قبل دخولك حارة اليهود تستقبلك محلات لعب الأطفال والاكسسوارات ومحلات بيع الهدايا لكن أهم ما يلفت نظر الزائر لهذا المكان ذلك التصميم المتقن لشوارع الحارة شديدة الضيق
قبل دخولك حارة اليهود تستقبلك محلات لعب الأطفال والاكسسوارات ومحلات بيع الهدايا لكن أهم ما يلفت نظر الزائر لهذا المكان ذلك التصميم المتقن لشوارع الحارة شديدة الضيق حتى ليخيل إليك أن هذه الشوارع دخلت فى منافسة مع بعضها من أجل الفوز بأضيق حارة، هذا التصميم أوقل نمط المعيشة فى هذه الأماكن كان من عادات اليهود المعيشية، ففى المدينة القديمة فى طرابلس الغرب بليبيا يكاد يتشابه هذا النمط مع تصميمها السكنى.
داخل هذه الحوارى والأزقة الضيقة تنتشر محلات بيع المشغولات الفضية والورش المتنوعة ووكالات أثرية قديمة، إنه عالم ملىء ومتنوع النشاط، لكنه مخفى خلف أسوار هذا المكان المسمى بحارة اليهود التى تحوى بين جدرانها ذكريات يهود مصر الذين عاشوا فيها وامتهنوا التجارة بكل أنواعها، وسيطروا على هذا المرفق لسنوات طويلة، لكن حالياً لم يتبق من آثارهم سوى ثلاثة معابد حالتها سيئة تحولت لأماكن مهجورة تمتلىء بالقمامة ما عدا معبد "موسى بن ميمون" الذى تم ترميمه وتم تسجيله مؤخراً كأثر تاريخى بقرار وزارى رقم 37 لسنة 1986 وحالته الآن جيدة، ولو تصادف مرورك فى الحارة أو بجانب الجدار الذى يحمى المعابد الأخرى فلن تستطيع اكتشاف أنه كان يوما ما إحدى دور عبادتهم، ومن أشهر هذه المعابد معبد "باريوحاى" ومعبد "أبو حاييم كابوسى" ومن الطريف أننى عندما زرت المكان شاهدت بقايا زينة رمضانية معلقة بين بلكونة منزل وطرفها الآخر معلق على هذا المعبد الذى ظل شاهداً على وحدة المصريين فى ذلك الزمان.
قال لنا أشرف فايز من سكان حارة اليهود: أعيش فى هذا المكان منذ ثلاثين عاماً، ومنذ ذلك التاريخ لم أشاهد أى يهودى مصرى حضر للمكان للاطمئنان على حالة دور العبادة الخاصة باليهود، لكن أحياناً يأتى سياح من أماكن أخرى لمشاهدة هذه الآثار، لأن معظم هذه المساكن التى تشاهدينها كانت ملكاً لليهود المصريين، لكنهم تركوا المكان وهاجروا خارج البلاد بعد نكسة 1967، لكن على ما سمعت عنهم من عجائز الحارة الكبار كانوا ودودين وطيبين ومعاملتهم كانت حسنة، وبعد هجرتهم لخارج البلاد كتبوا عقوداً صورية مع المصريين من المسلمين والمسيحيين بموجبها يتملك المصرى العقار أو المحل من اليهودى لكنه ملزم برده له مرة أخرى إذا تحسنت الأمور وعاد اليهود لديارهم مرة أخرى، ويضيف أشرف: كنا ونحن صغار نشاهد امرأة مصرية يهودية كانت تدعى "مارى" وكان كل أهل الحارة يحبونها كثيراً لكنها غير موجودة حالياً، ويشير أشرف إلى المعبد الذى كان يواجهنا ذلك الوقت وقال هذا المعبد مغلق منذ سنوات طويلة ولم يعد يجىء اليهود لزيارته، وهو الآن مهمل ومليء بالكراكيب، وعندما سألته هل يضايقك أن تكون من سكان حارة اليهود كما هو مكتوب فى بطاقتك فضحك وقال بالعكس أنا لم أشعر بهذا الإحساس مطلقاً.
عبد النبى معوض مواطن آخر يسكن فى حارة اليهود كان برفقتنا والرجل على ما يبدو ملم جيد بتاريخ المنطقة نظراً لأن سنه تجاوز السبعين، وعلى حسب ما قاله لنا أنه يحمل بين ضلوعه ذكريات أيام وسنين عديدة، أعمل فى الصاغة منذ عام 1947 وكان المعلم بتاعى هو الخواجة "ماتاتيا نسيم مرزوق" وهو يهودى مصرى كان يسكن فى حى العباسية، وهو الحى الذى كان يضم كثيراً من اليهود الأغنياء، هذا الرجل توفى عام 1951 وبعد وفاته عملت مع أبنائه سوسو وتوفيق ومرزوق، وعلى فكرة فيه ناس كتير ما تعرفش أى حاجة عن تاريخ اليهود المصريين، لأن هناك فرقا كبيرا بين اليهودى المصرى واليهودى غير المصرى، واليهود المصريون حسب عشرتنا معاهم كانوا يعرفون العيب وكانت طباعهم مصرية أصيلة وكانوا يفرقون بين الحلال والحرام والصح والغلط، لكن اليهودى الإسرائيلى القادم من كل الشتات ويعيش فى إسرائيل ليس يهودياً أصيلاً كما عايشنا المصريين اليهود، ولكنه صهيونى محتل وغاصب للأرض ودموى, والمصريون كانوا عكس ذلك تماماً، وعندما اندلعت حرب عام 1948 ثم أعقبها حرب 1967 تحاشوا الحديث فى السياسة وتجنبوا حوارات المصريين الذين اتهمهم بعضهم بالانحياز لإسرائيل.
وعن الأجر الذى كان يتقاضاه الحاج عبد النبى من الخواجة اليهودى قال: كنت أتقاضى 30 قرشا كل جمعة وعندما ترقيت فى العمل عام 1962 وهو وقت التحاقى بالخدمة العسكرية كان راتبى الأسبوعى 60 قرشاً وهو مبلغ محترم ذلك الوقت، ومن الذكريات التى لا أنساها مع الخواجة ماتاتيا أنه كان يرتدى فى الشتاء جلبابا صوفا وعليه بالطو صوف وطربوش وكان كل من يشاهده لا يظن أنه كان يهودياً لأن اليهود المصريين الآخرين كانوا "متفرنجين شوية" أى بيحبوا اللبس الأوروبى، وكان طويل القامة ونزيها جداً، إذ كان يشترى أفخم الأقمشة الشيك وكان يهتم بالنظافة بشكل غير عادى ولا يتسامح فيها مطلقاً، وكان يتناول فطوره فى بيته قبل مجيئه للعمل، بينما كان يتناول غداءه معنا فى المحل، أما كيف كان يحدث ذلك فلذلك قصة، إذ كان هناك رجل اسمه "عم محمد" كان يملك عربة يجرها باليد، وكانت وظيفته التى يتكسب منها هى القيام بالمرور على بيوت اليهود فى حى الظاهر والعباسية من أجل إحضار الغداء لكل خواجة، وكان عندما يحضر فى الساعة الواحدة ظهراً يقوم بتوزيع الغداء "فى العامود" على كل خواجة، وكان يمر بالطبع على بيت الخواجة ماتاتيا ليحضر لنا كلنا الغداء، ومن أشهر أكلاتهم سمك البياض المسلوخ المضاف إليه الكركم وزيت الزيتون وكنت أتناول معه الطعام.
وعن معاملاتهم المادية وأسلوبهم فى الحياة قال عم عبد النبى: اليهود المصريون بالذات كانت فيهم ميزة وهى إذا أحبوا شخصاً منحوه امتيازات كثيرة، وأذكر عندما أنهيت خدمتى العسكرية سألنى ابن الخواجة ماتاتيا لماذ لم تتزوج حتى اليوم؟.. فقلت له إن "العين بصيرة والإيد قصيرة" فقال لى "دور انت بس على بنت الحلال وجوازك عليا وبالتقسيط المريح كمان", وبالفعل قام بدفع 4 جنيهات قيمة شبكتى، ودفع 20 جنيها أخرى كمهر، لكن تكاليف الفرح والزفة كانت نقطة منه، وكانت طريقته فى سداد المبلغ الذى قدمه للعامل عنده هو خصم جزء بسيط جداً من راتبه الأسبوعى، فمثلاً كان يخصم ريالاً أسبوعياً من أجر العامل الذى كان راتبه 120 قرشا، أو 80 قرشا شهرياً وهكذا، هذه الطريقة كانت ضماناً لكى يظل العامل يعمل عنده طيلة الفترة التى تنتهى فيها قيمة الدين اللى على العامل وهى طريقة ذكية، ويضيف: هذا ما لمسناه من هذا الرجل لكن ليس معنى ذلك أنهم كانوا أولياء أو أنبياء بل كان لبعضهم بعض السوءات الأخرى.
أما عن عاداتهم وطقوسهم اليومية فيقول عم عبد النبى: كان ممنوعا على أى يهودى يشرب الدخان أن يمسك بسيجارة وقت غروب يوم الجمعة بالذات، وكان ممنوعا عليهم أيضاً الإمساك بولاعة أو أن يضىء نورا فى بيته وتستمر هذه الفترة حتى وقت المغرب ليوم السبت التالى، وكان المصريون المسلمون فى الحارة يحفظون هذه العادات عن ظهر قلب ولذلك كانوا يوقدون لهم الشموع ويقومون بإضاءة بيوتهم بسبب هذه العادات، ومن طقوسهم الغريبة أيضاً أن العروس هى من تدفع المهر للعريس وليس العكس كما يحدث عندنا والمهر عندهم يسمى" الدوته"، لكن من الأمور غير الطيبة التى حدثت بعد ذلك أننا اكتشفنا أنهم بدأوا يحنون للعيش فى إسرائيل، بل تجرأ بعضهم وأسماه الوطن العزيز، وتمنى معظمهم العيش فيه رغم أنهم لم يولدوا فى هذا الوطن.
حكاية الحماية الفرنسية
يحكى عم عبد النبى حكاية غريبة جداً عن يهود مصر قائلاً: انتشرت فى مصر فى فترة سيطرة اليهود على الاقتصاد ما يسمى "باليهود الحماية" بمعنى أن بعض اليهود كانوا يحملون صفة "حماية فرنسية" وكانت هذه الحماية مجرد حصانة تضمنها فرنسا لليهود المصريين، فمثلاً لا يحق لليهودى المصرى المثول أمام المحاكم المصرية بل المحاكم الفرنسية سواء داخل مصر من خلال السفارة الفرنسية، أو خارج مصر فى باريس، وأذكر أن يهودياً كان يعمل فى فرع شركة الوادى للمعادن والمصوغات المعروف "بقشرة الجمل" لصاحبها "ليسو ومراد" أطلق النار على عامل مصرى وأرداه قتيلاً لمجرد أن العامل طلب منه سلفة جنيهين لتغطية مصاريف ولادة زوجته، وعندما رفض الخواجة قام العامل بسبه ووصفه بالبخيل، فأطلق عليه الخواجة النار ولم تستطع الشرطة المصرية القبض عليه أو محاكمته بسبب حصانة الحماية الفرنسية، ثم قامت السفارة الفرنسية باحتجازه وتسفيره إلى فرنسا لمحاكمته، وبعد 6 شهور عاد وكأن شيئاً لم يحدث.
3 شارع خميس عدس
فى 3 شارع خميس عدس هناك منزل يختلف عن أى منزل آخر فى منطقة حارة اليهود، ففى هذا المنزل عاشت الفنانة الراحلة "ليلى مراد" وعاش فى هذا الشارع لفترة والد الزعيم جمال عبد الناصر الذى كان يعمل فى بوستة "الخرنفش"، وبالقرب من هذا المنزل يوجد عدد من الورش والمحلات وأمام صالون حلاقة التقينا الدكتور محمد أحمد حمدى الذى أخبرنا أن والده كان حلاق والد الرئيس جمال عبد الناصر الذى أخبره أن الرئيس ناصر نفسه عاش مع والده فى هذا المنزل فى فترة شبابه قبل دخوله الكلية الحربية، ويضيف د.حمدى أن والده كان لديه رف خشبى طوله 60 سم صنعه نجار يهودى كان بداخله مرايات ومحفور عليه نجمة داوود لكن والدى لم يشأ أن يظل هذا الرف موجوداً، كما أن منزل الرئيس ناصر سيتم إزالته بالكامل وسيقام عليه مول تجارى كبير.
وكالة عزيزة
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لا شك أن الصراعات الإقليمية والعالمية أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد حول العالم خاصة مع توقف الملاحة فى العديد...
د. عمرو الوردانى: الدولة المصرية تغلق "أبواب الرحلات الخلفية".. وعقوبات تنتظر المخالفين ناصر تركى: نقلة نوعية فى تأمين ضيوف الرحمن.....
عبد الغفار مغاورى: تعديل قانون التأمينات لمعالجة الأعباء المالية.. ومطالب برلمانية لتعديل الحد الأدنى للمعاشات عبد المنعم إمام: تحركات لدعم...
النائب عصام هلال: إهتمام القيادة السياسية بملف الأحوال الشخصية يستهدف استقرار الأسرة خبيرة حقوقية: لا بد من تنظيم حق الكد...