حج الفقراء.. الطريق الطويل إلى أبو الحسن الشاذلى

فى الوقت الذى تقدر فيه الأرقام الرسمية بعثة الحج المصرية إلى مكة المكرمة، بحوالى مائة ألف حاج مصرى، تقدر بعض الصحف المصرية أن زوار رحلة حج الفقراء إلى جبل حميثرة حيث

فى الوقت الذى تقدر فيه الأرقام الرسمية بعثة الحج المصرية إلى مكة المكرمة، بحوالى مائة ألف حاج مصرى، تقدر بعض الصحف المصرية أن زوار رحلة حج الفقراء إلى جبل حميثرة حيث زيارة ضريح الإمام الصوفى أبوالحسن الشاذلى مئات الآلاف سنوياً، ورغم أنه تقدير مبالغ فيه، لكنه يدفعنا أن نتأمل قيمة هذا الحدث السنوى الكبير، الذى يقام على أرض مصر ويطلق عليه «حج الفقراء».

لا تشغل هذه الرحلة  الفضائيات الخاصة ولو حتى بخبر صغير، على الرغم من أنها قصة صحافية تحمل كل عناصر التشويق والإثارة، فهو طقس حج بديل، تتجلى فيه كثير من ملامح الدين الشعبى المصرى، الذى لا يعرفه الكثيرون منا للأسف، ولا يمكن للمرء ـ عدو ما يجهل دائماً ـ أن يتوقع ما فيه من ثراء روحى واسع.

الحق أن كثيراً من أساتذة علم الاجتماع يعتقدون أن الصوفية، ونظراً إلى أن أكثرية مُعتنقيها هم من بسطاء الناس وفقرائهم، تعتبر ـ بشكلٍ أو بآخر ـ ملاذاً دينياً للفقراء،  لا يجدون كثيراً من تسهيلاته فى الدين الرسمى، إلا أن الاحتفال السنوى بالشاذلى على ما يبدو يتخطى بطقوسه المتعددة كونه مجرد ملاذ لهم، حيث يحمل الاحتفال متعدد الأيام، الكثير من ملامح الثقافة الشعبية من الغناء إلى المديح والألعاب والحيل، وكلها تقام فى تلك القرية البعيدة فى الصحراء، والتى تبعد مسافة 150 كيلو عن أقرب منطقة عمران مجاورة، وهى مدينة مرسى علم، جنوب محافظة البحر الأحمر، تزامناً مع الاحتفال السنوى بقُضب الصوفية «سيدى أبو الحسن الشاذلى»، حيث يقفون على أعلى جبل حميثرة «يوم عرفات»، منذ طلوع الشمس حتى الزوال، تزامناً مع وقوف الحجاج على عرفات، ويطلق الصوفية على شعيرتهم تلك لقب: «الحج الأصغر».

صبيحة يوم «عيد الأضحى» من كل عام، وبينما تكون أنظار ملايين المسلمين حول العالم مُتجهة إلى «مكة المكرَّمة»، يكون أكثر من مائة ألف من الصوفيين المنتشرين فى جميع محافظات مصر، بدأوا طقوس حج أخرى تخصَّهم، حيث يبدأون التحرك من محافظاتهم المختلفة، قبلها بيومين، على أن  يصلوا مرتدين ملابس بيضاء، ويصعدون «الجبل» ويجمعون «الجمرات»، وقد يقومون بعملية تقديم «الأضحية» أيضاً، فى مصفوفة دينية خاصة، لا تنتمى ـ بالضرورة ـ إلى ما فى الشريعة الإسلامية من أحكام، لتعلن تمرد فقراء الناس على كثيرٍ مما جاء فى نصوص الشريعة، ووفق القراءة الرسمية التى تتبناها أجهزة الدولة المصرية، والتى تكون غائبة تماماً عن هذه المناسبات السنوية المهمة، التى يشارك فيها آلاف المصريين وعدد من العرب والأجانب.


الحق أن روايات كثيرة تروى كالأساطير عن القطب الصوفى أبو الحسن الشاذلى وكراماته، فهو يعتبر واحداً من الأقطاب الراسخين فى الثقافة الشعبية المصرية، وقصته يمكن أن تتلخَّص فى أنه رحل منتصف القرن السابع للهجرة، بعد حياة حافلة بالإيمان والعزيمة والوجد، وأثناء حياته ـ حيث ولد فى المغرب وانتقل إلى مصر لاحقاً ـ كان يأخذ طريقه إلى الحج سنوياً، وفى آخر مرة وتحديداً سنة 656 هجرية، تقول الحكاية، طلبَ الشيخ من خادمه أن يصطحبَ معهُ فأسًا و«قُفة» و«حنوطاً»، أى الطيب والحناء، وكُل ما يجهَّز به الميت، ولما سأله الخادم عن السبب، أجابه أبو الحسن قائلاً: «عند حُميثرة سوف ترى»، وقد كانت على مقربة من «عيذاب»، المطلة على ساحل البحر الأحمر، الواقعة على طريق الحج، وعندما وصل الشيخ أبو الحسن إلى هناك، توقف وخلا بتلميذه المرسى أبو العباس، وأوصاه بأشياء واختصه بما خصَّه الله به من البركات، وبات الشاذلى ليلتها متوجها لله، ذاكرًا يسمعه أصحابه وهو يقول «إلهى إلهى»، فلما كان السحر سكَن، وظن أصحابه أنه نام، لكنهم عندما حركوه، وجدوه قد مات، وقيل إنه اغتسل وصلى ركعتين فقبضه الله تعالى فى آخر سجدة من صلاته، ودُفن فى نفس المكان، الذى يحج إليه آلاف المصريين سنوياً ـ وعلى مدار تسعة قرون متواصلة، وفى قلب كل منهم دعوة، كما يقولون، يُريد من الله أن يستجيبَ لها.

أغلب السالكين فى هذا الطريق، لا يفكرون أصلاً فى المظاهر، بينهم موظفون صغار وأبناء طوائف ومهن شتى، وبينهم أيضاً أجانب، يقول صديقى الطيب الذى لا يريد أن ينشر اسمه فى صحيفة، من باب «التعفف»: «هناك أجانب يأتون معنا إلى المقام، وأغلبنا لا يحمل هاتفاً، وبالتالى لن تجد بيننا من يلتقط الصور لنفسه، لأن الجميع يكون فى حالة من الوجد، ولن تجد مثلاً تلك المشاهد التى تراها فى الحج إلى مكة المكرمة، حيث يحصل البعض على صور «سيلفى» الحرم، أو«الكعبة المشرفة»، متناسين أنهم فى طقس دينى يحتّم عليهم الزهد فى الدنيا».

الصوفية التى تعشق الخلوة والزهد والوجد، تجد فى مثل هذه الرحلة ـ التى تعتبر من أعظم أسرار الصوفية ـ طريقاً لإنضاج النفس البشرية، بالترحال بعيداً عن كل مظاهر الحياة وبذخها، بعيداً عن إرسال كل خطوط شبكات المحمول، وبعيداً عن كل أنواع البث التليفزيونى والفضائى والإذاعى، متجهين جنوباً فى الصحراء الشرقية، حيث يكون على زوار المقام أن يؤدوا بعض الطقوس، فأنت تجد المئات من سيارات «النقل الثقيل» وقد تحولت إلى سرادقات متحركة بداخلها العشرات من مريدى الطرق الصوفية، رجالاً ونساء، يصيحون كلما اقتربوا من الضريح، مرددين: «شاذلى يا أبوالحسن.. إحنا زوار أبوالحسن».


