«مقياس النيل».. المؤشر الرقمــى لأحوال المصريين

نحن الآن فى جولة صغيرة لمقياس النيل، وهو واحد من الآثار الشامخة الكثيرة التى تركها لنا الأجداد العظماء، وأكثر ما يعبر عن اهتمامهم بالنيل منذ قديم الأزل، فهذا الأثر

نحن الآن فى جولة صغيرة لمقياس النيل، وهو واحد من الآثار الشامخة الكثيرة التى تركها لنا الأجداد العظماء، وأكثر ما يعبر عن اهتمامهم بالنيل منذ قديم الأزل، فهذا الأثر يعد أحد أقدم الآثار الإسلامية بعد جامع عمرو بن العاص، فقد أنشئ فى عهد الخليفة المتوكل بالعصر العباسى سنة 247هـ و861م، وأشرف على إنشائه أحمد الفرغانى الذى يتصدر تمثاله مدخل المكان، ومن قبل ذلك قام عبد العزيز بن مروان ببناء مقياس للنيل بحلوان، لكنه كان مقياسًا صغيرًا، كما قام أسامة بن زيد التنوخى العامل على خراج مصر سنة 95 هـ/714م بإنشاء مقياس للنيل بالطرف الجنوبى لجزيرة الروضة فى نفس موقع مقياس النيل القديم فى العصر الفرعونى، وذلك لمعرفة مقدار المياه التى تصل إلى مصر كل عام، وقد اختار هذا الموقع لربط المقياس بالنيل عن طريق المسارب التى توصل الماء إلى بئر المقياس فى نقطة هادئة نسبيا حتى لا تتعرض فتحات المسارب للتدمير. كما أن هذا الموضع لا يتسرب إليه الطمى الوارد من ماء النيل، ولهذا يعد اختيار هذا الموقع دليلا على دراسة جيدة لمجرى النيل واتجاهات ترسيباته.

معرفة منسوب المياه الحقيقى للنيل باستمرار، كان الهدف من إنشاء مقياس النيل، أنه كان الوسيلة الوحيدة التى يمكن من خلالها تحديد مستوى المعيشة الحقيقى للمزارعين، وبالتالى يمكن عن طريقه حساب عملية فرض الضرائب العادلة عليهم.

يقع مقياس النيل بجوار قصر المانستيرلى  فى منظر رائع للنيل، وعندما تزور هذا الأثر العظيم تجد نفسك داخل غرفة مبنية من الحجر، وأمام بئر عميقة وفى الوسط عمود طويل، وتزين بعض اللوحات القديمة جدران الغرفة وتعلوها قبة مزخرفة بأجمل النقوش الإسلامية التى تجذبك إلى النزول إلى أسفل البئر عبر درجات من الحجر، حتى تصل إلى  بئر عميقة يمتد عمقها إلى 12 مترا تقريبا.

يعتبر المقياس ثانى أقدم أثر إسلامى فى مصر بعد مسجد عمرو بن العاص، وذلك لأن بناءه يراعى جميع الجوانب الهندسية فى التعامل مع المياه، بالإضافة إلى زخرفة جوانبه بآية الكرسى والآيات القرآنية وبعض النقوش، فعلى الحجر الطولى لهذا المربع كتبت الآية رقم 32 من سورة إبراهيم، وفيها قوله تعالى "اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ".  وهى الآية التى تتحدث عن فضل المياه.

العالم الأوزباكستانى أحمد الفرغانى عندما أنشأ المقياس راعى الطبيعة المحيطة به على شاطئ النهر، فقام بتصميم قاعدة البئر التى يرتكز عليها عامود القياس من شجر الجميز لقدرتها على امتصاص الاهتزازات الأرضية وعدم التأثر بالمياه. 

على الرغم من روعة هذا المكان، إلا أن الإقبال عليه ضعيف، حيث تتجاهله شركات السياحة ببرامجها المعتادة إلى الأهرامات والمتحف المصرى والقلعة، متناسية مثل هذه الأماكن التى لا نعلم عنها سوى القليل.

 "مقياس النيل" حاز على اهتمام المصريين طوال 1150 عاما، وبالرغم من أنه كان يحدد مصير كل المصريين طوال هذه القرون بتحديد الرقعة الزراعية والضرائب المفروضة، إلا أنه يعانى الآن من الإهمال والتجاهل، خاصة بعدما توقف العمل به منذ بناء السد العالي، وتحوله إلى مزار سياحى يزوره السائحون الأجانب فقط.   

وفى المستوى الثانى للمقياس، وهو الذى بدأ يضيق فى المساحة، توجد الفتحة الثانية، وهى تكاد تكون مثل الأولى من حيث الاتساع، لكن لا يوجد حولها أى من العقود، ثم بعدها المستوى الثالث الدائرى والأصغر ويحتاج إلى 8 درجات صغيرة للنزول إليه ويوجد به القاعدة المصنوعة من شجر الجميز.

للوهلة الأولى لنزولك لقاع البئر تلاحظ آثار مياه النيل، التى تسربت بفعل الرطوبة والتجاهل إلى أرضية وجدران بئر المقياس، مما أدى إلى حدوث بعض التهالك على الأخشاب بالمقياس، وقد أكد مفتش الآثار أن هذه التسريبات المائية فى قاع البئر ناتجة من ارتفاع مياه النيل فى الصيف وإنها تحتاج إلى بعض الوقت لتجف.

لقد كانت القاعدة تختلف كهيكل معمارى عن باقى المقياس فهو يأخذ الشكل الدائرى، وقد تم إنشاؤه بهذا الشكل لأن المصمم الهندسى اكتشف أن مياه النهر عندما تدخل إلى المقياس تكون مندفعة بقوة قد تؤدى إلى انكسار العامود أو تؤثر على الجدران، وكان الشكل الدائرى هو الأنسب لامتصاص هذه القوة. 

ومن جانب آخر أثبتت دراسة حديثة حول استخدام مقياس النيل القديم الذى يرجع تاريخه إلى أكثر من 7000 سنة، حيث إنه بنى فى أبسط تصميم على شكل عمود رأسى مما يدل على عمق النهر.

وأكد أحد خبراء التصميم الهندسى على أن القدماء المصريين توقعوا حدوث الفيضانات مما دفعهم إلى بناء مقياس النيل، وكان آخر منسوب مياه قديم تم اكتشافه كان فى الدلتا، واستخدم للتنبؤ بالحصاد وفرض الضرائب.

فى البداية كان مقياس النيل يصنع من كتل الحجر الجيرى الكبيرة، وكان طوله يصل ثمانية أقدام، لذلك أدرج قائمة أسماء منحوتة مكتوبة باللغة اليونانية على الحجر الجيرى، مما يدل على أن هناك أفرادا مستفيدين من بناء هذا الهيكل، كما لعب فيضان النيل فى مصر القديمة دورا كبيرا ومهما، وكانوا يعتمدون على المقياس فى تحديد مقدار الضريبة التى يدفعها المزارعون عن أراضيهم، ودفعهم هذا إلى قياس مستوى مياه النيل كل عام من أجل التنبؤ بكميات الحصاد، ويوجد بمحافظة أسوان العديد من مقاييس النيل فى معابد كلابشة وفيلة وإلفنتين وكوم أمبو وإدفو، وجميعها ترجع إلى العصور البطلمية والرومانية.

كانت المقاييس عبارة عن علامات محددة على ضفة نهر النيل ثم تطورت إلى بناء درج وأعمدة وآبار أطلقوا عليها مقاييس النيل أو "النيلومتر"، وكان رئيس الكهنة يراقب نسبة زيادة المياه بشكل يومى ويحتفظ بها فى سجلات خاصة، وأصبحت مهمة التنبؤ بحجم الفيضان جزءا من مهام الكهنة فى مصر.

لقد اعتمدت جميع جوانب حياة المصريين القدامى تقريبا نهر النيل، فإذا ارتفع منسوب مياهه يحدث فيضان، وإذا انخفض منسوب مياهه يحدث جفاف، وكلاهما كان يعنى كارثة، وجاء اختراع مقياس مياه النيل لقراءة مستوى المياه والتنبؤ به ومن ثم معرفة مصير البلاد، فالشخص الذى استطاع قراءة مقياس مياه النيل امتلك معرفة كنوز مصر الأكثر قدسية، حتى إن التنبؤ بالمطر قبل سقوطه كان عاملا أساسيا، وذلك لتحديد الضرائب المفروضة على المزارعين، لذلك اتخذ مقياس النيل شكل عنخ (مفتاح الحياة).


 	سمير العبد

سمير العبد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مسئولون وخبراء يكشفون التفاصيل.. إجراءات الحكومة لمواجهة تداعيات أزمة الطاقة

لا شك أن الصراعات الإقليمية والعالمية أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد حول العالم خاصة مع توقف الملاحة فى العديد...

قيادات نقابية وأعضاء لجان برلمانية يحددون.. ضوابط تأمين الحجاج

د. عمرو الوردانى: الدولة المصرية تغلق "أبواب الرحلات الخلفية".. وعقوبات تنتظر المخالفين ناصر تركى: نقلة نوعية فى تأمين ضيوف الرحمن.....

برلمانيون وخبراء يكشفون.. خطة الحكومة لتحسين أوضاع أصحاب المعاشات

عبد الغفار مغاورى: تعديل قانون التأمينات لمعالجة الأعباء المالية.. ومطالب برلمانية لتعديل الحد الأدنى للمعاشات عبد المنعم إمام: تحركات لدعم...

مسئولين وخبراء يكشفون التفاصيل.. نصوص مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد

النائب عصام هلال: إهتمام القيادة السياسية بملف الأحوال الشخصية يستهدف استقرار الأسرة خبيرة حقوقية: لا بد من تنظيم حق الكد...