كتاب رمضانى فريد من نوعه للدكتور عمرو عبد العزيز منير عن تاريخ التسول فى مصر

«لله يا محسنين».. شمعة اسمها «الكُدية» أضاءت ظلام العصور الوسطى 130 مهنة للمتسولين وأهم تحولاتهم حين دخلوا فى رواية الحكايات الشعبية للجمهور « الله يبليك بالغربة والشتاتة..وتشحت ولا تنفعك الشحاته » من دعواتهم على البخلاء

أعتقد أن كتاب «لله يا محسنين.. التسول فى قاهرة سلاطين المماليك» للباحث النشيط الدكتور عمرو عبد العزيز منير هو رحلة مناسبة جداً للقراءة فى شهر رمضان الكريم، ليس فقط لأنه يدرس ظاهرة يعتبر شهر رمضان» من أهم مواسمها السنوية، بل لأن قراءة تاريخ وفنون الشريحة الدنيا من المجتمع تساعدنا ولا شك على فهم ما حدث في الماضي، كما تساعدنا على فهم ما نواجهه فى الحاضر والمستقبل.

طبعاً ثمة تناقض واضح بين شهر الخير» وظاهرة «التسول» فى المجتمعات العربية لكن هذا التناقض هو جزء من عالمنا الذي نعيشه منذ مئات السنين وإلى اليوم، وليس علينا سوى أن ندرسه ونفهمه، ربما استطعنا أن نفهم لماذا تتزايد أعداد الذين يريدون الاستثمار فى مد اليد والوقوف أمام الناس فى الشوارع والميادين العامة وأمام المساجد، حيث لا يستطيع أى من هؤلاء المساكين أن يفعل شيئا سوى أن يقول مستجدياً الناس: «لله يا محسنين».

لكن هذا ليس كل شيء، فللتسول وجوه ثقافية واجتماعية كثيرة ومعقدة، يكشف عنها «لله يا محسنين».

الكتاب - إذن - جزء لا يتجزأ من مشروع فکری جاد يقوم عليه الدكتور عمرو منير، ويستند إلى قناعة منهجية تقول إنه من الممكن استكمال صورة الحقيقة التاريخية بقراءة ملامح التراث الشعبي، ومن الممكن التعرف إلى الواقع التاريخي عبر استنباط ظواهر فولكلورية واستنطاق ملامحها، باستعمال أدوات تقليدية مثل من قراءة أعمال مؤرخين وفقهاء قدامی مثل المقريزي والسيوطى وابن إياس، أو باستغلال أدوات تحليل حديثة، مثل قراءة لغة الجسد وتأمل الخطاب البصري وغيرها، وهو المشروع الذي قرأت منه على صفحات هذه المجلة من قبل كتاب الفاشوش في حكم قراقوش، إلا أن المشروع يشتمل أيضا على مؤلفات أخرى للباحث، منها «القاهرة المملوكية في بابات این دانيال وكتاب بهلوان الخبل في مصر المملوكية».

كتاب الله یا محسنين الصادر مؤخرا عن دار العين للنشر - وإن كان جزءاً من هذه السلسلة التاريخية المهمة، إلا أنه يبقى كتاباً فريداً في بابه وغير مسبوق في حقيقة الأمر، حيث لم يتوغل من قبل باحث يجمع بين عمق الدراسات الشعبية والعقلية المنهجية التاريخية ليقرأ بكل هذه الأدوات المعرفية ظاهرة مثل «التسول»، التي طالما تعرضت للظلم والاستبعاد والإهمال، في ظل الاعتناء بتاريخ الملوك على حساب تاريخ الفقراء، على الرغم من أن «التسول» يعتبر أفضل مرآة يمكن أن ترى من خلالها مجتمعاً ما . فضلا عن أن التسول من الظواهر المجتمعية القليلة التي تركت أثرا بالغا على تراثنا الوجداني، حيث يتوغل الباحث في طبقات هذا التاريخ الاجتماعي لمتسولى مدينة القاهرة خلال العصر المملوكي، مستنطقا سجلات الحسبة ودفاتر القضاء، ونصوص الوقف والمقامات وكتابات الرحالة وحكايات خيال الظل»، بوصفها مصادر حيوية تستبطن الهامش لا لتؤرخه فقط، بل لتعيد بناء خريطة السلطة والمعنى»، كما يقول الباحث نفسه في المقدمة: «حيث تحولت إلى حرفة وممارسة رمزية وإلى نقطة تماس بين الرحمة والريبة بين الأخلاق والاقتصاد، إنها دراسة جريئة تعيد قراءة التسول لا کعار فردى بل كعلامة اجتماعية وسياسية».

في الجزء الأول، يبدأ المؤلف باستطلاع عدد من الدراسات السابقة التي تناولت التاريخ الاجتماعي للعصر المملوكي، من قبل باحثين مصريين وعرب كأنه يعلن امتنانه لها، لكنها كانت تشير فقط إلى بعض حالات الفقر والفاقة والعوز فى المجتمع، وربما توقف بعضها أمام المجاعات بوصفها جزءاً من التاريخ الإنساني، لكنها لم تتوقف لتأمل ملامح ظاهرة التسول على وجه الخصوص، لافتا إلى أنه من حسن الحظ أن التسول تمت دراسته أدبيا وفنيا على نحو ما تمثل في دراسات عدة مثل تطور شخصية المكدى في المقامات»، وأدب الكدية في العصر العباسي». إلا أن هذه الدراسات لم تنشغل بالموضوع من زاوية دراسة صورة المتسول في الأدب العربي، بقدر انشغالها بالتعرف على شخصية المكدي في نماذج من التراث العربي.

ينتقل الباحث إلى تعريف التسول والتعرف على أهم فئات المتسولين في المجتمع المملوكي، حيث استطاع أن يحصى أكثر من ۱۳۰ فئة من فئات المتسولين ومنهم: «البهاليل المكي، السحري الشجوى، المشقف النائحون، الممرورون المكوز المدمع الفكيس المغلس، المقرمط المسرمط الحراقون البزاقون الزكارون، الحكاكون.. وغيرهم

من التسول إلى التصوف

يعرف الباحث التسول بأنه طلب الصدقة من الأفراد في الطرق العامة والمتسول هو الشخص الذي يتعيش من التسول ويجعل منه حرفة ومصدرا وحيدا للرزق كما يعرف التسول بأنه طلب المال أو الطعام أو المبيت من عموم الناس باستجداء عطفهم وكرمهم إما بعاهات أو بسوء حال أو بالأطفال، لكن من بين أكثر الظواهر التي يقرأها هذا الكتاب أهمية وإثارة للجدل من وجهة نظرى ظاهرة - أو بالأحرى - ثنائية التسول - التصوف»، وهي علاقة تبدو تكاملية في بعض الأحيان، حيث يشير الباحث إلى أن التسول الذي استمر على مدار التاريخ تقريبا وإلى اليوم - أمرا ملفوظا اجتماعياً إلا أن التسول عاش حياة جديدة بعد مشاركة بعض الطرق الصوفية في أعمال التسول خصوصا تلك الطرق التي عمدت إلى التسول لأغراض تهذيب الذات والروح للصوفى واستخدام ذل السؤال وسيلة للتخفيف من سيطرة نفسه عليه، يقول الباحث إن المتصوفة تشاركوا مع المتسولين في صفات منها: الزهد والتقشف والثياب المرقعة المزرية ولبس الخرقة والعصائب، فضلاً عن تواكل عدد من المتسولين على الخوانق والتكايا للحصول على الطعام والمبيت المجاني، في حين اعتقد صوفيون أن الفقر والتسول هي من أهم طرق تأديب المريد.

أمتع أجزاء هذا الكتاب هو خطاب التسول»، حيث يفكك الباحث خطاب المتسول ويقوم بإعادة قراءته من جديد، وعلى الرغم من أن التسول يصير سلوكا مرضيا ومستهجنا من الناحية الاجتماعية والأخلاقية إلا أن المتسولين في عصر سلاطين المماليك استطاعوا إضافة وتوظيف أدوات على عملهم، أدوات يتداخل فيها المكون الديني بالمكونات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتنوعت أدواتهم من حيث الزي وقدرته على التأثير فى الناس، ومن حيث اللغة ودلالاتها في لغة التسول وهناك المتسول صاحب التبرير الديني بقيمة الصدقة في الإسلام، وهناك أيضا تلك الفئة التي استعانت بالآلات الموسيقية والغناء حيث يتوقف الباحث عند هذه النقطة المهمة ليذكرنا بأنهم كانوا أحيانا مثل شمعة في الظلام»، مستعينا بشهادة كتبها ابن إياس في بدائع الزهور» تؤكد أن بعض المتسولين من الفنانين الذين مارسوا مهنتهم بالغناء والحكايات قد لعبوا دوراً لا يمكن إنكاره في إضاءة جانب من ظلام العصور الوسطى، يقول الباحث

