آخر صُناعه فى مصر: باشوات «الحنطور» راحوا.. إحنا فى زمن «التوك توك»!

«الأجمل لم يأت بعد» مقولة نرددها دائماً لنعزى بها أنفسنا على جمال ذكريات الماضى، ناقمين على القبح الذى حمله لنا الحاضر. هذا المكان الذى يعرف بـ«تل الحدادين» عبارة عن

«الأجمل لم يأت بعد» مقولة نرددها دائماً لنعزى بها أنفسنا على جمال ذكريات الماضى، ناقمين على القبح الذى حمله لنا الحاضر. هذا المكان الذى يعرف بـ«تل الحدادين» عبارة عن ساحة للورش والتصنيع، ولكن الحال تغير، فمحلات الملابس الرياضية والمقاهى، ناهيك عن الفندق السياحى وكل هذه البنايات، غيرت من شكل المكان. وسط كل هذا يجلس أمام ورشته على كرسى حديد واضعاً يده على خده، وأمامه عربات الحنطور التى صنعها، فى انتظار أن الحصان الذى كان يجرها فى الزمن الجميل. كان يتابع حركة "التوكتوك" الذى يمر من أمامه ولا يملك إلا أن "يمصمص" فى شفتيه حزناً. هذا حال «صلاح عاشور» آخر صانعى العربات الحنطور الملكية فى مصر.

«لن أغير مهنتى ولو أكلت التراب» هكذا بدأ صلاح عاشور حديثه. الحنطور دخل إلى مصر على يد الإيطاليين، وجده الكبير عاشور كان يعمل مع أحدهم فى صباه. وتعلم الصنعة التى انتقلت بالوراثة فى العائلة. فى البداية دخل الحنطور مصر سنة 1840 وكانت أجزاؤه تأتى جاهزة، والصناع المصريون ما عليهم إلا تجميعها، كنا نستورد «الكوبيل الملكي» واستحدث الصانع المصرى أشكالاً للحنطور غير موجودة فى بلادها، مثل البنز والفينون، وتم تطوير العربات الملكية فهى مخصصة للملك وبجواره فرد واحد ولها شبابيك مغطاة بستائر، أصبحت بـ2 كابينة لتستخدمها الأسر الملكية، وكان الحنطور فى البداية مخصصاً للأمراء وعلية القوم، يجرها الحصان العربى الأصيل، وكان العامة يركبون "الكارو" ويجرها الحمير. بعد فترة طور الصانع المصرى بمهارته شكل "الحنطور" ليركبه العامة فاستخدم خشب أشجار التوت فى صناعة "الفينون: الذى يسع ستة أشخاص والبنز، وهو الحنطور المكشوف يسع شخصين، وكان وسيلة انتقال الأغنياء والعامة وانتشرت الورش فى كل مصر خاصة المحافظات السياحية، وفى السنوات الأخيرة قبل ثورة يناير كان الحال معقولاً، السياحة كانت  شغالة فى الأقصر وأسوان، وكانت هناك طلبات من الخواجات على الحنطور، لكن الآن الحال لا يسر.

هل تحارب الحكومة التراث؟. يسأل العم صلاح. الأفضل من استيراد "التوكتوك" كان عودة "الحنطور" . وسيلة مواصلات للتنقل بدلاً من "التوكتوك" والورش ترجع تشتغل والصنايعية التى هجرت المهنة وركبت "التوكتوك" وتعطلت أصابعها الذهبية فى إخراج قطع فنية، ويرجع صوت حافر الحصان يدق فى الشوارع، ويعود الزمن الجميل بدلاً من زمن "التوكتوك".

يصف عم صلاح حاله بحال الفنان عبد المنعم مدبولى فى فيلم "مولد يا دنيا " وهو يغنى آه يا زمان العبر سوق الحلاوة جبر، يقول كما تقول الأغنية التى غناها: «إحنا اللى كانوا الحبايب بيسافروا بينا القمر».

المعلم إبراهيم عاشور الشريك الآخر فى الهم والصنعة، قال: بنعافر فى الصنعة ، وعيب بعد السن ده نركب توكتوك. الطلب فقط لمدينة الإنتاج الإعلامى وبعض أصحاب مساحات الأرض الواسعة، يطلبون الكارتات القديمة. أما أشهر من صنعت لهم "كارتة" فهو الرئيس السادات وابن شقيقه طلعت السادات والشيخ الشعراوى طلب كارتة له وسيسى لأحفاده. وعملنا كارتة الفنانة "ليلى علوى" فى مسلسل "حديث الصباح والمساء" والفنان أحمد السقا لمزرعة الخيل التى يملكها فى الهرم.

أما عن تكلفة الحنطور فيقول عم ابراهيم: الحنطور يتكلف من 10 إلى 15 ألف جنيه، والزبون يقول إن التوكتوك أحسن، وسعر ركوب الحنطور غالى لأن أكل الحصان غالى، وزمان كان الحنطور ركوبة "الباشوات" والتاكسى كان للناس الغلابة، وطنطا كان فيها 10 آلاف حنطور، الآن لا يوجد فيها غير 3 حناطير يركبهم الناس الرايقة، وسائق الحنطور معذور لأن المحافظة دائماً تطارده وتتعامل معه على أنه "عربجى" وهو زمان كان اسمه "الأسطى باشا" يعنى سائق الباشوات. المحافظة ترفض تجديد التراخيص لعربات الحنطور والورش، وطبيعى أن المهنة تضيع. فى آخر الثمانينات كان "الحنطور " هو الملك فى الشوارع ، كل البنات تذهب للمدارس وترجع بالحنطور، وستات البيوت كانت تذهب للسوق وتعود بالحنطور، القلة كانت تركب التاكسى.. الآن لفة الحنطور تكلف 30 جنيهاً، يركبه المخطوبون  والسياح، وسائق الحنطور لا يستطيع تغيير مهنة أفنى فيها عمره.


فى كتابه من واحد لعشرة يحكى الكاتب الكبير "مصطفى أمين" عن ثورة سائقى الحنطور فيقول: فى سنة 1907 دخلت سيارات التاكسى القاهرة، وكانت باكورة سيارات الأجرة (بوبى تاكسي) قد ظهرت فى مصر بداية القرن العشرين، من ماركة «دى ديون بوتون» الفرنسية، ويملكها «جوزيف دى مارتينو»، وبلغت 8 سيارات فى القاهرة عام 1907، وكان أول موقف لها فى ميدان الأوبرا القديم، وأول جراج مكان سينما «ريفولي» الحالى فى شارع 26 يوليو، ثم تزايدت أعداد التاكسى تدريجياً فى القاهرة حتى بلغت 30 سيارة عام 1919، وكان يركبها الأغنياء للنزهة فقط. وكما زاحم الحنطور ــ فى السابق ـــ عربات الكارو التى تجرها الحمير، وكانت هى وسيلة المواصلات، داهمتهما عربات شركة «سوارس»، لكنّ تآلفاً ما حدث بين الوسائل الثلاث، لكن ظهور التاكسى المفاجئ، وانتشاره المتسارع، أرعبهم جميعاً، خاصة أصحاب الحناطير الذين أبدوا استياءً شديداً، لأن التاكسى تحديداً خطف زبائنهم الموسرين، وتدارسوا الأمر وقرروا عمل إضراب أمام بيت زعيم الأمة «سعد باشا زغلول» ويوم الخميس 7 فبراير سنة 1924، اتجه العربجية فى مظاهرة منظمة من الحناطير عبر شوارع القاهرة، صوب منزل الزعيم، وطوال الطريق لم يتوقفوا عن ضرب الهواء بالكرابيج، لتصدر «فرقعة جماعية» أقرب ما تكون لصوت طلقات الرصاص، وفردوا علم مصر الأخضر فوق ظهور خيولهم فأضفى على موكبهم مهابة مضاعفة، استرعت انتباه سكان القاهرة، فأطلوا عليهم من نوافذهم وشرفاتهم، وتعقبهم المارة لاستجلاء حقيقة الأمر.

