ الأزهر هو شيخ أكبر مؤسسة دينية فى مصر، والمسئول عن الجامع الأزهر وجامعة الأزهر، يتولى رئاسة علمائه، ويشرف على شؤونه الإدارية، ويحافظ على الأمن والنظام بالأزهر، وهو من المرجعيات المؤثرة فى العالم الإسلامى، وقد بدأ المنصب رسميا عام 1090 هـ، وتعاقب عليه حتى الآن 44 عالما، كان أولهم الشيخ "محمد بن عبد الله الخراشي"، وكان تنصيب الإمام الأكبر يحدث باتفاق كبار شيوخ الجامع الأزهر وعلمائه، ثم يقومون بإخطار ديوان أفندى سكرتير عام ديوان القاهرة، ليقوم بإبلاغ الوالى العثمانى باسم الشيخ الجديد الذى وقع عليه الاختيار، لكن فى عهد "محمد على" باشا بدأ تدخل الوالى فى تعيين شيخ الأزهر.
وفى سنة 1239 هـ فى عهد المشيخة الثانية للشيخ "سليم البشري" أنشئت هيئة كبار علماء الأزهر بموجب القانون رقم 10 لسنة 1911، وتكونت من كبار علماء المذاهب الأربعة، ونص قانون الأزهر وقتها على أن يكون اختيار شيخ الجامع الأزهر من بين جماعة كبار العلماء. ثم يرسل اسمه إلى القصر الملكى فيوافق عليه ويصدر بالموافقة أمر ملكى دون تدخل من القصر فى اختياره.
فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر صدر القانون رقم 103 لسنة 1961، المعروف بقانون تطوير الأزهر، وحُلت بموجبه هيئة كبار العلماء ليحل محلها مجمع البحوث الإسلامية قائمًا بواجباتها، ويتكون المجمع من 50 عضوا، ويختار شيخ الأزهر بشكل عام من بين أعضاء المجمع ويكون رئيس الجمهورية وحده هو صاحب القرار فى تعيينه أو إقالته.
وفى 17 يوليو 2012 أُعيدت هيئة كبار العلماء مرة أخرى، وأُعطيت عدة اختصاصات من ضمنها انتخاب شيخ الأزهر وترشيح مفتى الديار المصرية والبت فى الأمور الدينية، حيث يتم اختياره بطريق الانتخاب من بين هيئة كبار العلماء المرشحين لشغل المنصب على أن يكون حاملًا للجنسية المصرية وحدها، ومن أبوين مصريين مسلمين، وعلى أن يكون من خريجى إحدى الكليات الأزهرية المتخصصة فى علوم أصول الدين والشريعة والدعوة الإسلامية واللغة العربية، وأن يكون قد تدرج فى تعليمه قبل الجامعى بالمعاهد الأزهرية، وتختار هيئة كبار العلماء لهذا المنصب ثلاثة من بين أعضائها عن طريق الاقتراع السرى فى جلسة سرية يحضرها ثلثا عدد أعضائها على الأقل، ثم تنتخب الهيئة شيخ الأزهر من بين المرشحين الثلاثة فى ذات الجلسة بطريق الاقتراع السرى المباشر ويصبح شيخا للأزهر إذا حصل على الأغلبية المطلقة لعدد أصوات الحاضرين، ويُعين فى منصبه بعد صدور قرار من رئيس الجمهورية، ويعامل معاملة رئيس مجلس الوزراء من حيث الدرجة والراتب والمعاش.
شيخ الأزهر يعرف أيضا بـ "الإمام الأكبر"، وهو صاحب الرأى فى كل ما يتصل بالشئون الدينية، وفى كل ما يتعلق بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرئاسة والتوجه فى كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية فى الأزهر وهيئاته ويرأس المجلس الأعلى للأزهر.
تولى مشيخة الأزهر ٤٤ شيخا من علمائه، أولهم الشيخ "محمد الخراشي" وآخرهم الشيخ "أحمد الطيب"، كان أطولهم مكوثا فى المنصب الشيخ "عبد الله الشبراوي"، حيث مكث ٣٤عاما، وأقصرهم مدة "عبد الرحمن النواوي" الذى ظل شهرا واحدا فى منصبه، وتولى المنصب مرتين ٦شيوخ، هم: "محمد المهدى العباسى وشمس الدين الأنبابى وحسونة النواوى وسليم البشرى ومحمد المراغى وعبد المجيد سليم".
الشيخ "محمد الخراشى"
"محمد الخراشي" أول شيخ للجامع الأزهر كان يتبع المذهب المالكي، وتولى المشيخة من عام 1090 هـ حتى: 1101 هـ، وله الكثير من المؤلفات، منها: "الشرح الكبير على متن خليل فى فقه المالكية (8 مجلدات)، والشرح الصغير لمختصر خليل (5 مجلدات)"، ولد الخراشى سنة 1601م بقرية أبو خراش محافظة البحيرة، وقبل توليه المشيخة كان يُدرِس بالجامع الأزهر، ثم درّس بالمدرسة الآقبغاوية، وتتلمذ على يديه مجموعة من كبار العلماء ممن تولوا مشيخة الأزهر بعده، وكان معروفا بسعيه فى مصالح الفقراء والمساكين وطلاب العلم لدى الحكام.
الشيخ "إبراهيم البرماوى"
لقب الشيخ "إبراهيم البرماوي" بنصير الضعفاء والمساكين، وتولى مشيخة الأزهر من العام 1101 هـ حتى العام 1106 هـ، ومن أهم مؤلفاته: "رسالة فى الدلائل الواضحات فى إثبات الكرامات والتوسل بالأولياء بعد الممات"، ولد البرماوى بقرية برما محافظة الغربية، وقبل توليه المشيخة كان يُدرِّس الفقه الشافعى بالجامع الأزهر، وتتلمذ على يديه مجموعة من كبار العلماء ممن تولوا مشيخة الأزهر بعده، كان معروفا بمناصرته ومساعدته للضعفاء والمساكين.
الشيخ "محمد النشرتى"
تولى الشيخ "محمد النشرتي" مشيخة الأزهر من العام 1106 هـ حتى العام 1120 هـ، وولد بقرية نشرت محافظة كفر الشيخ، وقبل توليه المشيخة كان يُدرس بالجامع الأزهر، وتتلمذ على يديه مجموعة من كبار العلماء وممن تولوا مشيخة الأزهر بعده.
الشيخ "عبد الباقى القلينى"
تولى الشيخ "عبد الباقى القليني" مشيخة الأزهر خلال العام 1120 هـ، وولد بمدينة قلين محافظة كفر الشيخ، وتتلمذ على يد الشيخ النشرتي، ودرّس فى الجامع الأزهر، وقد أجمع المشايخ والعلماء مع الوالى على تعيينه كشيخ للأزهر بعد وفاة الشيخ النشرتي، كما ازدهر الأزهر فى عصره وتخرج علماء كبار فى حلقته، من أبرزهم: "الشيخ محمد صلاح الدين البرلسي، والشيخ أحمد بن مصطفى بن أحمد الزبيرى المالكي".
الشيخ "محمد شنن"
تولى الشيخ "محمد شنن" مشيخة الأزهر من العام 1120 هـ حتى العام 1133 هـ، وولد بقرية الجدية محافظة البحيرة، وكان ثريا جدا، لدرجة أنه وصف بأغنى أغنياء عصره، لكن لم يثنِه ذلك عن طلب العلم، وقال الجبرتى عنه: «إنه كان مليئا متمولا، أغنى أهل زمانه بين أقرانه، ترك لابنه ثروة طائلة»، وفى عهده اهتم بترميم الجامع الأزهر بعد طلبه ذلك من السلطان أحمد الثالث.
الشيخ "إبراهيم الفيومى"
تولى الشيخ " إبراهيم الفيومي" مشيخة الأزهر بين عامى 1133 و 1137 هجرية، ومن أهم مؤلفاته: "شرح المقدمة العزية للجماعة الأزهرية"، ولد بمدينة الفيوم محافظة الفيوم، وكان أحد تلامذة الشيخ الخراشي، وأخذ علم الحديث عن العديد من العلماء أمثال الشيخ البرماوي. درَّس فى الجامع الأزهر فكان يتوافد عليه مئات الطلاب يوميا. وكان شغوفا بعلوم اللغة وعلوم الحديث وعلم الصرف، وأجمع العلماء على اختياره شيخا للأزهر بعد وفاة الشيخ شنن، وأكمل من بعده عمارة وترميم الجامع الأزهر.
الشيخ "عبد الله الشبراوى"
تولى الشيخ "عبد الله الشبراوي" مشيخة الأزهر من العام 1137 حتى العام 1171 هـجرية، ومن أهم مؤلفاته: "شرح الصدر فى غزوة بدر، عنوان البيان وبستان الأذهان (فى الأدب والأخلاق والوصايا والنصائح)، حسن التوسل فى آداب زيارة سيد الرسل، والعقد الفريد فى استنباط العقائد من كلمة التوحيد". ولد الشبراوى بمدينة القاهرة، والتحق بالجامع الأزهر وعمره لم يتجاوز 8 سنوات، وكان أحد تلامذة الشيخ الخراشي، وحفظ القرآن وكتب السنة الستة، ودرَّس فى الجامع الأزهر، فضلا عن أنه كان شاعرا له دواوين، وتولى المشيخة وعمره 34 سنة، وكان له إسهامات فى تطوير الدراسة بالجامع الأزهر؛ فأدخل تدريس العلوم العقلية مثل الرياضيات والعلوم الاجتماعية، إضافة إلى العلوم الدينية والعربية، كما استخدم موهبته الشعرية فى نظم بعض العلوم ليسهل حفظها وفهمها على الطلاب.
كان "الشبراوى" ثريا، وأنفق الكثير فى رفع شأن الأزهر، وكان له نشاط اجتماعى وسياسى ملحوظ، حيث كانت علاقاته بالولاة والمسئولين جيدة، وكان يساعد فى رد المظالم إلى أهلها للمسلمين ولغير المسلمين، وكان يلقبه الأمراء بـ (شيخ الإسلام).
الشيخ "محمد الحفنى"
تولى الشيخ "محمد الحفني" مشيخة الأزهر من العام 1171 حتى العام 1181 هـجرية، ومن أهم مؤلفاته: "رسالة تتعلق ببطلان المسألة الملفقة وبطلان العقد الأول بعد وقوع الطلاق الثالث بقصد إسقاط المحلل، ورسالة فى فضل التسبيح والتحميد (فى الفضائل والآداب)".
ولد الحفنى بقرية حفنا محافظة الشرقية، وفى سن الرابعة عشرة درس بالمدرسة السينائية بالوراقين ثم بالمدرسة الطيبرسية بالجامع الأزهر، وأتم حفظ القرآن، وكان شاعرا بالفصحى والعامية المصرية؛ كما كان ناثرا، درَّس بالأزهر ومنح كذلك إجازة بالإفتاء. كذلك كان عضوا فى ديوان الحكومة، وفى سن ٣٠ أخذ عهد الطريقة الخلوتية عن الشيخ مصطفى بن كمال الدين البكرى فى بيت المقدس سنة 1149 هـ ونشرها فى مصر، ثم حدثت له ضائقة مالية لدرجة أنه عمل ناسخا للكتب حتى لا يتقبل هدايا وعطايا الولاة والأمراء.
الشيخ "عبد الرؤوف السجينى"
تولى الشيخ "عبد الرؤوف السجيني" مشيخة الأزهر من العام 1181 حتى العام 1182 هـجرية، وولد بقرية سجين الكوم، محافظة الغربية. حفظ القرآن الكريم، وكان سليل أسرة اشتهرت بالعلم والعلماء مثل أبيه وعمه، ولُقب بـ (أبى الجود)، وتولى مشيخة رواق الشراقوة بالأزهر، وظل شيخا له حتى بعد ولايته لمشيخة الأزهر.
الشيخ "أحمد الدمنهورى"
تولى الشيخ "أحمد الدمنهوري" مشيخة الأزهر من العام 1183 حتى العام 1192 هـجرية، ومن أهم مؤلفاته: "إيضاح المبهم فى معانى السلم، وإقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة، ورسالة عين الحياة فى استنباط المياه (فى علم الجيولوجيا)، والقول الصريح فى علم التشريح (فى الطب)". ولد الدمنهورى بمدينة دمنهور محافظة البحيرة، وقدم إلى القاهرة وهو صغير السن؛ وكان يتيما لم يكفله أحد، فالتحق بالجامع الأزهر واشتغل بالعلم، وأجازه علماء المذاهب الأربعة، وكان يفتى بها حتى عرف بـ "المذهبى"، وعُرف بقوة حفظه، وكانت له معارف فى سائر العلوم والفنون العربية والدينية، وغيرها كالكيمياء، والطب، والفلك، والحساب، والطبيعة، والعلوم الرياضية، وعلم الأحياء، وعلوم الفلسفة والمنطق.
كان من عادته الجلوس للتدريس بمسجد الإمام الحسين بن على فى شهر رمضان. وكان معروفا بين تلاميذه وزملائه من العلماء أنه لا يضع علمه فى غير موضعه، لذلك اتهمه البعض بالبخل فى بذل العلم على عكس الحقيقة، فمصنفاته كثيرة ومتنوعة، وكان ينتقى من يتعلم على يديه، وقدره واحترمه على بك الكبير، وكان يجلس إلى دروسه ويستشيره فى كثير من أمور الدولة.
الحلقة القادمة.. مواقف لا تنسى لشيوخ الأزهر فى تاريخ مصر
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تخيل أنك طالب تبحث عن معلومة محددة ذُكرت في ندوة تعليمية مدتها ثلاث ساعات. في الوضع التقليدي، ستضطر لقضاء وقت...
هناك العديد من العادات الضارة التى يفعلها الصائم بشكل روتينى وتؤثر سلبيا على صحته، وقد تهدد حياته أحيانا دون أن...
مر نصف شهر رمضان الكريم بكل ما يحويه من أجواء روحانية تعلو فيها قيم التسامح والود بين الناس، يحرص الجميع...
قضى الطاعون على أصحابه.. وظل البيت شاهداً مسجل أثر برقم 72 وكان فترة من الوقت مقرا لنقابة الأثريين