هذا ودون أن يغرب عن بالنا استعانة بعض المتسولين بالآلات الموسيقية والغناء الشعبي لتحريك الناس وإغرائهم أكثر على التصدق والعطاء، فيعلو صوت الغناء ونغمات الموسيقى على صوت الصراخ من أجل تهيئة الجو لإيقاظ رغبات المتصدق، فيتحول هذا المتصدق إلى مشارك في الأداء، فيبدأ بالتصفيق باليدين لإبداء الإعجاب، ثم التفاعل مع المتسول الموهوب مما يضفى على هذا النوع من التسول بعداً جماعيا في الأداء، أو يسأل الناس بالقصص في شيء يقتات به هو وعياله، ويظهر هذا النوع من التسول برواية القصص الشعبية كالظاهرية، وعنترة، والبطال والراهب والجمال، وملاعيب شيحة أو سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مرتبطا بشخصية المتسول الموهوب».

كما أن مصادر التاريخ تظهر أن أغلب المتسولين كانوا يقيمون في أماكن غير صحية، نظراً لغياب المأوى أو انطلاقا من ثقافة الفقر والتكيف مع الواقع الاجتماعي في ظل تدنى المستوى المعيشي، على حد قول أحدهم مفاخرا بالقدرة على المحافظة على القيم السائدة رغم الفاقة والعوز

تحن الحرافيش لا تسكن علالي الدور ولا تراثي ولا نشهد شهادة زور

تقع بحرقة ولقمة في مسجد مهجور من كان ذا الحال فذنيه مغفور

ترات الكدية

من بين المفردات التي يلقى عليها الكتاب الضوء مفردة الكدية» والمكدون هم المتسولون والشحانون والمحتالون حيث انتشرت الكدية في العصر العباسي الثاني وعرف الساسانيون بالكدية في القرن الرابع الهجري، ومع استمرارها في كل العصور أصبحت جزءا من التراث الاجتماعي وباتت كما يقول الباحث أكثر من مرأة للتاريخ بهذه المقاربة لا تكون دراسة التسول مرأة التاريخ وحده. بل أداة لتحليل منظومات الأخلاق، والكرامة، والعدالة. والصوت غير المسموع في المجتمع، فالفقر ليس مجرد غياب المال بل غياب الاعتراف والمتسول ليس حالة اجتماعية بل نص مفتوح يقرأ بين سطور المدينة. وفي فجوات نظامها العامة.

أحب أن أختم هذه القراءة بهذا الجزء غير الطريف في حياة كل من التقى متسولاً ومنع عنه العطاء، وهي اللحظة التي تنعدم فيها العطية أو تكون قليلة وغير مرضية، وبالتحديد حين يقابلها المتسول بالاستغراب أو الاستهزاء ويورد الباحث من ألفاظهم في شتم من يبغضونه مثل یا خونده یا سلاخ، ويشير إلى قول ورد في سيرة الظاهر على لسان متسول تعرض لرفض العطاء فقال: «الله تعالى يبليك بالغربة والشتالة. وتشحت ولا تنفعك الشحاته، وتأخذ الصدقة ويكون فيها شقاك وينقطع من أهلك رجاك وتشرف من الضعف على الهلاك وتقيم في بلاد أعدائك ولا ينفعك إلا الذي

خلقك وسواك.

يشار إلى أن الدكتور عمرو عبد العزيز منير أستاذ مساعد مشارك بكلية الآداب جامعة جنوب الوادي وعضو لجنة التراث الثقافي والفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للثقافة، ومن أبرز مؤلفاته: كتاب «طيف الخيال تحقیق جديد لكتاب ابن دانيال الموصلي، تحقيق سيرة دلال وكمال حكاية شعبية عربية مصورة من القرن السابع عشر الميلادي كتاب مصر في الأساطير العربية وقد حاز عدة جوائز علمية وأدبية منها جائزة جامعة جنوب الوادي عن أفضل كتاب علمي عام ٢٠٢٤ وجائزة الإبداع فرع التراث والدراسات التاريخية ٢٠١٤.

جائزة ابن بطوطة الدولية في أدب الرحلات ٢٠٠٩.

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد