كان واضحا منذ روايته الأولى "تلك الرائحة" (1966) أنه كاتب مغامر، ثائر، لا يركن للكتابة المتداولة، التى اعتادها القراء، فهو لا يكتب ليمتع القارئ أو يسليه، بل لينكأ جروحه، يضعه أمام مأساته وواقعه بكل وضوح، وبلا أدنى مواربة،
أو محاولة لتجميل الواقع، فالقبح هو القبح، والفساد هو الفساد، ولا جدوى من محاولات وضع ماكياج له، هكذا كان نهج الكاتب الاستثنائى صنع الله إبراهيم، الذى رحل عن عالمنا الأسبوع الماضى، فكانت الكتابة لديه بمثابة زلزلة، مواجهة، مقاومة، تعرية وفضح لكل السلبيات، وتوالت رواياته التى تركت بصمة لا تمحى فى مسيرة الرواية العربية بما تمثله من مغامرات جمالية وتجريب فى التقنيات، وأيضا بما تحمله من انشغال بقضايا المجتمع والمهمشين المقموعين، وهو ما تأكد فى كل عمل من أعماله الأخرى التى توالت لتثرى المكتبة الروائية العرịية: "نجمة أغسطس" عام 1974، "اللجنة" عام 1981، بيروت.." بيروت" عام 1984، "ذات" عام 1992، "شرف" عام 1997، "وردة" عام 2000، "أمريكانلي" عام 2003، "يوميات الواحات" عام 2005، "التلصص" عام 2007، "العمامة والقبعة" عام 2008، "القانون الفرنسي" عام 2008، "الجليد" عام 2011، ị"رلين "69 عام 2014، "1970" عام .2020
هذا الملف مجرد "وردة" إلى روح الروائى الكبير الراحل، الذى حافظ طوال حياته على "شرف" الكتابة، وعاش معتزا "بذات" المثقف، الذى لا يبيع مبادئه مهما كانت المغريات.
درس الحقوق فى جامعة السجن وكتب أولى رواياته تحت «الرقابة القضائية»
صنع الله إبراهيم.. «سردية المقاومة» التى غيّرت مسار الرواية العربية
يحيى حقى وصفه بالحماقة.. وفؤاد نجم اعتبره «صنع الله ابن إيزيس»
رحل آخر شهود مقتل «شهدى عطية» فى السجون الناصرية
نصحه يوسف إدريس بتغيير «الرائحة النتنة فى أنفى» إلى «تلك الرائحة»
برحيل الكاتب والروائى المصرى الكبير صنع الله إبراهيم (1937 - 2025)، فقد الأدب العربي أحد أكثر كتابه الكبار جدية والتزاما وتأثيرا في الرأي العام، فعلى يديه دون غيره، تحول الفن الروائي العربي إلى اشتباك حقيقي بين التاريخ والحكاية، بين الجانب السردى الفنى "الخيالي" والجانب الواقعى الوثائقى "التسجيلي"، الأمر الذي خلق حالة سردية فريدة انتقلت بين جميع أعماله من "اللجنة" و"بيروت بيروت" و "نجمة أغسطس" إلى "ذات" و"شرف" و"التلصص"، وكثير من أعمال الكاتب الراحل، الذي كان مشغولا بشكل أساسي ببناء سردية مغايرة مدعومة بأرشيف لا ينضب، كأنها "سردية مقاومة" بديلة للسردية الرسمية السائدة.
من بين أكثر الروائيين من جيل الستينيات الذين ندمت لأنني لم ألتق بهم مباشرة على أرض الواقع، ولم يسعدنى الحظ بالاقتراب من تجاربهم الإنسانية، يأتي اسم الروائي الكبير الراحل صنع الله إبراهيم على رأس القائمة، حيث شعرت دائما بندم خاص لأنني من أشد المعجبين بطريقته في الكتابة الواقعية وبمواقفه السياسية، وطالما نظرت إليه باعتباره نموذجا هائلا للكاتب اليساري العصامي الذي لا يسعى وراء مصلحة من أحد، بينما عاش عمره لكى يدافع باستماتة عن حق الناس في الطعام بنفس قوة دفاعه عن حقهم في التعبير.
على الرغم من أنني التقيت أغلب أدباء جيل الستينيات وعملت مع بعضهم في مهنة "المتاعب"، وأجريت حوارات صحفية مطولة مع بعضهم الآخر، إلا أن حظى العثر لم يقدني إلى لقاء مع صنع الله إبراهيم - المترفع دائما - إلا مرة واحدة فقط، قبل ثلاثة عقود على الأقل، في قاعة فاخرة داخل إحدى القنصليات الثقافية في مصر، لعلها القنصلية الإيطالية في جاردن سيتى لو لم تخنى الذاكرة، في لقاء حضره الجمهور العام، جمع كاتبا مصريا معروفا في اللغة الإيطالية، هو "صنع الله"، مع كاتب إيطالى لا أذكر اسمه حاليا للأسف - كان يستعد وقتها لإصدار رواية مترجمة له إلى اللغة العربية في إحدى دور النشر المصرية.
في هذا اليوم من أيام السنوات الأخيرة من عقد التسعينيات من القرن العشرين، وبينما كان صنع الله على منصة مسرح يتلقى أسئلة باللغتين العربية والإنجليزية ويتكلم بهدوء عن تجربته، كان من السهل أن أفهم أن هذا الكاتب هو الوحيد في جيله لا يشاركه سوى يحيى الطاهر عبدالله الذي كان يقدم نموذجا إنسانيا نقيضا لأدباء جيل الستينيات جمال الغيطاني وبهاء طاهر و خيري شلبى ويوسف القعيد وسليمان فياض ومحمد البساطى، فقد ولد صنع الله قاهريا - عكس كل أبناء جيله تقريبا - منغمسا في الحياة السياسية المصرية حتى النخاع، وقد كان "صنع الله" أفنديا من أسرة برجوازية، في ظروف عرفت قسوة الاستعمار البريطاني على مصر أواخر عقد الأربعينيات من القرن العشرين وبتأثير الوالد المثقف انضم صنع الله مبكرا جدا أثناء دراسته في كلية الحقوق جامعة القاهرة" إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدثو"، وبالتالي استكمل دراسة الحقوق في تجربة السجن في العهد الناصري ( ١٩٥٩ - ١٩٦٤) ، وورد اسمه شاهدا في قضية "الشهيد شهدى عطية الشافعي" الذي قتل على أيدى زبانية التعذيب في العهد الناصري، فقد كان "صنع الله وشهدى" تم ترحيلهما إلى سجن الواحات - تقريبا - في "كلبش" واحد وحين سئل صنع الله عما حصله في حياته من تجارب قال: "السجن هو جامعتي الحقيقية".
صفعة للذوق العام
لقد انطلقت المسيرة الإبداعية للكاتب الراحل بطريقة مدوية، مثل انفجار في لحظة خاصة جدا من لحظات الثقافة المصرية، منتصف عقد الستينيات من القرن العشرين، حيث نالت روايته الأولى اهتمام الكثيرين في الوسط الثقافى المصرى بعدما غير عنوانها الأولى من الرائحة النتنة في أنفي" إلى "تلك الرائحة"، بناء على نصيحة من الكاتب الكبير الراحل الدكتور يوسف إدريس، كما يقول صنع الله نفسه، في مقدمة الطبعة الكاملة الأولى لـ "تلك الرائحة وقصص أخرى" الصادرة عن دار ومطابع المستقبل بغلاف للفنان الكبير الراحل الدكتور خلف طايع، المدير الفني الأسبق لمجلة الإذاعة والتليفزيون.
ولكي نخمن الصدمة التي أحدثتها روايته الأولى تلك الرائحة" في الذوق العام، علينا أن نعرف رأي كاتب كبير مثل يحيى حقى فيها، فلم يكن سهلا أن تستفز غضب رجل مثله، لدرجة تدفعه لكى يشتمك . وهو الدبلوماسي الأنيق - في مقاله الأسبوعي يحكى صنع الله وقائع التأثير الذي أحدثته روايته في الرجل الذي كان يمثل الذوق الفنى السائد وقتها، فحين استلم يحيى حقى نسخة الرواية لمح عنوانها ومازحكاتبها مجاملا: " إن الغرفة أوشكت أن تعبق بالعبير الزكي الذي يفوح منها" - يقصد الرواية - لكنه سرعان ما قرأ واكتشف الفخ وأن الرواية تعبق بروائح رديئة ونتنة فكتب عموده الأسبوعي غاضبا متحسرا في جريدة "المساء":
لازلت أتحسر على هذه الرواية القصيرة التي ذاع صيتها أخيرا في الأوساط الأدبية وكانت جديرة بأن تعد من خيرة إنتاجنا لولا أن مؤلفها زل بحماقة وانحطاط في الذوق، فلم يكتف بأن يقدم إلينا البطل وهو منشغل بجلد عميرة (لو اقتصر الأمر على هذا لهان)، لكنه مضى فوصف لنا ايضا عودته لمكانه بعد يوم ورؤيته لأثر الفنى على الأرض، تقررت نفسي من هذا الوصف الفزيولوجي تقررا شديدا لم يبق لى ذرة من القدرة على تذوق القصة رغم براعتها، إنتى لا أهاجم أخلاقياتها، بل غلظة إحساسها وفجاجته وعاميته.. هذا هو القبح الذي ينبغي محاشاته، وتجنيب القارئ تجرع فيحه .
وبعد الحماقة والانحطاط الهم الدكتور يوسف إدريس الكاتب بالخبث هنا وجدت صنع الله مرا ليست مرارة حاقدة، لكنها مرارة من يريد أن يتخلص ويتخلص قراءه من كل شعور بالمرارة صريحا في أهدافه. القصيرة، صريحا إلى درجة اشعارت نفسي فيها من بعض تعبيراته، ولكن مقابل صراحته القصيرة هذه هناك حيث فني مخفى يخاطب من وراء ظهر القارئ وعقله والوجدان أعمق طبقات الوجدان، هنا في هذه الرواية القصيرة لخص لي صنع الله ليس فترة هامة من حياة بطل القصة، إنما فترة أهم من حياة جيل صنع الله، ذلك. التلخيص الساحر المركز شديد المفعول. إنها ليست قصة قل إنها صفعة أو صرخة أو أهة منبهة قوية تكاد تثير الهلع".
الولع بالتوثيق
وربما بسبب ارتباطه بمهنة الصحافة في وكالات الأنباء، صار من بين أهم السمات الروائية التي تميز بها أسلوب صنع الله إبراهيم الروائي وأصبحت سمة تدل على أعماله هي "الكتابة التسجيلية"، بوصفها القاسم المشترك الأعظم بين جميع رواياته. ولعلها تعتبر نتيجة طبيعية لشخصيته كصحفى موقع بقراءة الأرشيف وتتبع النصوص والمخطوطات، ولأن صنع الله اعتبر منذ بدايته صحفيا مؤرخا، حيث بدأ مسيرته المهنية كصحفي في "وكالة أنباء الشرق الأوسط"، قبل أن ينتقل إلى "وكالة الأنباء الألمانية" في ألمانيا الشرقية. حيث لا تكتفى رواياته بالسرد، بل يعتمد على نوع من الكولاج السردي الذي يسمحبتدوين نصوص "وثائق" داخل نصه الرواني
ناقدنا الكبير الراحل فاروق عبد القادر (۱۹۳۸ - ۲۰۱۰) انتبه إلى هذه السعة في أعماله وأشار إليها باعتبارها لازمة من لزمات صنع الله إبراهيم الروائية، في مقال له بعنوان "صنع الله إبراهيم في روايته الجديدة وردة المنشور في كتابه "غروب شمس الحلم ، يقول عبد القادروجود المادة ذات الطابع التسجيلي أو التوثيقي في أعمال صنع الله أصبح أمرا دالا عليه، مثل "الازماته" في الكتابة أو بصمات أصابعه في "نجمة أغسطس" روايته الثانية بعد تلك الرائحة" تضمينات من ذكريات الراوي، وحياة مايكل أنجلو والتاريخ الفرعوني، وفي "اللجنة" اقتباسات عن مصادر شتي، في أعماله الثلاثة التالية زادت العادة التسجيلية من حيث حجمها وطبيعة استخدامها معا في بيروت بيروت" يثبت الكاتب سيناريو كاملا لفيلم تسجيلي عن الحرب الأهلية في لبنان منذ نشوبها حتى حصار "تل الزعتر وسقوطه في ١٩٧٦، إضافة إلى فصل خاص عن تاريخ المسألة اللبنانية. وفي "ذات" يعمد إلى إقامة لون من التوازن الشكلي فصل المادة الرواتية يتلوه فصل تسجيلي يضم أخبارا من الصحف الحكومية والمعارضة، ومقتطفات من الصحف الأجنبية، وتقارير وتصريحات للمسئولين، وأقوالا لسواهم، لكن المادتين: الروائية والتسجيلية بقيتا متوازنتين.. أما في "شرف" فقد تجاوز صنع الله ما فعل في أعماله السابقة جميعا، وبلغ في إثبات المادة التسجيلية حدا غير مسبوق فيما أعرف".
وكما فعل صنع الله دائما فعل الأمر نفسه في "وردة" التي تحكي عن ثورة في عمان كانت بطلتها شهلا قد تركت يومياتها التي احتلت نحو نصف الرواية تقريبا الأمر الذي جعله يواجه اعتراضات من الناشرين خصوصا الأجانب حيال أحجام رواياته، فقد اضطر إلى حذف المادة التسجيلية كاملة من الطبعة الفرنسية الرواية "شرف"، بناء على اعتراض الناشر بسبب المساحة، وبالتالي شكلت المادة التسجيلية في رواياته أحيانا أعباء على الناشرين الذين يريدون نصا مختزلا قدر الإمكان، مع الوضع في الاعتبار أن صنع الله كان من أكثر الروائيين المصريين والعرب الذين ترجمت أعمالهم إلى لغات أجنبية شتى.
نختتم هذا المقال باللحظة الانفجارية الاستثنائية التي رفض فيها صنع الله إبراهيم تسلم جائزة "الرواية العربية" التي تمنحها وزارة الثقافة المصرية، العام ۲۰۰۳، معلنا أن السبب في رفض الجائزة أنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمى الفساد، والذين كانوا يعرفون صنع الله وقتها كانوا ولاشك يتوقعون منه أن يرفض، ففي الكلمة التي ألقاها على مسرح دار الأوبرا المصرية، خلال حفل تسليم الجائزة، انتقد صنع الله سياسة القاهرة الخارجية، وعلى رأسها التطبيع مع إسرائيل، منهما الأخيرة بـ القتل وتشكيل تهديد فعلى الحدودنا الشرقية". كما ندد بـ " الإملاءات الأمريكية، والعجز في السياسة الخارجية المصرية".
يجب أن أختتم هذا المقال بقصيدة كتبها الفاجومي أحمد فؤاد نجم عن رفض صنع الله استلام الجائزة عام ٢٠٠٣ الله يجازيك يا صنع الله یا ابن الكلب یا مجنون خلاص مش قالوا فضوها
لا عاد عنتر ولا شمشون تقوم انت اللي تعملها وتحرق ورقة المأذون أديك نيلتها بنيلة و ضريت بيجى ألف زبون زباين جائزة الدولة يا صنع الله أمم أبابيل تاريخ في الرقص ع السلم وهز البطن والشخاليل تروح فين انت ولا احنا و باقي الهيل والمهابيل دا علم وموهبة وخبرة في فن اللعب ع المضمون قالوا له حرام يا صنع الله تقول ع النعمة دي رشوة وناس جهلوه
ما غيرك خلق الهفوها
و حلوا المشكلة بعشوة
حتلبس برفع العزة
وتعمل فيها طيز وزة
وتتكلم عن الإنسان
وعن مجد العروبة زمان
دا يبقى جنان يا صنع الله
وطبعا انت مش مجنون
و قامت قومة المهاويس
وأصحاب اللعين إبليس
وصبوا الجاز على البرواز
ومارسوا الكدب والتدليس
وناس لعنوه
وناس وقفوا له ع المتاريس
نطق صوت الزمان عالي وقال الواد ده يبقى عريس
يزف الفرحة للمحروم
ويؤنس وحدة المحابيس
وضوي الشمع في الكوشة على صنع الله ابن ايزيس
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد