ماذا يريد رجال الصناعة من الحكومة فى الفتـرة المقبلة؟

سامي: الحل الوحيد الذى يساعد مصر فى التغلب على أزماتها هو زيادة الاستثمار الأجنبى المباشر / فتوح: استغلال تدفقات الدولار الجديدة فى سرعة الإفراج عن مستلزمات الإنتاج

تعد الصناعة عصا سحرية لتحقيق أحلام وطموحات الدولة المصرية التى صبت جهودها فى السنوات الماضية على تحسين بنيتها التحتية وتهيئتها للاستثمارات العملاقة فى محاولة لوضع مصر على خارطة الدول المصنعة الكبرى، سيما أن الصناعة العمود الفقرى للاقتصاد، غير أن هذه الخطة مرت بـ"وعكة" نتيجة الأزمات المتتالية بدءا من جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب فى غزة، وتأثير أحداث البحر الأحمر على سلاسل الإمداد والتوريد للمواد الخام ومعدات الإنتاج.

ولا تخفى التداعيات السلبية على الصناعة هذا المجال الحيوى والاستراتيجى للدولة، رغم محاولات حكومة الدكتور مصطفى مدبولى لتفادى الآثار الكارثية لكل هذه الأحداث والأزمات، إلا أن رجال الصناعة يرون أن هذه الجهود لم تكن كافية، مع استمرار العديد من التحديات التى تواجه القطاع الصناعي، مُبدين أملهم فى  تحسن هذه الأوضاع وبدء مرحلة جنى الثمار للسنوات الماضية مع بدء الولاية الرئاسية الجديدة للرئيس عبد الفتاح السيسى وتحدثوا عنه.

وهنا نحاول أن نفتح أهم الملفات والقضايا المنتظر حسمها ويريد رجال الصناعة وممثلوهم تفعيلها، من أجل تعميق التصنيع المحلى وزيادة قدرات الدولة فى التصدير وتقليل الواردات، ما ينعكس إيجابا على تحسين الوضع الاقتصادى لمصر ما يمكنها من النهوض بكافة القطاعات الأخرى.

فى البداية، طالب رجال الصناعة بتحسين بيئة الاستثمار المحلى والأجنبي، وإزالة العراقيل التى تعوق انطلاقته، وفى مقدمتها "استقرار سعر الصرف"، وهو ما أيده عضو مجلس النواب محمود سامي، قائلا إن الحل الوحيد الذى يساعد مصر فى التغلب على الكثير من أزماتها هو زيادة الاستثمار الأجنبى المباشر، مشيرا إلى أن الموقع الجغرافى لمصر منحها هبة أن تكون دولة واعدة وجاذبة للاستثمار الأجنبى المباشر، إضافة إلى عامل امتلاكها منفذا تصديريا كبيرا وأيادى عاملة كثيرة يمكن تدريبها وتحويلها لقوة إنتاجية، كل هذه فرص يمكن الاستفادة منها عندما تستطيع الحكومة زيادة الاحتياطى من النقد الأجنبى بشكل كبير، وتسهّل عملية حركة الأموال والتغلب على سعر الصرف.

وأشار إلى أنه مؤخرا نجحت الدولة المصرية فى توفير سيولة دولارية عبر توقيع صفقة اقتصادية كبرى لتطوير منطقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، أعقبت ذلك قرارات تصحيحية أصدرها البنك المركزى على رأسها رفع سعر الفائدة 6 % والوصول بالعملات الأجنبية إلى السعر العادل، ما أعاد الهدوء إلى مجتمع الأعمال والغرف الصناعية والتجارية بعد موجة من الاضطراب.

وفى هذا الصدد، طالب عمرو فتوح، نائب رئيس لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين، الحكومة الجديدة بضرورة استغلال تدفقات الدولار الجديدة فى سرعة الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، وعدّد التحديات أمام المجتمع الصناعى وأولها تحديات الإنتاج التى تتمثل فى ارتفاع تكلفة إنشاء المصانع، بالإضافة إلى معوقات التصدير التى تتطلب سرعة الإفراج الجمركى عن البضائع المصدرة من الموانئ لضمان الالتزام بمواعيد التسليم للعملاء خارج البلاد، وكذلك سرعة الإفراج عن المواد الخام لاستمرار المصانع فى الإنتاج.

جهود تحسين بيئة العمل تحتاج أيضا إلى تحديث بعض التشريعات وسرعة تطبيق القوانين المُعطلَة رغم أنها تصب فى مصلحة المجتمع الصناعي، يقول فتوح إن مجلس النواب أصدر عدة تشريعات محفزة للاستثمار من بينها قانون تفضيل المنتج المحلى فى المشروعات القومية، ويبقى التحدى فى تطبيقه على أرض الواقع لتحقيق الاستفادة للمصنعين المصريين.

من ناحية أخرى، سلّط رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، على عيسى، الضوء على مراجعة قرارات تسعير الأراضى للاستثمار، قائلا: "الدولة تريد بيع متر الأرض بأسعار تتراوح بين 15 و20 ألف جنيه، والمستثمر هنا يتساءل كم سيدفع؟ ومن أين سيمول التكنولوجيا والإنشاءات والإنتاج والتوسع".

ولفت عيسى إلى ضرورة التيسير على المستثمرين فى الصناعات الهندسية التى عدها من أبرز القطاعات التصديرية المصرية الواعدة، مستدركا بأن الاستفادة منها مرهونة بمحددات مثل توفير أراضٍ كافية بأسعار مناسبة وتسهيلات قوية، مع إنتاج الخامات محليًا لتصعد قرب 70% بدلًا من 40% حاليًا، وجلب شركات أجنبية للتصنيع داخل مصر.

وطالما مثلت الضرائب "بُعبُعا" طاردا للاستثمارات فى بعض الأحيان، دعا المحاسب الضريبى أشرف عبد الغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، إلى ضرورة ضبط أداء الإدارة الضريبية عبر توفير أقصى درجات المصداقية فى تطبيق الإجراءات الضريبية للمساهمة فى جذب الاستثمارات وتشجيع العملية الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي، وأول تلك الإجراءات سرعة تشكيل المجلس الأعلى للضرائب الذى تأخر تطبيقه 20 عامًا، محذرا من أن استمرار التأخير فى تشكيله يمثل مخالفة للقانون، ويهدد بالطعن على جميع القوانين الضريبية بعدم الدستورية لعدم عرضها على المجلس الذى لم يشكل أصلًا.

واقترح عبد الغنى إعفاء المصانع من الضريبة العقارية بشكل نهائى أو على الأقل وضع أسس محاسبية جديدة للضريبة العقارية على المصانع تستند إلى القيمة الإنشائية وليس القيمة السوقية على أساس أن صاحب المصنع لا يستفيد من ارتفاع قيمة الأرض فهى ليست وحدة استهلاكية وإنما وحدة إنتاجية توفر فرص عمل وتلبى الاحتياجات المحلية وتقلل الاستيراد وتزيد الصادرات وتعزز الاحتياطى الأجنبى للدولة.

وهناك من يرى أن بعض الرسوم الضريبية تمثل عائقًا أمام التوسع فى المشروعات القائمة أو الجديدة، إذ نوهت الدكتورة داليا السواح عضو مجلس إدارة البورصة المصرية ونائب رئيس لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بجمعية رجال الأعمال، إلى وجود خلل بالمنظومة الضريبية للمشروعات الصغيرة، ودعت إلى ضرورة مراجعتها وفقا للمتغيرات الاقتصادية السريعة وارتفاع تكاليف الإنتاج، مشيرة فى هذا الصدد إلى فرض ضريبة قطعية تصل إلى 10 ملايين جنيه على المشروعات الصغيرة.

وبالنظر إلى ملف "تسعير الطاقة"، حددت لجنة تسعير المنتجات البترولية فى قرارها الأخير فى 22 مارس الماضى سعر المازوت عند 7500 جنيه للطن لمجموعة من القطاعات، وأبقت أسعار المازوت دون تغيير عند 1500 جنيه لطن الصناعات الغذائية، كما أبقت سعر المازوت عند 2500 جنيه للطن لشركات إنتاج الكهرباء والطاقة التى تبيع إنتاجها من الكهرباء للشركات التابعة لوزارة الكهرباء.

وتراجع الحكومة كل 6 أشهر سعر بيع الغاز الموجه للمصانع وتحديدًا كثيفة الاستهلاك للطاقة بمعايير تستند إلى تغيّرات الأسعار العالمية والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، كما أوضح مدحت يوسف، النائب الأسبق لرئيس الهيئة العامة للبترول، مُبينًا أن المعادلة السعرية للجنة التسعير تضع فى حسبانها شكاوى المصنعين من تراجع قدرتهم التنافسية للتصدير نتيجة ارتفاع تكلفة الصناعة.

وأشار يوسف إلى أن الصناعة بمختلف قطاعاتها تستحوذ على 20% من الغاز المتداول، بينما يستحوذ قطاع الكهرباء على 60% من الغاز، و10% أخرى تذهب للصناعات البتروكيماوية والبترولية والنسبة المتبقية للمنازل والسيارات.

 وامتدت المطالبات بتحسين بيئة الصناعة إلى إعادة النظر فى رسوم الإغراق المفروضة على السلع المستوردة من الخارج، وهو ما حثّ عليه المهندس داكر عبد اللاه عضو شعبة الاستثمار العقارى باتحاد الغرف التجارية، وفى المقابل الاتفاق على زيادة نسب صادرات مصر من منتجاتها التى تحتاجها الدول الأخرى ليكون التبادل التجارى قائمًا على مصلحة الطرفين ولا يحدث خلل بالميزان التجاري.

ولم يكن بعيدا عن ذلك، المناداة بتخفيف ضغوط سعر "الدولار الجمركي" التى يسببها عند استيراد مستلزمات الإنتاج من الخارج، إذ بيّن أحمد الغندور، رئيس شركة "إحدى شركات" الطاقة الشمسية، الأثر السيئ على التكلفة الإجمالية لتنفيذ المشروعات، نظرا لأن معظم مكونات محطات الطاقة الشمسية مستوردة، ما تسبب فى ارتباك بسوق الطاقة الشمسية وعزوف عن تركيب محطاتها نظرا لارتفاع التكلفة 100% خلال عام.

من جانبه، شدد أشرف هلال، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة القاهرة التجارية، على ضرورة استمرار الإفراجات عن مستلزمات الإنتاج، حتى تستقر السوق المحلية بدءا من ثبات الأسعار وعدم ارتفاعها مرة أخرى، ثم بداية الهبوط التدريجى، لافتا إلى أنه بعد تحرير سعر الصرف ارتفع سعر الدولار الجمركى بنسبة تجاوزت 64%.

ومن بين التحديات المرهقة لملف تنمية الصناعة، الحصول على الموافقات اللازمة لإقامة مشروعات جديدة أو التوسع فى المشروعات القائمة، وهو الأمر الذى حذر منه رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، على عيسى، مشددا على ضرورة رفع القيود والعقبات البيروقراطية عن قطاع الصناعة عبر التحفيز، منوها إلى أن "الرخصة الذهبية" تعنى تسهيل إجراءات العمل وإنشاء الشركات والاستثمارات الجديدة بقرار واحد، وهو أمر إيجابي، لكن الحصول على هذا النوع من الرخص يقتصر على قطاعات أو شركات بعينها، وحتى الآن حصلت عليها 24 شركة فقط،

وتساءل : لماذا لا تُتاح للجميع من المستثمرين المحليين والأجانب؟.

وعلى غرار مبادرة الدولة بإتاحة 120 مليار جنيه تمويلات ميسرة لأنشطة الإنتاج الزراعى والصناعى بفائدة لا تزيد على 15%، طالبت جمعية رجال الأعمال المصريين بضرورة استحداث مبادرات تمويلية جديدة للقطاعات الإنتاجية، لتغطية الطلب المحلي، ورفع حجم الصادرات وجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وبين هذا وذاك، تبقى أصوات رجال الصناعة ومطالبهم للحكومة الجديدة بابًا واسعًا يحتاج إلى جهود المخلصين لإغلاقه، من أجل زيادة الاستثمار فى هذا القطاع الذى يمثل حوالى 20% من الناتج المحلى الإجمالي، ويستوعب أكثر من 30% من إجمالى العمالة المصرية، وبما يسهم فى تحقيق التطلعات بزيادة الصادرات إلى 145 مليار دولار سنويا.

 	حنان موج

حنان موج

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م