الدكتور محمد أحمد صالح: إسرائيل تواجه عددا من نقاط الضعف من أهمها أزمة الهوية

في كتابه الجديد بعنوان "إسرائيل على مفترق طرق.. أزمة الدولة ومستقبل البقاء"

أصدر مركز الدراسات الشرقية التابع جامعة القاهرة كتاباً بعنوان " إسرائيل على مفترق طرق.. أزمة الدولة ومستقبل البقاء " للدكتور محمد احمد صالح استاذ الدراسات العبرية ومدير مركز الدراسات الشرقية؛ وذلك ضمن سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية التي يصدرها المركز

ويقدم الكتاب دراسة استشرافية تسعى إلى تحليل مستقبل إسرائيل في ضوء التحولات السياسية والأمنية والاجتماعية التي شهدتها منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023م، وينطلق من فرضية رئيسية مفادها أن التحديات التي تواجه إسرائيل لم تعد مقتصرة على المخاطر الخارجية، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالأزمات البنيوية الداخلية التي تمس النظام السياسي، والهوية الوطنية، والتوازنات الديموجرافية، والاقتصاد، ومكانة الدولة في النظام الدولي. ويرى المؤلف أن فهم إسرائيل في المرحلة الراهنة يتطلب تجاوز الصورة التقليدية التي تربط قوتها بالتفوق العسكري والتكنولوجي فقط، والانتقال إلى دراسة قدرة مؤسساتها على الحفاظ على التماسك الداخلي وإدارة التناقضات المتزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي.

يتكون الكتاب من ثلاثة مباحث رئيسية تتناول مستقبل الدولة، والحكم والسياسة، والمجتمع والديموجرافيا، ويجمع بين مجموعة من الدراسات والأوراق البحثية التي كُتبت استجابةً للتطورات السياسية والعسكرية الأخيرة. ويؤكد المؤلف أن هدفه ليس التنبؤ بانهيار إسرائيل أو استمرارها بصورة حتمية، وإنما تقديم قراءة استشرافية تعتمد على تحليل الاتجاهات الكبرى ومؤشرات الإنذار المبكر لفهم السيناريوهات المحتملة حتى منتصف القرن الحادي والعشرين. كما يوضح أن القضية الفلسطينية لا تُعد ملفاً منفصلاً عن الواقع الإسرائيلي، وإنما أصبحت جزءاً من الأزمة الداخلية للدولة، سواء من خلال تأثير الاحتلال على النظام السياسي، أو انعكاساته على الهوية والديموجرافيا والعلاقات الدولية.

في المبحث الأول يناقش المؤلف مستقبل إسرائيل حتى عام 2050م، ويطرح سؤالاً محورياً يتمثل في إمكانية محافظة الدولة على نموذجها الحالي، أو دخولها مرحلة إعادة تشكل قد تصل إلى حدود التفكك البنيوي. ويشير إلى أن هذا السؤال لم يعد مطروحاً فقط في الدراسات العربية، بل أصبح جزءاً من النقاشات الإسرائيلية نفسها، حيث حذر عدد من السياسيين والباحثين الإسرائيليين من تصاعد الأزمات الداخلية التي قد تؤثر في مستقبل المشروع الصهيوني إذا استمرت الاتجاهات الحالية. ويؤكد أن مفهوم انهيار الدول لا يرتبط بحدث مفاجئ، وإنما هو عملية تدريجية تبدأ بتراكم الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى تفقد الدولة قدرتها على إدارة مؤسساتها والمحافظة على تماسكها الداخلي.

ويرى المؤلف أن إسرائيل تواجه مجموعة من نقاط الضعف البنيوية، يأتي في مقدمتها أزمة الهوية، إذ يتنافس داخل المجتمع أربعة تصورات مختلفة للدولة، تشمل التيار العلماني الليبرالي، والتيار الديني القومي، والحريديم، إضافة إلى التصور الذي يعترف بوجود الفلسطينيين كشركاء في الأرض. كما يركز على التحولات الديموجرافية بوصفها تحدياً استراتيجياً يتمثل في ارتفاع معدلات نمو الفلسطينيين والحريديم، مقابل تراجع الهجرة اليهودية وازدياد الهجرة العكسية، فضلاً عن أزمة الثقة المتنامية بالمؤسسات السياسية والقضائية والعسكرية. ويربط المؤلف هذه التحولات بصعود تيار الصهيونية الدينية الذي أصبح يمتلك تأثيراً متزايداً في عملية صنع القرار الإسرائيلي.

وفي إطار استشراف المستقبل، يطرح الكتاب أربعة سيناريوهات رئيسية. يتمثل السيناريو الأول في استمرار الدولة مع بقاء الأزمات المزمنة وتراجع النفوذ الإقليمي والدولي، ويعده المؤلف الأكثر احتمالاً. أما السيناريو الثاني فيقوم على تحول إسرائيل إلى نموذج أكثر دينية وهيمنة لتيار الصهيونية الدينية، بما يرافق ذلك من تراجع الطابع الديمقراطي واتساع العزلة الدولية. بينما يتناول السيناريو الثالث إمكانية إعادة تأسيس الدولة عبر إصلاحات سياسية واجتماعية شاملة، في حين يفترض السيناريو الرابع حدوث تفكك بنيوي نتيجة تراكم الأزمات وفقدان الشرعية والثقة بالمؤسسات. كما يقدم الكتاب مجموعة من مؤشرات الإنذار المبكر التي يمكن من خلالها قياس احتمالات انتقال إسرائيل إلى مرحلة أكثر خطورة من التآكل الداخلي.

ويتناول الكتاب في دراسة أخرى مفهوم "التآكل الداخلي" باعتباره الخطر الأكبر الذي يواجه إسرائيل حتى عام 2048م، ويناقش مقالاً لكاتب إسرائيلي يرى فيه أن الأزمة الحالية تتجاوز شخص بنيامين نتنياهو لتصبح أزمة دولة ومؤسسات. ويعرض المؤلف مجموعة من العوامل التي تعمق هذا التآكل، منها استمرار العدوان على غزة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وإضعاف القضاء، وتنامي نفوذ الأحزاب الدينية، وتزايد الانقسامات المجتمعية. ويؤكد أن هذه العوامل لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار وشيك، لكنها قد تُحدث تحولاً تدريجياً في طبيعة الدولة الإسرائيلية إذا لم تُعالج بصورة جذرية.

ويولي المؤلف اهتماماً خاصاً بالأزمة القضائية والسياسية، موضحاً أن الصراع بين الحكومة والمحكمة العليا يعكس أزمة أعمق تتعلق بالفصل بين السلطات واستقلال القضاء. ويرى أن إضعاف المؤسسات القضائية لا ينعكس على الداخل الإسرائيلي فقط، بل يؤثر أيضاً في قدرة إسرائيل على مواجهة الضغوط القانونية والدبلوماسية الدولية، خاصة في ظل الانتقادات التي صاحبت العدوان على غزة. كما يناقش أثر العدوان في تعميق الانقسام الداخلي، حيث يرى أنها تحولت من وسيلة لتعزيز الردع إلى عامل استنزاف سياسي واقتصادي واجتماعي، وأدت إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الإسرائيلي وتراجع صورته الدولية.

ويتطرق الكتاب إلى عدد من القضايا البنيوية الأخرى، وفي مقدمتها قضية الحريديم، التي يصفها بأنها تمثل تحدياً طويل الأمد بسبب ارتفاع معدلات نمو هذه الفئة وضعف مشاركتها في سوق العمل والخدمة العسكرية، وما يترتب على ذلك من أعباء اقتصادية واجتماعية. كما يناقش مستقبل الضفة الغربية، ويرى أن استمرار الاستيطان وغياب الأفق السياسي يعمقان الأزمة الإسرائيلية الداخلية؛ لأن الاحتلال لم يعد مجرد ملف أمني، بل أصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل الهوية والسياسة داخل إسرائيل. ويضيف أن الانقسام المجتمعي لم يعد يدور حول السياسات الحكومية فقط، وإنما حول تعريف الدولة نفسها، وهل ستكون دولة ديمقراطية أم دينية قومية، الأمر الذي يزيد من احتمالات الاستقطاب خلال السنوات المقبلة.

ويختتم المؤلف هذه الدراسة بطرح ثلاثة سيناريوهات للمستقبل القريب، يتمثل أولها في استمرار المسار الحالي مع تزايد الاستقطاب وتراجع الديمقراطية، وثانيها تغيير الحكومة دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، أما الثالث فيقوم على مراجعة استراتيجية شاملة تعيد بناء الثقة بالمؤسسات وتعالج ملفات القضاء والدين والاقتصاد والعلاقة مع الفلسطينيين. ويؤكد أن مستقبل إسرائيل سيتحدد بدرجة أكبر من خلال قدرتها على معالجة أزماتها الداخلية، وليس فقط عبر تفوقها العسكري أو نجاحها في مواجهة التهديدات الخارجية.

ويخلص الكتاب في مجمله إلى أن إسرائيل تمر بمرحلة مفصلية في تاريخها، وأن قوة الدولة في المستقبل ستعتمد على قدرتها على إعادة بناء مؤسساتها وتحقيق التوازن بين مكوناتها الاجتماعية والسياسية والديموجرافية. ويرى المؤلف أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في احتمال انهيار مفاجئ، وإنما في مسار طويل من التآكل التدريجي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الدولة بصورة تختلف عن النموذج الذي عرفته منذ عام 1948م، وهو ما يجعل دراسة هذه التحولات ضرورة استراتيجية لفهم مستقبل الصراع في المنطقة وتوازناتها خلال العقود المقبلة.

الدكتور محمد احمد صالح

 

 

 

 

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

الدكتور محمد أحمد صالح: إسرائيل تواجه عددا من نقاط الضعف من أهمها أزمة الهوية

أصدر مركز الدراسات الشرقية التابع جامعة القاهرة كتاباً بعنوان " إسرائيل على مفترق طرق.. أزمة الدولة ومستقبل البقاء " للدكتور...

قصة مصورة - عودة المنقذ

في عز حر الميدان الكبير، وبينما محلات العصير الكثيرة نفسها تكتظ بطوابير المنتظرين في الظهيرة

جوائز الدولة.. الوطن يكرّم مبدعيه وعلماءه

فاروق حسنى ومحمد صبحى وخربوش أبرز الفائزين جائزة النيل للمبدعين العرب ذهبت للشاعر العراقى على جعفر العلاق التقديرية تذهب إلى...

من التخويف منه إلى العلاج به الضحك.. فلسفة حياة عابرة للحضارات

المصريون القدماء رسموا صورا هزلية على أوراق البردى وجدران المعابد نيتشه قال إن الإنسان عانى بشدة لدرجة أنه اخترع الضحك...