الخيانة.. ابتسامة زائفة وخنجر فى الظهر

لا تأتى أبدًا من عدو علماء النفس اعتبروا الخيانة جريمة بكل معانى الكلمة فى العالم وعبر كل الأزمنة

إن مزيجا من الكبرياء والغرور والغباء بداخلنا يجعلنا لا نفكر فى احتمالات التعرض للخيانة، وبالتالى لا صدمة نفسية بعد ذلك تعلو على صدمة هذا الإحساس باللا أمان؛ فالتجربة هنا قد شقت الثقة فى الذات وفى مدى القدرة على الرؤية الصحيحة للأشياء، وتنعدم إمكانية الحكم المنضبط حتى على الأقرباء، فيكون أقسى ما فى داخل هذا الأمر هو لوم النفس بلا رحمة، للعجز عن التنبؤ، فقد جاءت الخيانة من مأمن استل فيه مؤتمن السلاح من جيبه ليوجه أوجع ضربة هى ضربة الغدر.

كيف نغفو دون ثقة؟! سؤال ربما طرحه الإنسان الأول حينما بدأ رحلة مشاركته العيش مع آخرين بعد أن كان وحيدا هائما بعيدا عن الإحساس بروح الجماعة وحماية الكثرة، ولعل من هنا كان احتياج الإنسان دائما للثقة كمكون رئيسى يضمن الاستمرار فى العيش والتعاون مع من حوله، ومن ثم اعتبرت الثقة عنصرا مركزيا فى التعامل مع الغير وغيابها يولد بلا شك الأمراض الارتيابية لتبدأ رحلة الشك المهلكة حتى مرحلة الحسم.

 هدم جدار الثقة

وبالتدقيق فى تاريخ تطور المجتمعات وجد أن أساسات هذه المجتمعات التعاونية التى حكمتها علاقة الربح المشترك والخسارة قد بنيت على فكرة الثقة، وتجاوزها يعنى الهدم والعجز والضعف والفرقة والعداء.. وفى دراسة لرأس المال الاجتماعى سأل مجموعة من الباحثين عينة ضخمة شملت معظم بلاد العالم سؤالا حول إمكانية الثقة فى الآخرين، فكانت إجابة ٦٥% لمن خضعوا لهذا السؤال أن لا يمكن إعطاء الثقة فى الآخرين بكل سهولة وبشكل عام، بينما ٢ % من عينة البحث أجابت أن الثقة لابد من توفرها، فبدونها يعم الفقر والفساد وتكثر الجرائم ويفتقد الناس لجاهزية العمل وبذل الجهد، وبالتالى تنعدم الرغبة فى التحقق والتطور والتقدم والنجاح، وهو بالضرورة ما سينعكس على أى مجتمع فيدمره.

 أعظم الخيانات التاريخية

يقول الكاتب غسان كنفانى: إن أخطر ما يمكن أن نواجهه أن تكون للخيانة وجهة نظر، ولا فرق بالطبع بين الخيانة بالضمير والخيانة فى الواقع بالتنفيذ.

 ربما تشرح لنا هذه المقولة الحقيقة النفسية وراء العديد من أنواع الخيانات؛ منها وقائع أول خيانة للبشر على الأرض التى تعرض لها هابيل على يد أخيه قابيل، فأدت إلى قتله، ومن يومها أصبحت الخيانة أشبه بقدر على الإنسانية إذا فهمنا أن وجهة نظر قابيل بهذه الجريمة كانت هى رفض الرب لقربانه بينما تقبل قربان أخيه وقد اعتبر نفسه هنا مظلوما فملك سببا لحقده وحجة لاعتدائه الغادر.

ومع ذلك عرف التاريخ آلاف الخونة والعملاء حول العالم، لكن أصابع الاتهام لم تنس أبدا الخيانات الخسيسة ذات الأسباب المادية مثل خيانة ما اعتبر أول خائن وعميل فى تاريخ العرب وكانت لشخصية أبورغال.. تلك الشخصية التى رمزت للخسة حتى بات كل خائن عربى لقومه ينعت بأبو رغال، وكان من رمزية ذلك قبل الإسلام أن ظل العرب بعد كل موسم حج يقومون بأداء شعيرة لا تتغير وهى رجم قبر هذا الوضيع، وقد ظلت تلك الشعيرة تقام من يوم فشل غزو أبرهة الأشرم لمكة المكرمة لهدم الكعبة المشرفة عام الفيل ٥٧١م، وحتى ظهور الإسلام وفتح المسلمين لمكة؛ وكان ذلك على أثر ما فعله بعدما قبل أن يكون دليلا لجيش أبرهة فى طريقه الى الكعبة، بينما رفض كل الأدلاء هذا العرض ولم يخضعوا لأى أغراء وقبله أبو رغال دون سواه لقاء حفنة من المال، وبالطبع كان الجزاء الإلهى فى انتظار جيش المعتدى ومعهم أبورغال الذى أرسل الله لهم جميعا طير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ونزلت تلك الواقعة قرآنا ليتلى مذكرا لها إلى يوم القيامة.

وبالمقابل ومن منظور كاثوليكى لا يمكن محو أثر الخيانة التى قام بها يهوذا الاسخربوطى أحد التلامذة المقربين من السيد المسيح بعد العشاء الأخير مقابل ٣٠ قطعة من الفضة وهى الخيانة الكبرى التى يعتبرها مسيحيو العالم مفترق طرق فى التاريخ البشرى ولا سيما أن السيد المسيح قد أخبر تلميذه الخائن أن الخلاص سيتم من خلال هذه الخيانة.

وتجدر الإشارة هنا لأشهر الخيانات التى أصبحت عباراتها الأخيرة مسجلة ليس فقط على صفحة التاريخ، بل جرت لتمسى مقولة على لسان العامة حول العالم، وباتت عبارة "حتى أنت يا بروتس" رمزا ملخصا لخيانة أقرب الأقرباء، وأضحت خيانة بروتس لصديقه وقيصره دالة على ذلك بعدما انضم الخائن إلى باقى أعضاء مجلس الشيوخ الرومانى فى خطتهم للتخلص من يوليوس قيصر، لأنهم اعتبروه تمادى فى طغيانه على حسابهم، وهنا تثبت الذاكرة التاريخية أن كل طعنات أعضاء المجلس لم تسقط قيصر بينما كانت سقطته المؤثرة بطعنة الغدر على يد صديقه الأقرب وابن أخيه فصاح بعبارته الشهيرة التى اختزلت هذه اللحظة عميقة الحزن والدلالة فى أقل عدد من الكلمات.

وفى الواقع أن الخيانات التى أسقطت ممالك وهزت سلاطين وعروش امبراطوريات وحتى دول لا تعد ولا تحصى،  لكن تبقى جريمة الخيانة الاجتماعية وتحديدا الخيانة بين الأزواج هى الخيانة التى لم تنقطع يوما عن التكرار والحدوث.. ويبدو أن هذا النوع من الخيانة لا يغفرها ليس فقط أطرافها بل التاريخ نفسه، عندما أبى إلا أن يسجل بشكل أسطورى أحداث أول خيانة زوجية فى التاريخ وجدت مكتوبة على بردية أربينى المحفوظة فى المتحف البريطانى تحت اسم "قصة الأخوين"، و تعود إلى عصر سيتى الثانى فى الدولة المصرية القديمة، وتحكى حكاية الأخوين أنبو وأخيه باتا وكيف حاولت زوجة أنبو إغراء أخى زوجها، وحينما رفض ادعت لزوجها أن أخيه باتا هو من حاول إغراءها، لذا حاول الزوج قتل أخيه، لكن الآلهة تتدخل لتصنع بين الأخوين بحيرة من التماسيح يعبرها الأخ البرىء هاربا ويلجأ إلى وادى بعيد ليعيش أحزانه، مقررا أن يضع قلبه الموجوع على رأس شجرة أرز، لكن الآلهة تقرر أن تهديه زوجة جميلة عوضا عن خسارته، وهنا يلعب القدر لعبته فيعرف الملك بجمال هذه الزوجة ويأخذها لنفسه، غير أن الزوجة تعلن للملك أنه لن ينالها إلى أن يموت باتا وتخبره عن مكان قلبه فوق الشجرة ليقطعها الملك فيموت الزوج المغدور، وبعد ٣ سنوات من البحث يصل أنبو إلى مكان أخيه بعد معرفته حقيقة خديعة زوجته له، فيجد قلب أخيه ملقى فيضعه فى ماء بارد فيسترد باتا سر الحياة من جديد ويذهب الى قصر الملك متخفيا فى شكل ثور ليستعيد زوجته ظنا منه أن الملك قد أخذها غصبا، لكن الزوجة الخائنة تستغل الملك لتحيك عدة مؤامرات وحيل لتتخلص من زوجها السابق، ومع ذلك وبصدفة قدرية تحمل الزوجة من باتا ويموت الملك ويجلس ابن باتا على العرش وتموت الزوجة الخائنة ويضع أنبو أخاه باتا وصيا على الملك الطفل لتنتهى القصة بالانتصار على الخيانة.

