بالإبرة والخيط.. صناعة البهجة فى شارع «الخيامية »

مع اقتراب شهر رمضان الكريم يكتسى شارع الخيامية -فى نهاية شارع الغورية بحى الحسين- بألوان الزينة التى تبعث البهجة

 فى الصدور، فالشهر الكريم له مذاق فريد فى تلك المنطقة بالذات؛ أمام باب زويلة وبالقرب من منطقة تحت الربع يقع مكان مسقوف بـألـواح خشبية ومغطـى بالزخارف المصنعة من أقمشة الخيام والزينة الرمضانية التى تجذب أنظار المارة، إنه شارع «الخيامية» أحد أشهر أسواق القاهرة القديمة، ويعد أصل صناعة الخيم الرمضانية بالوطن العربى قاطبة.

"الخيــامية" فــن مصـرى عــريـق، والمصطلح مشتق من كلمة خيام، وهى عبار عن صناعة الأقمشة الملونة التى تستخدم فى عمل السرادقات، وربما يمتد تاريخ هذه المهنة إلى العصر الفرعونى، لكنها بالتأكيد أصبحت أكثر ازدهارا فى العصر الإسلامى، لا سيما العصر المملوكى، وكانت الخيامية ترتبط قديما بكسوة الكعبة المزينة بخيوط الذهب والفضة، وهى الكسوة التى كانت مصر تقوم بتصنيعها حتى حقبة الستينيات من القرن الماضى، ثم ترسلها إلى الحجاز فى موكب مهيب عرف باسم المحمل، وتوجد هذه الحرفة بكثرة فى شارع الخيامية، بالقرب من باب زويلة آخر شارع الغورية بالقاهرة القديمة.

تبدأ صناعة الخيام برسم التصميم الذى سيتم تنفيذه على القماش، وغالبا ما يستخدم قماش التيل لأنه سميك، ثم يقومون بتخريم الرسم وتوضع بودرة مخصصة لطبع الرسم على القماش، ثم يقوم الفنان بعملية التطريز، حيث يقص وحدات القماش لتطريزها مع بعضها البعض، وقد يقوم بعمل ما يسمى «تفسير» وهو عبارة عن حياكة خيوط فوق القماش، وذلك لعمل الملامح العامة، خاصة إذا كان التصميم عبارة عن منظر طبيعى، وذلك لإضفاء روح على التصميم، وغالبا ما تكون التصميمات إما فرعونية أو إسلامية، بالإضافة إلى الآيات القرآنية والمناظر الطبيعية.

 بالقرب من منطقة «تحت الربع» يقع شارع الخيامية، ويقع هناك أحد أشهر أسواق القاهرة المسقوفة على امتداد شارع المعز، وقد سمى بسوق الخيامية نسبة لتلك الحرفة، فما أن تدخل ذلك الشارع حتى تجد على جنباته مجموعة من الورش التى تخصصت فى هذا النوع من التراث الفنى العريق، وهذا الشارع موجود منذ عهد الفاطميين حينما كان باب زويلة يغلق ليلا ويفتح فى النهار، وكان يسمح للتجار بالدخول صباحا لمباشرة أعمالهم فى الورش، وكان السوق يشمل اسطبلا للخيول يعلوه أماكن مخصصة لمبيت التجار الذين يأتون من المغرب والشام، وقد كان لهؤلاء التجار خيام يستخدمونها فى سفرهم، وكانوا يعملون على إصلاحها فى تلك المنطقة، كما يحرص كل منهم أن تختلف خيمته عن الخيام الأخرى، ومن هنا بدأت مهنة الخيامية.

خصص الفاطميون لحرفة الخيامية شارعا باسمها، وكان للالتحاق بالمهنة اختبارات لابد من تجاوزها للعمل فيها.

يحكى التاريخ عن أشهر خيام نصبت فى مصر، وهى الخيام التى نصبت على طول الطريق من القاهرة إلـى بغداد إبان رحلة زفاف الأميرة قطر الندى ابنة خمارويه التى كانت مضرب المثل فى كل العصور بالترف والبذخ؛ كما تكثر إقامة الصوانات فى المولد من الخيامية، مثل مولد النبى الذى يأتيه الكثيرون بصوانات صغیرة متنقلة للأراجوز وفن التنورة، كما تقام موائد الرحمن الملونة بالزينة والفوانيس بالخيام فى الشهر الكريم.

"مجدى مهران" رجل خمسينى العمر، يجلس منكبا على ماكينة الخياطة وتتراص حوله الخيام التى انتهى منها، وكذلك المفارش المخصصة لتزيين المنزل فى شهر رمضان، وكافة صنوف الزينة الأخرى؛ عمل مهران فى مهنة الخيامية وهو فى السابعة من عمره، توارثها مثل غيره من الكثيرين العاملين هنا أبا عن جد.

«هنا رمضان الحقيقى فى الخيامية والإحساس به أكثر بكثير من أى مكان آخر فى كل مصر، المصريون يشترون زينة بيوتهم فى الشهر الفضيل من هنا».. هكذا عبر «مجدى مهران» أشهر صانع خيامية بالشارع عن الأجواء الرمضانية المتكررة كل عام، لافتًا إلى أن رمضان يبدأ بالنسبة لهم كمحترفى صناعة الخيامية فى شهر رجب، حيث يتحول الشارع لخلية نحل ملونة بالزينة، قال مهران: "هذه المهنة مذكورة فى القرآن، فربنا سبحانه وتعالى قال: حور مقصورات فى الخيام".. هكذا يشعر مهران بقيمة مهنته التى يحدث لها رواج كبير فى شهر رمضان، حيث تباع جميع مستلزمات الشهر من مفارش الزينة حتى الخيام الكبيرة التى ينصبونها فى الحدائق لخلق أجواء مختلفة تناسب الشهر الكريم".

بداية من شهر شعبان يستعد مهران للعمل الشاق برفقة زملاء المهنة بورشة الخيامية، قال :"الخيمة بها الطابع الرمضانى، والزبائن يحبون السهر فيها وتناول الفطور، والبعض ينصبونها حتى فى بيوتهم، فضلا عن المطاعم والمقاهى، إلى جانب ذلك يهتم المصريون بشراء المفارش وأفرع الزينة".

مهران يطور من مهنته كل عام، حيث يدخل بعض التحديثات على الخامات التى يتم صناعة زينة رمضان منها، قال: "قماش الساتان هو الجديد هذا العام، والمفارش كذلك تحمل أشكالا جديدة ومختلفة حتى فى أحجامها المتنوعة".

قال مهران: "سعر أصغر الخيام يبدأ من 600 أو 800 جنيه، وهناك خيام تصل أسعارها 3 آلاف جنيه، والتطوير فى صناعتها أدخل الماكينات، لكن فيما مضى كان الشغل كله يدويا وبكميات أقل بطبيعة الحال".

حتى الفوانيس فى شارع الخيامية يصنعونها من خامات وأقمشة الخيام، ولذلك تكون أقل سعرا من الفوانيس النحاس بطبيعة الحال، وهذا ما أوضحه "عصام عبد الرحمن" أحد أصحاب محال بيع الفوانيس بالخيامية، لافتا إلى أن هذه الفوانيس متوافرة كذلك بكافة الأشكال والأحجام والأسعار، وفانوس الخيامية لا يتجاوز سعره 10 جنيهات، وربما يصل إلى 300 أو 400 جنيه فى الأحجام الكبيرة، لكنه مصنع بالكامل من قماش الخيامية، وهو الأكثر رواجا خلال شهر رمضان لتوفره بكافة الأسعار والأحجام، فهو مناسب لتقديمه كهدية ومناسب أيضا لزينة المنازل والشوارع.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

إدارة التغيير الرقمي بين التحديات البشرية والتقنية في بناء بيئات التعلم الذكية

في عالمٍ لم يعد يعترف بالسكون، بات التحول الرقمي في المؤسسات التعليمية ضرورةً لا خياراً. ولكن، بينما ينصب تركيز الكثيرين...

خبراء التعليم يحددون روشتة ربط التخصصات الجامعية بسوق العمل

الحمامى: دراسات لتحديد احتياجات سوق العمل فى الداخل والخارج فى السنوات القادمة عبد الجواد: الجامعات تحتاج لإعادة النظر فى الأعداد...

«التموين» تعلن الحرب على مافيا التجار.. وتفرض رقابة صارمة على الأسواق

خطة رباعية لضمان توافر السلع.. وتحذير من الانسياق وراء الشائعات عقوبات رادعة تنتظر المتلاعبين.. وتدخلات فورية لمواجهة الأزمات

ممشى كورنيش الزمالك من قصر النيل لإمبابة.. استراحة لكل الناس

تم افتتاح المرحلة الرابعة من ممشى أهل مصر أمام كورنيش الزمالك بداية من كوبرى قصر النيل حتى إمبابة.