فى كتابه «من واحد لعشرة» وصف الراحل الكبير «مصطفى أمين» المشهد بقوله: أضرب جميع الحوذية فى القاهرة، توقفت جميع عربات الحنطور، مشى الحوذية فى الشوارع يحملون كرابيجهم، كانوا يلوحون بها ويطرقعونها فى أثناء سيرهم فى المظاهرة، فيحدث صوتها فرقعة غريبة كطلقات المدفع الرشاش. واتجهوا إلى بيت الأمة يهتفون هتافات صاخبة، كانوا متنمرين غاضبين ساخطين، الشرر يتطاير من عيونهم، الغضب يملأ وجوههم، كانوا يهزون سياطهم فى أيديهم وكأنهم يهددون بأن يُلهبوا بها ظهر زعيم الأمة ورئيس الوزراء!!

أطل عليهم من البلكونة، والعجيب أنهم افتتحوا كلامهم إليه بالدعاء له : «شفاك الله، اللهم قوِّ زعيم الأمة»، ورد عليهم «أشكركم، إن قلبى معكم مادمتم متحدين». واستمع باهتمام إلى «خطباء الحوذية المتحمسين»، وكانوا يصيحون بأعلى صوتهم، يطالبونه بقانون يمنع السيارات من شوارع القاهرة، بعدما استحسن الناس سرعتها، وفضلوا صالونها المغلق على الحنطور المفتوح، وهو ما ساعد على انتشارها بشكل واسع، ومتزايد، مما هدَّد أقوات أولادهم، ودعموا وجيعة قطع الأرزاق هذه، بحُجّجِ إضافية عدَّدُوها على مسامع الباشا، أبرزها خطورة سرعة السيارات التى ستتسبب بموت الناس بسهولة، وأنها من صناعة المستعمر، وأُجرتها مرتفعة، لأن وقودها غال، ومستورد من إنجلترا التى تحتل مصر. أما الحنطور فآمن، وصناعة وطنية، وطعام الخيول هو الشعير المزروع بأيدى فلاحى مصر.

وانتهز الزعيم هدوء أصواتهم، بعدما «فضفضوا» بما عندهم، وسألهم "لماذا لم تقولوا هذا الكلام للحكومات السابقة على وزارتي، والسيارات بدأت فى عهودهم، فأجابوه بصوت جماعي، وهم يلوحون بأيديهم: دى حكومات عيَّنها الإنجليز لمصلحتهم، لكن حكومتك فقد انتخبناها لمصلحتنا. ولما كان الغضب بادياً فى تصرفاتهم، وأقوالهم، استعان الزعيم بخبرته العميقة فى التفاوض، وحنكته السياسية، وليمتص ثورتهم قال لهم بود كبير، بدَّد نبرات التحدى والعصبية البادية من تعبيراتهم، وبِلُغة يفهمونها جيداً قال: «أنا عربجى مثلكم، وأقود العربة كما تقودونها، والحكومة هى الحنطور، والشعب هو الراكب الوحيد، وواجبى أن أوصله إلى الاستقلال التام لمصر والسودان، والفارق الوحيد بيننا أننى لا أحمل كرباجاً». فتهللوا لكلامه، وتبادلوا الضحك والابتسام، وهدأت ثورة غضبهم، حين سمعوا الرئيس الجليل للأمة، ورئيس حكومتها، يقول إنه «عربجى مثلهم»، ويشبه نفسه بهم، وأن عمله لا يختلف عن عملهم، وأنه يصرف شئون البلد، كما يسوسون هم خيولهم تماماً. وحين تأكد الزعيم أنهم هدأوا تماماً، وأنه استحوذ على قلوبهم قال: والآن سأتحدث إليكم كعربجى يتحدث مع زملائه، إن الزبون يريد أن يصل إلى الجهة التى يريدها بسرعة، كما تريد مصر أن أحقق لها الاستقلال بسرعة، وكل إبطاء أو تأخير ليس فى مصلحة الزبون، ونحن الآن فى عصر السرعة، والسيارة علامة التقدم، وفى أنحاء العالم كله الآلات تحل مكان الحنطور، ولا أستطيع كزعيم أن أسمح لأمتنا أن تتخلف، أو تمشى ببطء فى عصر السرعة!.


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية