كتاب عايدى على جمعة يستعرض طرائق «التناسخ والتجريب فى الرواية المصرية»
يتناول كتاب "التناسخ والتجريب فى الرواية المصرية" للناقد والشاعر الدكتور عايدى على جمعة، أستاذ الأدب والنقد، موضوعا مهما فى الرواية المصرية المعاصرة هو التناسخ والتجريب فى الرواية، عبر استعراض لأربع روايات لأربعة مبدعين من أجيال مختلفة، هم د. مصطفى محمود المولود عام 1921، والروائى السيد حافظ المولود عام 1984، والروائى أحمد عاطف درة المولود عام 1971، والروائية منصورة عز الدين المولودة عام 1976.
الروايات موضوع الكتاب هى "العنكبوت" لمصطفى محمود، وقد صدرت عام ١٩٦٥، و"حتى يطمئن قلبي" للسيد حافظ وصدرت عام ٢٠١٧، و"بساتين البصرة" لمنصورة عز الدين وصدرت عام ٢٠٢٠، و"روح واحدة" لأحمد عاطف درة وصدرت ٢٠٢٣.
أكثر من حياة
يقول المؤلف فى مقدمته إن التناسخ هو عقيدة قديمة، كانت محل إيمان بها وكلام حولها لدى أمم كثيرة قديمة، وتعنى فى أبسط تعريفاتها رجوع الروح بعد موت البدن إلى العالم الأرضى متلبسة بجسد جديد، فروح الإنسان تعيش أكثر من حياة على هذه الأرض، أما التجريب فى الرواية، فهو إنتاج موضوعات ومناطق مجهولة، والتمرد على الرواية الكلاسيكية، بما فيها من خطية الزمن ذات البداية والنهاية ووحدة المادة الحكائية، إلى رواية تخرق خطية الزمن، وإلى أصوات حكائية متعددة.
من هذه الزاوية، التناسخ باعتباره تجريبا، ينطلق عايدى على جمعة فى كتابه المهم، ليناقش الروايات الأربع لأربعة مبدعين مصريين، ثلاث منها كتبت فى وقتنا القريب الراهن، وواحدة فقط كتبت منذ ستين عاما، وكان لها سبق واضح فى تناول قضية التناسخ بشكل روائى.
وطبيعى أن المؤلف بدأ تناوله للتناسخ باعتباره تجريبا من رواية "العنكبوت" للدكتور مصطفى محمود، وتدور حول الطبيب داوود المتخصص فى أمراض المخ والأعصاب، ويستقبل مريضا يعانى مشكلة كبيرة فى المخ لم تكشفها أجهزة المعامل لكن داوود يكتشفها من خلال جهاز حديث جدا بعيادته، جاءه منذ أيام قليلة من أمريكا، ويكتشف خللا جسيما وشيئا غامضا فى ذبذبات كهرباء مخ المريض، الذى يدعى دميان، وكان شابا فى الثلاثين، لكن وجهه مرهق ويميل للاصفرار، ويبدو كهلا وهو لم يتزوج بعد، لكنه خطب إحدى الفتيات.
يدرك الطبيب أنه أمام مرض جديد لا يعرفه. ويغادر المريض العيادة وقد أعطى عنوانه للطبيب. وبعد فترة، يقرر الطبيب أن يذهب إلى عنوان المريض، فيسافر بسيارته التى يضع فيها جهازا يستكشف الأشعة الذرية إلى العنوان المذكور لديه، ليفاجأ أن ماء ساخنا على سلم الشقة، وأنه لا يوجد أحد، فيرتاب فى الأمر ويبلغ البوليس، ليكتشف أن دميان قتل خطيبته وهرب. فيخرج سريعا ويستقل سيارته متوجها إلى طنطا، ويتعرض لحادث بسيارته، ليكتشف جهازه الموجود فى السيارة أن هناك أشعة ذرية فى المكان الذى يسير فيه، فيتوقف بسيارته، و يفاجأ بفيللا مهجورة يدخلها، فإذا مريضه يمسك بجهاز غريب ويضعه على رأس رجل أصلع، موهما إياه بأنه سيعيد إليه شعر رأسه، وينقذ الطبيب الرجل الأصلع بعد أن أدرك أن دميان قتل خطيبته بذات الطريقة، ويعرف بعدها أنه عن طريق حقن سائل بهذا الجهاز، وفى خلال مدة زمنية مدتها نصف ساعة يستطيع الإنسان أن يعبر الزمن، وأن يعرف تلك الشخصيات الغابرة التى تلبستها روحه.
يجرى حوار بين الطبيب داوود ومريضه دميان، ويكتشف الطبيب أنه عن طريق هذا الجهاز يستطيع من يستعمله أن يسافر فى الزمن، وأن يعرف الشخصيات التى كانها، أو كأنها غيره. ويقول دميان لداوود "أناديك بأى اسم. أنت لك أسماء كثيرة. أكثر من ألف اسم.. أناديك باسمك أيام المماليك.. أو أيام الأتراك أو أيام الخلافة الفاطمية. تصور أن اسمك كان فى يوم بهلول الحلبى". ويضع دميان الجهاز ويشغله على نفسه ويموت بعدها، ليقرر داوود أن يغامر هو الآخر بحياته، ويضبط الجهاز على نفسه لمدة نصف ساعة، لكنه ينجو، ليحكى لنا هذه الرواية البديعة التى يبدأها مصطفى محمود بداوود، وهو يقول إنه يريد أن يحكى مذكراته وحكايته الخطيرة للناس.
هنا يبدو التجريب منحسرا إلى حد ما، لأن السارد واحد فقط، هو الطبيب داوود، لكن فكرة التناسخ كمحور للرواية تجعلنا نقرر أنها رواية ابتكرت أسلوبا وطريقة فى التجريب.
بين الزمان والمكان
فى رواية "حتى يطمئن قلبى" للسيد حافظ، الذى كتبها كرواية خامسة فى إطار مشروع روائى يتكون من سبع روايات، يعتمد على التناسخ كوسيلة مختلفة للتجريب، وعبر بنية زمانية وتجليات مكانية مغايرة.
الشخصية الرئيسية فى الرواية هى "سهر"، التى تتزوج من "منقذ" اللبنانى، وتعيش فى الإمارات العربية المتحدة، بينما تحب شخصا آخر ارتبطت به عاطفيا وجسديا هو الصحفى المصرى فتحى، وتعرف صديقتها شهرزاد حكايتها وحكاية حبها، وتنجب سهر طفلا لا تعرف إن كان ابنا لزوجها أو لحبيبها، أما شهرزاد فهى من تروى حكايتها، وكأن السيد حافظ أراد أن يجعل من شخصية شهرزاد معادلا لسميتها، النموذج الأعلى للسرد عبر التاريخ.
ويطوف بنا السيد حافظ عبر بنى زمنية مختلفة، فسهر ترتد إلى شخصية "لامار"، التى تعيش فى العصر الأيوبى، وتحب ضوء المكان أو مصباح بن شيحا الحداد، الذى يغتصبها فى إحدى العشش، وتحمل منه فى طفل وتكرهه بعد واقعة الاغتصاب، وتتزوج من عثمان القاضى. وترتد سهر مرة أخرى إلى شخصية "العالية"، الفتاة الجميلة التى تعيش فى آخر عصور الدولة الفاطمية، ويحبها الحاكم بأحكام الله الفاطمى ويتزوجها رغما عنها، وهى التى تحب ابن عمها، وثمة تشابه بين منقذ زوج سهر فى عصرنا الحديث الذى يطلب من زوجته ألا تسقط طفلها، حتى لو تبين أنه ابن لحبيبها الأول فتحى، وبين عثمان القاضى الذى يعرف على وجه اليقين أن زوجته حملت طفلا سفاحا بعد اغتصابها من ضوء المكان، لكنه يطلب منها أن تبقى عليه ولا تسقطه.
فى الرواية تجليات مكانية كثيرة وبنى زمنية مختلفة، وسياقات سياسية واجتماعية عديدة، أوردها السيد حافظ لعصرنا الراهن ولعصر صلاح الدين الأيوبى والدولة الفاطمية. وكما ذكر المؤلف عايدى على جمعة تأتى هذه الرواية ضمن سباعية روائية للسيد حافظ، يكون التناسخ عنصرا محوريا وتجريبيا. جعل السيد حافظ أولاها قصة نفر فى عصر إخناتون، وثانيتها شخصية نور التى عشقت القائد حور محب فى عصر النبى موسى عليه السلام، وثالثتها شخصية شمس فى عهد الحاكم بأمر الله الفاطمى، ورابعتها شخصية وجد التى أحبت الفتى نيروزى، ثم خامستها لامار التى نحن بصدد الحديث عنها، وأوردها المؤلف فى كتابه بالتفصيل.
هشام ويزيد
فى رواية "بساتين البصرة" لمنصورة عز الدين، نحن أمام تيمة التناسخ منذ البداية، فالبطل هشام خطاب يدخل فى روعه منذ البداية أنه يزيد بن أبيه، الذى عاش فى البصرة فى زمن الحسن البصرى وواصل بن عطاء، وأنه ذلك الخواص الذى دخل بيته الخوص يوما، فوجد زوجته مجيبة تخونه مع أقرب أصدقائه مالك بن عدى النساخ، ولا يفعل يزيد المخدوع شيئا سوى أن ينظر إليهما ويخرج من بيته، لكن صديقه يتعقبه ويقتله ويدفنه على حدود كرمة قريبة من شط العرب.
التناسخ هو محور الرواية، وهو الذى يربط بين بطليها هشام خطاب ويزيد بن أبية، والبطلان يعيشان فى زمنين مختلفين، وفى سياقات اجتماعية وبيئية مختلفة تماما.
وتعطى الروائية سلطة الحكى لأصوات متعددة فى الرواية، وهى هشام خطاب، ووالدته ليلى، وصديقته بيلا، وكذلك يزيد بن أبية، ومالك بن عدى، ومجيبة زوجة يزيد.. ويزيد الذى قُتل غدرا، قتل هو بدوره رجلا كبيرا كان ينازع الموت فى بيت كبير لوحده، وهو مصاب بالطاعون، لكى يستولى على كنز من الذهب كان بحوزة العجوز. وهشام خطاب أيضا دبر حريقا بالماس الكهربائى لأستاذه، ليموت هذا الأستاذ وأسرته، بعد أن أخبره الأستاذ أن لديه مخطوطا قديما كتبه عدى بن مالك، وكأن هشام خطاب خشى من افتضاح أمره، فهو يظن نفسه يزيد بن أبية، فهو يقول فى الرواية "تنادينى باسم هشام، أخبرها أننى يزيد بن أبية المقتول غيلة، والمدفون على حدود كرمة قريبة من شط العرب".
الحلم فى "بساتين البصرة" هو إطار عام للرواية كلها، حلم يزيد ابن أبية الذى أخبر به بن سيرين بأنه رأى الملائكة تهبط على أرض البصرة وتقطف الياسمين، ففسره بأن علماء البصرة سيموتون. هذا الحلم يظل حاضرا فى العمل، كما يظل التناسخ بين الشخصيتين الرئيسيتين؛ هشام خطاب ويزيد بن أبية، رابطا بين تفاصيل الرواية وأحداثها وأماكنها، من المنيا إلى طنطا إلى القاهرة إلى البصرة.
حيوات متعددة
أما رواية "روح واحدة" لأحمد عاطف درة، فتركز على فكرة التناسخ فى أزمنة متعددة، ركز فيها الروائى - وهو مخرج سينمائى وكاتب سيناريو- على أزمنة متعددة، وإن كان التركيز بشكل أكبر على الأزمنة القديمة فى مصر الفرعونية.
الكتلة السردية الأولى تتناول حياة المغنية "سجية"، التى عاشت فى القرن التاسع عشر، وولدت فى قرية بأسيوط، وهى مغنية ذات صوت جميل، سافرت مع خالها من قرية بوها بديروط إلى القاهرة، وأجادت الترانيم المسيحية، والتقت بالبابا كيرلس الرابع والشيخ المسلوب. وعلى مدار الرواية، يتناول المؤلف شخصيات الفلاح والجندى والمتصوف والحكيم. وربما حاول المؤلف أن يلخص روايته فى هذه المقولة على لسان أحد الأبطال "عشت حيوات ولم تكن حقيقتى إلا واحدة"، فكل هذه الأرواح التى تجلت كأنها روح واحدة، أو هى روح واحدة انبثقت منها أرواح عديدة، ليكون ختام الرواية بعنوان "اكسير"، الذى يعنى سر الحياة. فسر الحياة فى هذه الروح الواحدة. وهكذا يختم المؤلف كتابه المهم، بأن الروايات التى استعرضها تناولت قضية محورية هى التناسخ، وإن بأشكال مختلفة، وفى سياقات متعددة، تتجاوز الرؤى التقليدية إلى ما هو أرحب وأشمل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،
"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...
رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...
تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...