يصف لنا أحد زوَّار الضريح الحالة الطقوسية التى يعيشها الزائر، يقول إنه بدأ أولاً بزيارة المقام والصلاة داخل المسجد، ثم صعد فوق «جبل حُميثرة»، الذى يتراوح ارتفاعه بين 200 إلى 300 متر، من أول النهار إلى آخره، وفى الليل يكون النوم فى الساحات، لمدة ثلاثة أيام فى خلوة فوق الجبل، مثل الشاذلى قبل رحيله، ومن بين طقوس البقاء فوق الجبل جمع الصخور ليتم ترتيبها فوق بعضها البعض، على شكل هرمى، للدعاء للحج فى مكة المكرمة أو زيارة ضريح الشاذلى العام القادم، بينما يختم زوار أبوالحسن الشاذلى طقوسهم، بطقس معروف للصوفية باسم «كسوة الشيخ»، وهى مسيرة يقودها أهل قرية الشاذلى، من قبيلة العبابدة الذين يقومون بالدوران حول جبل حُميثرة، ويطلقون عليه «موكب المحمل»، ثم يدخلون الضريح لتغيير كسوة المقام الخضراء بواحدة مثلها، حيث يتم تمزيق الكسوة القديمة، وتوزيعها على المريدين، وأضاف: «دفنه فى حميثرة ليست صدفة، فالمكان كان آخر محطات طريق الحج القديم، وهو مكان أريد له أن يكون بقعة طاهرة يستجاب فيها الدعوة، لأن قبر الإنسان إما أن يكون حفرةً من حفر النار أو روضة من رياض الجنة».

أحد الذين زاروا الضريح قال لنا، إن عدداً من أبناء الطرق الصوفية يكون لهم  حضورهم البارز فى هذا «الحج الأصغر» كل عام، ومنها عدد من أبناء «الطريقة الرفاعية» التى على الرغم من أنها لا تتبع منهج الشاذلى، إلا أنهم ملتزمون بالتواجد وعرض طقوسهم المعروفة بـ «كرامات الرفاعى»، بوضع السيوف والأسياخ فى أجسادهم، وهى الطريقة المعروفة باسم «ضرب الشيش»، ومنها طرق الطبول وقراءة الورد الخاص بحماية المحتفلين من الحشرات السامة والثعابين.

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسى والعميد السابق لكلية الخدمة الاجتماعية، الدكتور شحاتة صيام فى دراسته المتميزة «التدين الشعبى فى مصر ـ نقد العقل المُتحايل»: إن الدين الشعبى يعتبر أداة من أدوات العوام، وغيرهم، لحل مشاكلهم بطريقة ذاتية، وقد جاء كرد فعل للتعامل مع المشكلات الصعبة، التى تقف حائلاً أمام إشباع الاحتياجات الاجتماعية، ويضيف:

«إذا كنا هنا نشير إلى أن الدين الرسمى هو ما نقصد به المؤسسات أو التنظيمات الدينية، الخاضعة للدولة، فإننا نشير إلى أننا نقصد بالدين الشعبى ـ تحديداً ـ الطرق الصوفية، التى تكون هى الأخرى تنظيمات اجتماعية ـ دينية تضم بين جنباتها أكثرية من أبناء الطبقات الفقيرة، أو العوام، باعتبارها آلية مهمة لتخفيف الشكوى، والتكيف مع الحياة المادية شديدة الصعوبة. إن الانضمام إلى الطرق الصوفية جاء نتيجة الضرورة التى تقضى بالاندماج فى جماعات تمكن لهم عملية تجاوز عجزهم عن تلبية حاجاتهم، من جانب، والإفلات من هيمنة المؤسسة الرسمية من جانب آخر، ونتيجة لذلك فقد زهدت الطرق الصوفية فى أمور الدنيا التى تفشى فيها الفساد الأخلاقى. ويعتبر تطهير النفس والتقشف عن طريق الطرق الصوفية نوعاً من الانسحاب من عذابات المجتمع القائم...».


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

«أزواج ». . ولكن

استغلال المرأة العاملة يؤدى للجريمة والانحراف ويهدد استقرار المجتمع بأكمله عضو لجنة الفتوى: شرط مساهمة المرأة فى أعباء الحياة باطل...

«المجنونة ».. تاريخ من الأزمات والضحك

أطاحت بوزراء ورموا بها «العندليب » فى أول ظهور له

أم عماد: جزارة وأفتخر

تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل

التوحد الرقمى.. علة الجيل الجديد

الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...