من مقر للحكام والسلاطين إلى أهم مقاصد الرحلات المدرسية/ كانت مقرًا للحكم منذ «صلاح الدين» حتى «الخديو إسمــــاعيل»..وصممت لتكون مدينة محصنة ومتكاملة
تعد قلعة صلاح الدين الأيوبى أحد أبرز المعالم السياحية بمدينة القاهرة، فضلا عن أنها واحدة من المقاصد لمعظم الفعاليات الثقافية والفنية بالعاصمة، فالإقبال على زيارتها كثيف، خاصة من قبل الرحلات المدرسية والسائحين الأجانب، إلى جانب الزيارات الفردية من الأسر التى تفضل اصطحاب أولادها لاقتناص يوم من البهجة والسعادة وسط الحياة المكتظة بالضغوط.
قلعة صلاح الدين أحد أهم معالم القاهرة الإسلامية، وإحدى أفخم القلاع الحربية التى شيدت فى العصور الوسطى، وقد أتاح موقعها الاستراتيجى أعلى جبل المقطم إطلالة رائعة على معالم القاهرة التاريخية كافة، ووفرت الأسوار المنيعة حول عواصم مصر الإسلامية مع القلعة مزيدا من الحماية ضد الحصار.
قبل بناء القلعة بأسابيع قليلة، وبمجرد أن تم تحديد موقعها، توجه الأمير "بهاء الدين قراقوش الأسدى"، أحد أمراء "صلاح الدين الأيوبى"، بصحبة رجاله، ليقوموا بتمهيدها، وهدم جميع المساجد والقبور التى كانت موجودة أعلى تلك الهضبة، ثم أمر بنحت الصخر لعمل خندق صناعى يقوم بفصل جبل المقطم عن الهضبة التى اختارها "صلاح الدين" لبناء قلعته، وذلك ما زاد من قوتها ومنعتها.
بدأ صلاح الدين الأيوبى فى تشييد هذه القلعة فوق جبل المقطم (572-579هـ /1171- 1193م) فى موضع كان يعرف بقبة الهواء، لكنه لم يتمها فى حياته، بل أتمها السلطان الكامل بن العادل (604هـ/ 1207م)، فكان أول من سكنها واتخذها دارا للملك، وظلت مقرا لحكم مصر حتى عهد الخديو إسماعيل الذى نقل مقر الحكم إلى قصر عابدين بمنطقة القاهرة الخديوية فى منتصف القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من أن بناء قلعة الجبل (قلعة صلاح الدين) انتهى عام 1184، إلا أن سور صلاح الدين نفسه ظل مجرد مخطط على الأوراق حتى مطلع عام 1238، وتتألف القلعة من قطاعين مختلفين، الأول يوجد فى الجهة الشمالية، مستطيل الشكل، تحيطة أسوار من الناحيتين الشمالية والشرقية، بُنى فى عهدى "صلاح الدين الأيوبى" وأخيه "الملك العادل" وكان يستخدم كحامية عسكرية لما يحتويه من أبراج مستديرة ومربعة، أما القطاع الجنوبى الغربى من القلعة فيوجد به قصر الحكم ومقر لإقامة الوالى.
تزخر القلعة بالعديد من الآثار التى ترجع إلى عصور إسلامية مختلفة حولتها من مجرد قلعة حصينة كانت تستخدم فى الدفاع عن المدينة فى حال أى هجوم إلى مدينة كاملة، حيث احتوت القلعة على مساجد، أسبلة، قصور، دواوين، مصانع حربية، مشغل لكسوة الكعبة المشرفة، مدارس حربية ومدنية، وغيرها من المنشآت التى ميزت قلعة صلاح الدين الأيوبى عن غيرها من القلاع التى بنيت فى العصور الوسطى فى العالم، وبداخل القلعة نفسها، حفر صلاح الدين بئرا عميقة يبلغ عمقها 85 مترا عرفت باسم "بئر يوسف"، ويقف المرء أمامها مندهشا مبهورا لذلك الإعجاز الهندسى، وهى بئر عجيبة فى هندستها نادرة فى عمارتها يبلغ عمقها 90 مترًا، منها 85 مترًا حفرت فى الصخر، وتتكون البئر من مقطعين ليسا على استقامة واحدة، إلا أنهما يتساويان فى العمق تقريبًا، من أجل ذلك سمى هذا الأثر "بئرين" فى كتابات بعض المؤرخين، تبلغ مساحة مقطع البئر السفلية 2.3 متر مربع، فى حين تبلغ مساحة مقطع البئر العلوية خمسة أمتار مربعة، وذلك للحاجة إلى تأمين ممر إلى البئر السفلية الذى يسمح بنزول الثيران اللازمة لإدارة الساقية المثبتة على البئر السفلية، وذلك لجلب الماء من عمقها إلى مستوى البئر العلوية، ويقوم زوج آخر من الثيران بإدارة ساقية ثانية مثبتة على البئر العلوية لرفع الماء من منسوب الساقية الأولى إلى سطح الأرض.
ولعل أكثر الشواهد إثارة للدهشة فى تصميم وتنفيذ البئر العلوية، هو رقة الجدار الحجرى الفاصل بين مهوى البئر، وممر الثيران المنحدر إلى أسفل والذى بلغت سماكته فى بعض الأماكن عشرين سنتيمترًا.
وفى عهد "الناصر محمد بن قلاوون"، أى مطلع عام 1293 ميلادية، لم تكن البئر قادرة على إنتاج كمية من المياه تكفى عدد البشر والحيوانات التى تعيش داخل القلعة، فقام ببناء بئر تنقل المياه من النيل إلى السور عن طريق مجموعة من العجلات، ثم تنتقل المياه إلى القلعة عبر القنوات التى شيدت فى عهد صلاح الدين.
تضم قلعة صلاح الدين أربعة قصور، قصران منها بنيا فى عهد محمد على باشا، وهما قصر الجوهرة الذى أنشئ سنة 1814، وقصر الحرم الذى أنشئ سنة 1826، وقصر يرجع إلى القرن الرابع عشر، وهو قصر الأبلق الذى بناه السلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة 1314، وهو يقع على الجانب الغربى لمنحدر جبل القلعة، بالإضافة إلى قصر سراى العدل.
للقلعة ثلاثة مساجد رئيسية، أقدمها مسجد ناصر محمد، الذى بنى سنة 1318 فى أوائل العصر المملوكى البحرى، عُرف هذا المسجد بالمسجد المملوكى للقلعة، حيث كان يؤدى فيه سلاطين القاهرة صلاة الجمعة، ومسجد سليمان باشا الذى بنى سنة 1528 على أطلال مسجد قديم فى أبى منصور كوستا، بالإضافة إلى مسجد محمد على باشا، وهو المسجد الذى دفن فيه محمد على، وإن كانت جثته قد انتقلت إلى حوش الباشا عام 1857.
تحتوى القلعة على 3 متاحف، متحف قصر الجوهرة، الذى يوجد به ثريا تزن 1000 كيلوجرام، أهداها ملك فرنسا "لويس فيليب الأول" لمحمد على باشا، أيضا يوجد عرش محمد على الذى أهداه له ملك إيطاليا، أما متحف النقل الذى افتتح عام 1983 فيضم مجموعة من السيارات الملكية الفريدة التى ترجع إلى فترات تاريخية مختلفة، من عهد الخديو إسماعيل حتى عهد الملك فاروق، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من التحف الفريدة، كما يوجد المتحف العسكرى، وهو المتحف الرسمى للجيش المصري، وتأسس عام 1937، تم نقله من موقعه الأول بالمبنى القديم لوزارة الحربية فى وسط القاهرة، إلى موقع مؤقت فى حى جاردن سيتى، وفى نوفمبر 1949 نُقل إلى قصر الحرم فى القلعة.
وتزخر قلعة صلاح الدين الأيوبى بالعديد من الأسوار والأبراج والأبواب، حيث إن أول ما يلفت النظر إلى القلعة هو ارتفاعها الشاهق، وأسوارها الحصينة الشامخة والصامدة على مر السنين والعصور، ولقلعة صلاح الدين أو قلعة الجبل أربعة أبواب:
باب المقطم
عرف الباب القديم باسم باب المقطم لمجاورته لبرج المقطم الذى يرجع تاريخه إلى العصر العثمانى، كما عُرف هذا الباب باسم باب الجبل، لإشرافه على باب جبل المقطم، أما حاليا فإنه يعرف باسم بوابة صلاح سالم، وقد تم سد هذا الباب فى فترة من الفترات، وكان عبارة عن فتحة مستطيلة فى حائط سميك جدا فى اتجاه الجنوب من برج المقطم، وكان على هذا الباب لوحة تذكارية تحمل نصا تأسيسيا باللغة التركية باسم "يكن باشا" وتاريخ بناء الباب والقصر يعود إلى عام 1785 ميلادية، وعندما تولى محمد على باشا الحكم، قام بعمل تجديداته بالقلعة، فى البداية قام بتمهيد طريق يصل بين باب الجبل إلى قلعته بالمقطم، وأضاف الزلاقة الصاعدة إلى أعلى جبل المقطم، وكان طول هذا الطريق حوالى 650 مترا، وبمرور الزمن ضاعت معالمه، كما تم هدم جزء كبير من السور والشرفات التى كانت تعلوه، وتم أيضا هدم جزء كبير من السلالم التى كانت تصل إلى أعلى السور الشمالى وبرج المقطم عند شق طريق صلاح سالم سنة 1955، ومؤخرا قام المجلس الأعلى للآثار بإعادة فتح هذا الباب ليتناسب مع مكانته التاريخية والحضارية.
الباب الجديد
فى عام 1827 بدأ محمد على باشا فى بناء الباب الجديد ليستخدم بدلا من الباب المدرج الذى أنشأه الناصر صلاح الدين الأيوبى وكان الباب الرئيسى للقلعة، فقد رأى محمد على باشا أن كلا من الباب المدرج وباب الإنكشارية لا يصلحان لمرور العربات والمدافع الحربية ذات العجلات، فبنى بدلا منهما الباب الجديد، ومهد له طريقا منحدرا لتسهيل الصعود إلى القلعة والنزول منها، وهذا الطريق يعرف اليوم باسم "شارع الباب الجديد" أو "سكة المحجر"، وللباب الجديد واجهتان رئيسيتان، الأولى: الشمالية وتطل على شارع الباب الجديد وسكة المحجر، ويقع فى الناحية الغربية منها دار المحفوظات القديمة دفتر خانة القلعة وباب الانكشارية، وطول هذه الواجهة 15.50متر وارتفاعها متغير؛ حيث يتراوح ما بين 16 مترا إلى 20 مترا، وتحتوى هذه الواجهة على عدة تفاصيل معمارية مميزة يتوسطها كتلة المدخل التى يعلوها لوحة تذكارية كتب بداخلها بخط الرقعة البارز على أرضية من فروع نباتية "يا مفتح الأبواب"، وأسفل هذه الكتابة إطار زخرفى كتب بداخله "راقمه عبد الغفار"، وفى المدخل كتلة دائرية قطرها 123 سنتيمترا نُقش داخلها رموز الجيش المصرى ووحداته وأسلحته المختلفة فى عهد محمد على باشا.
الباب الوسطانى
أما الباب الوسطانى، فقد جاء ذكره فى أحد كتب المستشرق الفرنسى "بول كازانوفا" سنة 1894، وهو الذى قال فيه إن هذا الباب سُمى بالوسطانى نظرا لأنه يتوسط الديوانين الكبيرين بالحوش السلطانى، وهما "ديوان قايتباى" و"ديوان الغورى"، ذكر بعض الباحثين أنه عرف بالوسطانى لأنه كان يفصل ما بين دهليز القلعة العمومى البحرى وبين الحوش الذى يقع فيه جامع الناصر محمد بن قلاوون وجامع محمد على باشا، وقد عرف هذا البرج باسم "برج الطبالين"، نظرا لوقوعه بجوار دار العدل التى أنشأها الظاهر بيبرس، ثم حوّلها الناصر محمد بن قلاوون لتكون دارا لقارعى الطبول، ولقد قام محمد على باشا بتجديد هذا الباب والسور الذى يحيط به، وإن كان غير معروف تاريخ تجديد الباب الوسطانى نظرا لعدم وجود نص تأسيسى أو لوحة تذكارية به، إلا أنه من المرجح أنه قد قام بتجديده سنة 1826 عند تجديده باب القلعة المجاور له فى الناحية الشرقية.
باب العزب
"باب العزب" يقع أمام مدرسة السلطان حسن ومسجد الرفاعى، وهو واحد من أضخم وأجمل الأبواب الإسلامية، فالباب يشبه إلى حد كبير فى تكوينه بابى الفتوح وزويلة، وهو مكون من برجين كبيرين مستطيلين لهما واجهة مستديرة وأعلى كل منهما غرفة وبينهما توجد سقاطة استخدمت لإلقاء الزيوت المغلية على الأعداء الذين يحاولون اقتحام البوابة عنوة، وهذا الباب بناه الأمير "رضوان كتخدا الجلفى" قائد الجنود العزب فى موضع باب قديم يرجع تاريخه إلى العصر المملوكى، وقد جدّد هذا الباب الخديو إسماعيل وأكسبه مظهره الحالى ذا الشكل القوطى، وذلك عندما جدّد ميدان الرميلة ووسعه، كما أضاف إليه من الخارج الدرج المزدوج.
أبراج القلعة
يحتوى سور القلعة على 13 برجا يكفلون حماية دائمة لجنود القلعة وسكانها، وهم: أبراج المقطم، الصفة، العلوة، كركيلان، الطرفة، المطار، المبلط، المقوصر، الأمام "المعروف ببرج القرافة"، الرملة، الحداد، الصحراء، والمربع.
وتنقسم القلعة إلى ساحتين بواسطة سورين مختلفين أحدهما شمالى وهو الذى يسميه المؤرخون قلعة صلاح الدين الأيوبى، أو قلعة الجبل، ويتكون من مساحة ذات مسقط أفقى مستطيل غير منتظم الشكل بطول 650 مترا وعرض 317 مترا، أما السور الجنوبى، فيطلق عليه اسم القلعة ويتكون أيضا من مساحة ذات مسقط أفقى مستطيل بطول 510 أمتار وعرض ٢٧٠ مترا.
الوصول إلى قلعة صلاح الدين سهل جدا، فيمكننا الذهاب إليها فى غضون 15 إلى 25 دقيقة من وسط القاهرة، مع العلم أنه يتوفر بداخل القلعة العديد من الخدمات للزائرين، مثل المطاعم والمقاهي، بالإضافة إلى محلات لبيع الهدايا التذكارية، وهناك الكثير من الحافلات فى القاهرة التى يمكن استخدامها للوصول إلى قلعة صلاح الدين، كما هو الحال مع عدد لا يحصى من سيارات الأجرة التى تتجول فى شوارع المدينة.
عنوان قلعة صلاح الدين الأيوبى: شارع صلاح سالم- الدرب الأحمر، والقلعة تفتح أبوابها للزائرين يوميا من الساعة 8:00 صباحًا حتى 4:30 مساء.
أسعار تذاكر قلعة صلاح الدين فى متناول الجميع، فالتذكرة للمصريين قيمتها ٦٠ جنيها، وبالنسبة للطلاب المصريين تبلغ 10 جنيهات فقط لا غير.
*وفى العدد القادم سنتعرض لثلاثه مساجد بداخل القلعه وهم مسجد ناصر محمد، مسجد سليمان باشا، ومسجد محمد على باشا بالتفصيل*.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...