 جريمة عالمية

هذا ويؤكد علماء النفس أن أكثر ما يؤلم فى التعرض لتجربة الخيانة ليس الفعل فى حد ذاته بل فى ذلك الانهيار المفاجئ لمنظومة التصورات الذهنية بعقلية المخان، وهذا الشرخ العميق الذى سيشكل بلا شك نقطة تحول محورية فى شخصية الضحية.

وعلى ذلك اعتبرت الخيانة جريمة بكل معنى الكلمة فى شتى بقاع العالم لا تخص بلدا بعينه ولا زمن دون غيره، وهى جريمة فى كل اللغات قد توزعت لتشمل كل المجالات دون تفرقة، فلا يمكن وصفها على أنها جريمة اجتماعية على وجه الخصوص وإن عادت أسبابها إلى ماضى الخائن وتاريخه التربوى، وعل لذلك تعتبر إشكالية كبرى فى أى مجتمع لا ينظر إليها أبدا بحيادية كونها من أعقد الأمراض السلوكية ذات الأسباب المتعددة والنتيجة الواحدة والتى تتسم باستفزاز الروح الإنسانية أينما كانت فجرمتها جميع الأديان والأعراف الوضعية.

وفى التعريف العام جرى تسمية الخيانة على أنها مخالفة لأى اتفاق جماعى أو فردى سواء منصوص عليه أو كان ضمنيا متعارفا عليه يجعله يستحق التحلى بالوفاء والصدق والأمانة والثقة ويخضع لمواثيق الشرف، فبذلك يصان الوجود البشرى وبالأخص فى مشاعره ولا سيما إن كانت وطنية وقد اعتبر غير ذلك فعلا مستنكرا لا يتوافق مع الطبيعة السوية.

ومن هنا كانت دراسة سيكلوجية الخائن دراسة مفيدة؛ فهى المبنية على التنازع بين المنظومة القويمة فيه مقابل الرغبات والأهواء الهشة، فكان تغليب هذه الرغبات الشاردة هو موضع التحقير الذى تأنف له النفوس.

ولعل من الغريب أن رغم رسوخ هذه الكراهية المستحقة لفعل الخيانة عبر كل العصور والأزمنة وفى كل الأمكنة، حتى أن الخائن لم يجد أبدا من يسانده أو يدافع عنه إلا من أمثاله، ومع ذلك ومع كونه فعلا مستحقرا بغيضا لم يعدم أى وسيلة للاستمرار والبقاء كجرثومة لا يمكن القضاء عليها، والأغرب أن كل خائن لم يجد لدى حتى من استعملوه أى حب أو تقدير أو احترام رغم مظاهر الاحتفاء والترحيب والتكربم الظاهرى له، فيحكى مثلا أن قائدا مثل نابليون بعد انتصاره الصعب على النمسا بمساعدة خائن لبلده رفض أن يصافحه ملقيا إليه صرة من المال على الأرض قائلا: إن يدى لا يمكن أن تصافح يد خائن لوطنه، فوالده نفسه لن يسامحه وحتى اللصوص فى قومه لن تشكره.

 خيانة المترجم

مصطلح جديد أدخل على قصة الخيانة لمعنى قديم يتساءل دوما عن أمانة الكلمة ومدى حرية النقل، وقد أطلق مصطلح "المترجم الخائن" فى الأساس بالنظر إلى الأصل والإيمان بأن أى تغيير على هذا الأصل يعتبر خيانة يقوم بها من يملك أدواته ليكون قادرا من خلالها على التحوير وإعادة صياغة الموجود ومحاولة إكسابه صبغة جديدة قد تخل بالمعنى المراد ووقعه ومدى تأثيره الذى أراده صاحب الأصل.

وفى الفن والأدب وفى السياسة وحتى بعالم الترجمة ظل هذا المصطلح مختلفا عليه بين الاتهام حقا بخيانة الأمانة وبين حرية التحرك وإمكانية إدخال بعض التغيير لإيصال الرسالة دون التقيد الحرفى.

بساحة الفن نظر عموما إلى مسألة التعبير عن الخيانة بمفهومين؛ أولهما تناولها بمختلف مناحيها ورؤية آثارها على الشخصيات من خلال تصوير ردود أفعالهم. وثانيهما عبر نشر الفضائح والخيانات الفنية وأحيانا بتعمد ترويج الشائعات، مما يجعل الساحة الفنية مادة جاذبة تلفت الأذهان وتثير تهافت الآذان والعيون.

وربما ما يشكل فى بعض الأوقات صدمة فنية لها منحى فلسفى يخرج عن هذا المألوف الدارج هو ظهور عمل فنى يغرد بعيدا عن السرب ويشق ظاهرة القطيع منه مثلا ما مثلته لوحة تشكيلية للفنان البلجيكى ريينيه ماجريت رسم فيها غليونا كتب تحته عبارة "هذا ليس غليونا"، قاصدا فكرة البحث عن الحقيقة وراء المنظور، ما آثار دهشة من يراها ومنهم الكاتب فيكتور هوجو الذى انتقدها بعد أن تغلغلت فى تفكيره وأخذت من وقته وهو يقلبها على جميع الوجوه ليصيح فى النهاية "أن هذا ليس عملا فنيا بل خداعا فنيا وخيانة لثقة المتلقي" لهذا وضعت اللوحة فى متحف الفن الأمريكى بلوس أنجلوس تحت عنوان "لوحة خيانة الصور".

وفى النقل بين النص الأدبى لتحويله لعمل فنى كثيرا ما نسمع نبرة الاتهام فى أمانة النقل عندما يسحب الخيال البصرى ومتعة الغوص فى التحليل صاحب النقل على حساب إيصال النص الأدبى كما هو، وعن ذلك الشعور سئل نجيب محفوظ عن تغيير نص أعماله الأدبية عند رؤيتها على الشاشة فقال: "لقد فرغت من عملى بمجرد انتهائى من الكتابة وما يرى على الشاشة هى حرفة أخرى لأصحابها".

أما عن قصة المترجم الذى يترجم نصا أدبيا إلى لغة أخرى غير اللغة الأصل فسر الكاتب الألمانى يوهان فولفجانج احتمال هذا الاختلاف "بأن ترجمة الأدب أمر أشبه بتغيير تربة نبات وإعادة زراعته فى منبت غير منبته الأصلى وهكذا بعض الأعمال الأدبية تصلح كثمرة البطاطس بالنمو فى بيئة أخرى أما بعض المؤلفات فتكون حساسة كزهور استوائية عصية النقل والانتقال وأن هذا كله ليس خيانة أدبية.

وعن فكرة المترجم الخائن فى السينما يطلق الفيلم الأمريكى "ضائع فى الترجمة" العنان فى التفكير بأمر الخيانة اللفظية عبر مشاهد تتولى فيها مترجمة يابانية مهمة ترجمة حوار مثير بين محاور يابانى وممثل أمريكى شهير لنرى كيف ترتسم حيرة المترجم بين توصيل المعنى مجازيا أو التقيد بالنقل الأمين بحذافيره مهما كانت العواقب.

ولعل الأخطر فى مصطلح خيانة المترجم أو المترجم الخائن يبقى بالطبع فى دائرة السياسة وأكثر مثال له دلالة الخيانة كان فى الترجمة المحرفة لقرار مجلس الأمن الشهير ٢٤٢ الذى نص على انسحاب إسرائيل من الأراضى العربية التى احتلتها وقصد بها سيناء والضفة وغزة والجولان، بينما ترجمة القرار إلى الإنجليزية "ربما عمدا" حذفت فيه آل التعريف the   مما منح لإسرائيل فرصة الالتفاف على القرار بعد أن فهم التزام إسرائيل بالانسحاب من أراضى عربية بالاحتلال لا الأراضى العربية المحتلة بالفعل.

وفى أحد الأبحاث المتعلقة بخطورة ترجمة الحوارات والنصوص والقرارات السياسية تقول الباحثة مكريستينا ساروسى: "يمكن اعتبار التعامل باللغة محل ترويض للسير بها بثقة بين المتاهات مع الانضباط والانتباه للمعنى الموصل للفهم التام، وفى بعض الأحوال تحتمل الأمور التأويل والتحليل الاستنتاجى بدلا من الاستخدام البسيط لمترادفات المعانى ونقلها حرفيا.

وبناء على ذلك فقد احتارت حديثا صحف العالم إبان نشر تصريح للرئيس الأمريكى ترامب وصف فيه أوطان اللاجئين "ببلاد المراحيض القذرة" وفى حين اختارت الصحف اليابانية نشر نص العبارة بترجمة حرفية اكتفت صحف الفاتيكان بتجاهل الألفاظ القبيحة، ما أجبر المختصين فى عالم الترجمة على إدخال مصطلح جديد هو "الترجمة الترامبية" لتجنب الوقوع فى فخ مصطلح خيانة المترجم.

 عن سيكلوجية الخيانة

يقول السياسى فينلى بيتردان "ثق فى الآخرين ولكن لا تجعل ثقتك أبدا مطلقة".

وفى تحليل شخصية الخائن كتب حمودة إسماعيلى المحلل الاجتماعى: إن الخيانة هى فعل أو سلسلة أفعال تؤدى بالطبع إلى هدم العلاقات، وفى الحقيقة لولا وجود الثقة لما وجدت الخيانة، ولكن فى كل الأحوال تبقى للخيانة أطراف، أحدها هو الخائن والآخر الضحية، وتحقيقا يتمركز الضوء دائما على شخصية الطرف الخائن وما فعله دونما التركيز على شخصية الطرف الضحية لدراسة مدى نواقصه وحقيقة ضعف رؤيته وعدم توقعه مع تسليمه اليقينى فى منطلقات الأشياء وطبائع الأشخاص دون النظر فى سلوك الآخرين وبخاصة الأقربين واحتمالية تغير طبيعتهم الشخصية والنفسية بفعل مرور الوقت أو نتيجة التعرض لأى ضغط أو حتى لإمكانية دخول أى أفكار جديدة غير سليمة على واقعهم الحاضر دائم التغير، وبالطبع مع النزوح للإيمان الأكيد الراسخ لفكرة التصديق المستمر بلا أى احتمال للتنبؤ بالعكس، وهذا تحديدا ما يجعل لصدمة الخيانة هذا الأثر والتأثير المدوى العنيف الذى يصعب تصوره والخروج منه بعد اعتبار ما حدث هو إهانة للذات وصفعة للأمان وكأن لسان الحال يقول: لقد امتلكت هذا الآخر بكل ما فيه حتى بجوارحه، فكيف يخرج عن سيطرتى وتحكمى فيخوننى لهذا الحد؟! ولهذا يعتبر فعل الخيانة لمن يظن التملك الكامل هو بمثابة ضربة قاصمة غير متخيلة لأنها مذلة.

أما فيما يتعلق بمسالة الانخداع فإن على الأغلب يحتاج الإنسان إلى تجربة قوية تهز داخله كليا لتعيد توازنه البشرى فتذكره بحقيقة نقصه، بل وأحيانا أنانيته فتضرب بعنف فى نفسه جرس إنذار لضرورة أن يأخذ حذره ويحمى نفسه ولا سيما من الأخطاء المتكررة.

وعل فى التعرض لمسألة الخيانة على قسوتها وإيذائها النفسى الهائل هى تجربة أفاقة تجعل الإنسان أكثر حذرا بخاصة فى هذا الزمن فتجعله يفكر بمنطقية وبواقعية أكبر، ولهذا فإن دور الضحية بقصص الخيانة هى مدعاة لفرصة خروج الإنسان من مظهر المضطهد الذى يحتاج إلى الدعم والانتباه له، فهذا النوع من الطبطبة الاجتماعية تجعل الشخص غير منتبه للدرس المستفاد ومن ثم يسهل وقوعه مرة أخرى فى فخ الخيانة متناسيا نتيجة كثرة التعاطف معه تجربته المريرة السابقة.

وعلى نحو آخر وبعيدا بالتأكيد عن فكرة عدم تجريم فعل الخيانة، إلا أن بالدراسة النفسية المستفيضة لشخصية الخائن كما يشرح سارتر فى كتابه "جلسة سرية" أنه لا يمكن إرجاع كل الخيانات جملة وتفصيلا لحب المال أو الشهرة أو القوة والسلطة أو للانتقام والتنكر لمنظومة القيم والاخلاق والدين إذ فى بعض الحالات قد يسعى المرء فى مرحلة من حياته بشكل أو بآخر للتمرد، وذلك بالخروج عن السيطرة نحو حياة يتصورها بلا خضوع لشيء مهما كان وبلا خوف من احتمال التعرض للخطر بالمعاقبة والمساءلة أو حتى فى أضعف الحالات المعاتبة بالاعتقاد فى فكرة مجنونة أنه قد تحرر من تملك الآخرين له وأن هناك احتمال لنجاته فى الوقت المناسب.. لذا فبمثل هذه الحالات للخونة المجانين لا يمكن توقع ندمهم بضمير مستيقظ أو إحساسهم بأنهم مدانون، فهم لا يخشون عواقب الخيانة لأنهم من الأصل غير معترفين بأنها خيانة بل مقاومة للسيطرة.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد